21 أبريل 2026

لم تكن صورة الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع من منتدى أنطاليا مجرد تفصيل بروتوكولي، بل حملت دلالة سياسية واضحة، فوصْف عبد الحميد الدبيبة بـ”ممثل ليبيا” مقابل منح ألقاب رسمية لقادة آخرين فتح باب التأويل، ما يعكس تعاملا سورياً مع الدبيبة بمكانة أدنى من موقعه الذي يسعى لتكريسه.

الأهم أن هذا التوصيف لم يأت في فراغ، بل في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تقاس الرسائل بالألفاظ لا بالمصافحات وحدها، وتتحول التفاصيل البروتوكولية إلى مؤشرات على خرائط الاعتراف السياسي وموازين الشرعية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخصية مثيرة للجدل مثل الدبيبة، التي لا تزال مكانتها محل اختبار داخل ليبيا وخارجها.

استقبال تكالة وتراتبية الاعتراف

الواقعة تصبح أكثر دلالة إذا وضعت بجوار مشهد آخر جرى في المنتدى نفسه تقريبا، فالرئيس الانتقالي السوري اجتمع رسميا بمحمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الاستخبارات العامة حسين السلامة، وفق ما أوردته رئاسة الجمهورية السورية ووسائل إعلام ليبية.

بهذه الصورة لا يعود الأمر مجرد اختلاف في أسلوب النشر على وسائل التواصل؛ بل يصير جزءا من تراتبية رمزية، حيث استقبل تكالة بصفة مؤسساتية واضحة، فيما ظهر الدبيبة في منشور آخر بوصفه “ممثل دولة ليبيا”، وفي الدبلوماسية، هذا ليس خطأ لغويا بريئا، بل رسالة قابلة للقراءة بوصفها إعادة ضبط لموازين الاعتراف والتمثيل.

سياق الأزمة الداخلية وانعكاسها خارجيا

من هذه الزاوية، تبدو “الإهانة” التي يتحدث عنها خصوم الدبيبة أقل ارتباطا بالمشاعر الشخصية وأكثر اتصالا بموقع الرجل داخل المعادلة الليبية نفسها، فهو وإن ظلّ رئيس حكومة الوحدة الوطنية، منتهية الولاية، المعترف بها أمميا في طرابلس، يواجه منذ وقت طويل أزمة شرعية داخلية ممتدة، تتغذى من الانقسام، ومن خصوماته مع طيف واسع من القوى السياسية، ومن اتهامه المتكرر بتوسيع سلطته على حساب التوافق الوطني.

أي توصيف خارجي ملتبس لموقعه لا يقرأ باعتباره زلة بروتوكولية فحسب، بل باعتباره انعكاسا لتآكل صورته التمثيلية خارج حدود ليبيا أيضا.

تقارب سابق يجعل الرسالة أكثر حساسية

لكن الصورة لا تكتمل من دون التذكير بأن العلاقة بين طرابلس ودمشق لم تكن متوترة في الأشهر السابقة؛ بل على العكس شهدت إشارات تقارب واضحة.

في أبريل 2025 أكدت وكالة سانا أن الدبيبة شدد خلال لقائه الشرع في أنطاليا على “دعم ليبيا الثابت لسوريا”، مع الاتفاق على تفعيل اللجنة العليا الليبية-السورية المشتركة وتنظيم أوضاع المقيمين السوريين في ليبيا.

وفي مارس 2026 أجرى الدبيبة اتصالا هاتفيا مع الشرع، عبّر فيه عن رفض ليبيا “أي استهداف يطال الدولة السورية أو أي دولة عربية”، ما يعني أن حادثة “ممثل ليبيا” لا تصدر في فراغ، بل تأتي بعد مسار من الانفتاح السياسي، ما يجعلها أشد وقعا، فهي لا تعبّر عن قطيعة، لكنها تكشف حدود الثقة ومقدار الحذر في هذا التقارب.

محاولات الاحتواء وخطاب التهدئة

محاولة بعض الأوساط الإسلامية الليبية امتصاص وقع الحادثة برزت بوضوح، كما في تصريح سامي الساعدي، المسؤول الشرعي السابق في الجماعة الليبية المقاتلة، الذي قال إن لقاء الدبيبة والشرع “فيه خير كثير على مستويات عدة رغم العراقيل والتحديات”، فيما بدا كأنه مسعى لتطبيع المشهد ومنع تضخيمه.

غير أن هذا الدفاع يشي بوجود مشكلة؛ فلو كان كل شيء طبيعيا فعلا، لما احتاج الأمر إلى تدخل شخصيات مثقلة بتاريخها الأيديولوجي لتفسيره أو تسويغه، وهنا تتقاطع الواقعة البروتوكولية مع البنية السياسية التي يستند إليها الدبيبة من شبكة دعم داخل غرب ليبيا تضم قوى وشخصيات لا تزال تثير قلق خصومه في الداخل وبعض العواصم العربية.

الاتهامات القديمة وحدود الدقة الصحفية

تقود هذه الواقعة إلى النقطة الأكثر حساسية المرتبطة بإرث الاتهامات القديمة بعلاقة الدبيبة أو محيطه السياسي بتيارات الإسلام السياسي والجماعات المسلحة.

في عام 2017 أعدّت لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب الليبي بطبرق قائمة ضمّت 75 اسما و9 كيانات، واقترحت مخاطبة كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر لبحث إدراجها ضمن القوائم المعتمدة لديها، وكان اسم عبد الحميد الدبيبة واردا ضمن هذه القائمة بوصفه “ممولا للكتائب المسلحة الموالية والتابعة لجماعة الإخوان المسلمين”.

كما جرى التمييز بين الأسماء الليبية المدرجة رسميا في القائمة الرباعية، وتلك التي طرحت لإلحاقها لاحقا، وكان الدبيبة ضمن الفئة الثانية، فموقع اسمه في هذا السياق ظل مرتبطا باتهامات سياسية ضمن إطار صراع داخلي وإقليمي أوسع.

براغماتية دمشق وإدارة الصورة

هذه الدقة مهمة، لا فقط من باب المهنية، بل لأنها تغيّر فهم الواقعة كلها، فالمسألة ليست أن سلطات دمشق “عاقبت” رجلا مدانا رسميا على المستوى العربي؛ بل إن الشرع تعاطى ببرودة واضحة مع شخصية ليبية مثيرة للجدل، يعرف الجميع أن خصومها يربطونها بملف الإسلام السياسي والتمويل والشبكات المسلحة.

من زاوية الشرع الذي يحاول إعادة صياغة صورته الإقليمية والدولية كرئيس دولة لا كقائد فصيل سابق، فإن إظهار مسافة محسوبة مع الدبيبة جزءا من إدارة صورته الجديدة عبر انفتاح بلا تورط، وعلاقات بلا تبنّ كامل.

هذا يفسّر لماذا بدا تكالة، صاحب الصفة المؤسسية غير التنفيذية، أكثر راحة في الصورة السورية من رئيس الحكومة الليبية.

تداعيات سياسية وخسارة مزدوجة

الواضح أن الدبيبة خسر في هذه الجولة على مستويين؛ الأول بروتوكولي مباشر فالتوصيف السوري خفّض رمزيا سقف تمثيله، والثاني سياسي أعمق حيث خصومه الليبيون وجدوا في الواقعة مادة جاهزة لتكثيف سرديتهم القديمة عنه، بوصفه رجلا محاطا بشبهات التحالف مع الإسلام السياسي، وغير قادر على تحويل انفتاحه الإقليمي إلى اعتراف كامل بمكانته.

أما دفاع أنصاره بأن اللقاء بحد ذاته دليل إيجابي، فهو دفاع صحيح جزئيا لكنه لا يمحو جوهر المشكلة، فأحيانا لا تقاس قيمة اللقاء بحدوثه، بل باللغة التي تؤطره، وبالصفة التي تلصق بطرفيه، وبمن يستقبل كصاحب مؤسسة ومن يذكر كمجرد “ممثل”.

لحظة كاشفة لا حادثة عابرة

ما جرى في أنطاليا لم يكن حادثة شكلية، بل لحظة كاشفة، فأظهرت أن الدبيبة، رغم بقائه لاعبا رئيسيا في غرب ليبيا، لم ينجح في تثبيت صورة زعامة إقليمية مستقرة، وأن تاريخه المثير للخصومة والتأويل ما زال يلاحقه حتى في أكثر المشاهد دبلوماسية وأناقة.

كما كشفت أن دمشق الجديدة، وهي تعيد رسم خرائطها العربية، تتصرف ببراغماتية باردة؛ تفتح الأبواب للجميع، لكنها لا تمنح الجميع الدرجة نفسها من الاعتراف الرمزي، وبين “لقاء فيه خير كثير” كما قال الساعدي، و”فضيحة دبلوماسية” كما رآها خصوم الدبيبة، تقف الحقيقة في الوسط حيث لا قطيعة، ولكن بالتأكيد ليست مساواة؛ وليست إهانة شخصية فقط، بل ترجمة مكثفة لضعف سياسي يحاول صاحبه منذ سنوات أن يموهه بالخطاب والإنفاق والتحالفات، فيما تكشفه اللحظات البروتوكولية القصيرة بوضوح قاس.

بقلم: ردينة القاسم علي

الخارجية الروسية تدعو إلى ضبط النفس في الشرق الأوسط

اقرأ المزيد