09 أكتوبر 2026

استعادت القوات المسلحة المالية، بدعم من “فيلق إفريقيا” الروسي وتشكيلات محلية موالية للحكومة، السيطرة على مدينة كيدال الاستراتيجية شمالي البلاد، بعد عملية عسكرية استمرت من الأول حتى السابع من أكتوبر الجاري، في تطور يحمل دلالات عسكرية وسياسية تتجاوز حدود المدينة.

وأكدت الحكومة الانتقالية في مالي دخول قواتها إلى كيدال، التي كانت قد خرجت عن سيطرتها في أبريل الماضي إثر هجمات منسقة شنتها “جبهة تحرير أزواد” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم “القاعدة”، وأسفرت تلك الهجمات عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا وانسحاب القوات الحكومية من المدينة.

وقال فوسينو واتارا، نائب رئيس لجنة الدفاع في المجلس الانتقالي المالي، إن الاستعداد لاستعادة المدينة بدأ منذ سقوطها في أبريل الماضي، فيما ذكر “فيلق إفريقيا” أن القوات المشتركة قطعت أكثر من 450 كيلومترا انطلاقا من مدينة غاو، عبر مناطق وعرة وطرق تنتشر فيها الألغام، قبل دخول كيدال من عدة محاور، بدعم من سلاح الجو المالي والطيران التابع للفيلق الروسي.

وشاركت في العملية، إلى جانب الجيش المالي والقوات الروسية، مجموعات محلية موالية للحكومة، من بينها “مجموعة إمغاد للطوارق وحلفاؤها للدفاع عن النفس” المعروفة باسم “غاتيا”، في وقت أعلن فيه “فيلق إفريقيا” أن العمليات متواصلة داخل المدينة لتطهيرها من الألغام وتأمين عودة المؤسسات الرسمية وتقديم المساعدات الإنسانية إلى السكان.

وفي مقابل إعلان باماكو استعادة كيدال، قالت “جبهة تحرير أزواد” إن قواتها نفذت انسحابا “منظما ومؤقتا” بهدف الحفاظ على قدراتها البشرية والعسكرية، مدعية أن دخول القوات المالية والروسية جرى من دون مواجهات مباشرة، بعد تكثيف الغارات الجوية على مواقعها.

غير أن استعادة المدينة، حتى مع انسحاب المسلحين، تمثل تحولاً مهماً لمصلحة الحكومة المالية، نظراً إلى موقع كيدال الرمزي والاستراتيجي باعتبارها معقلا تاريخيا للحركات الانفصالية في الشمال.

وتظهر العملية قدرة القوات المالية وحلفائها الروس على الانتقال من احتواء الهجمات إلى استعادة المبادرة، بعد الضربة الكبيرة التي تعرضت لها باماكو في نيسان الماضي. كما تعيد تقديم “فيلق إفريقيا” باعتباره شريكا عسكريا قادرا على الجمع بين التدريب والمعلومات والدعم الجوي والمشاركة الميدانية، في وقت فشلت فيه سنوات الوجود الفرنسي والأوروبي في تحقيق الاستقرار أو القضاء على الجماعات المسلحة.

وجاء الانفتاح المالي على موسكو بعد تدهور العلاقات مع باريس، التي نشرت قواتها في منطقة الساحل تحت عنوان مكافحة الإرهاب، قبل أن تتهمها السلطات المالية بانتهاك سيادة البلاد والتدخل في شؤونها الداخلية، وتطالبها بسحب قواتها وإنهاء الاتفاقيات الدفاعية معها، ومع انسحاب القوات الفرنسية والأوروبية، اتجهت باماكو إلى توسيع تعاونها مع روسيا، بداية عبر مجموعة “فاغنر”، ثم من خلال “فيلق أفريقيا” المرتبط بصورة مباشرة بوزارة الدفاع الروسية.

ولا يقتصر الدور الروسي في مالي على المشاركة في العمليات العسكرية، إذ يتولى “فيلق إفريقيا” تدريب القوات المحلية وحماية منشآت استراتيجية وطرق رئيسية، إلى جانب توفير الخبرات الفنية والمساندة في مواجهة الجماعات المسلحة.

كما تنتشر وحدات تابعة له في عدد من دول المنطقة، بينها مالي والنيجر وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا، ضمن شراكات قامت، وفق الرؤية الروسية، على طلب الحكومات الوطنية واحترام سيادتها، خلافاً للنموذج الغربي الذي ارتبط لعقود بالإملاءات السياسية والاقتصادية.

وترى موسكو أن تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل لا ينفصل عن محاولات غربية للحفاظ على النفوذ والوصول إلى الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب واليورانيوم والمعادن النادرة.

وكانت وزارة الخارجية الروسية قد تحدثت عن وجود مستشارين عسكريين أوكرانيين في مالي، قالت إنهم يقدمون التدريب والمساعدة في استخدام الطائرات المسيرة ومواجهتها، كما اتهمت جهات فرنسية وأوكرانية بتوفير الدعم والأسلحة لبعض الجماعات المناوئة للحكومة المالية، وهي اتهامات لم تقدم الجهات الغربية المعنية ردا تفصيليا عليها.

وفي هذا السياق، يرى مدير مركز الدراسات العسكرية والسياسية في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، أليكسي بودبيريزكين، أن السياسة الغربية في الساحل تهدف أساساً إلى الحفاظ على السيطرة على الموارد الاستراتيجية، في حين تسعى روسيا إلى بناء شراكات أمنية واقتصادية طويلة الأمد مع حكومات المنطقة.

وبدوره، أكد الباحث في معهد الدراسات الأفريقية يفغيني كوريندياسوف أن أهمية استعادة كيدال لا تقتصر على الجانب العسكري، بل ترتبط بتعزيز وحدة مالي وإعادة فرض سلطة الدولة في شمال البلاد، بما يسمح لباماكو لاحقا بالتركيز بصورة أكبر على الملفات الاقتصادية والتنموية، ويفتح المجال أمام توسيع التعاون التجاري مع موسكو.

أما الباحث في الأكاديمية الدبلوماسية الروسية فاديم كوزيولين، فرأى أن روسيا لا تفرض أيديولوجيا سياسية على شركائها الأفارقة، بل تعرض خبراتها في مجالات التدريب العسكري والتكنولوجيا والطاقة والأمن السيبراني والتكنولوجيا الحيوية، معتبراً أن مالي تمثل نموذجاً للشراكة القائمة على المصالح المتبادلة.

وبالرغم من أن السيطرة على كيدال لا تعني انتهاء التهديدات المسلحة في بلد يواجه منذ أكثر من عقد جماعات مرتبطة بـ”القاعدة” وتنظيم “داعش”، فإن العملية تمنح باماكو مكسبا سياسيا وعسكريا مهما، وتعيد رسم التوازن في شمال البلاد.

كما تقدم لروسيا دليلا جديدا على قدرتها على لعب دور أمني فعال في إفريقيا، بعد أن اختارت دول الساحل البحث عن شراكات بديلة من القوى الغربية التي امتد وجودها سنوات طويلة من دون أن تنجح في إنهاء الإرهاب أو بناء جيوش وطنية قادرة على فرض سيطرتها.

قمة “بريكس” في قازان.. نمو في العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول المجموعة

اقرأ المزيد