محمود سامح همام، باحث و اكاديمي متخصص في الشئون الإفريقية، أكّد في تصريحات خاصة لشبكة “أخبار شمال إفريقيا”، أن تصاعد القرصنة في الصومال ناتج عن تداخل عوامل أمنية وسياسية واقتصادية، محذراً من تداعياتها المباشرة على سلاسل التوريد العالمية وتأثيرها على حركة التجارة الدولية.
وفي ظل أزمة البحارة المصريين، تتزايد التساؤلات حول أسباب عودة نشاط القرصنة الصومالية بعد سنوات من التراجع، وهو ما يفسره الباحث محمود سامح همام بأنه نتيجة طبيعية لتراكم عدد من العوامل المتداخلة التي أعادت إحياء هذه الظاهرة.
وأوضح همام أن هشاشة الدولة الصومالية تمثل العامل الأبرز في هذا السياق، مشيراً إلى أن الحكومة الفيدرالية، رغم ما حققته من تقدم، لا تزال تواجه تحديات أمنية كبيرة، سواء في مواجهة حركة الشباب أو في فرض السيطرة الكاملة على سواحل البلاد التي تمتد لأكثر من 3000 كيلومتر، ما يجعل من الصعب مراقبتها بشكل شامل ويخلق بيئة مواتية لعودة شبكات القرصنة.
وأضاف أن تغير أولويات القوى البحرية الدولية يعد عاملاً مهماً في عودة النشاط، لافتاً إلى أنه بعد إطلاق الاتحاد الأوروبي عملية “أتلانتا” في ديسمبر 2008، شهدت المنطقة انتشاراً واسعاً للقوات البحرية الدولية، ما أدى إلى تراجع كبير في عدد الهجمات، خاصة خلال الفترة بين عامي 2008 و2011. إلا أن تحول الاهتمام الدولي في السنوات الأخيرة إلى مناطق أخرى مثل البحر الأحمر وباب المندب، أتاح مساحة أكبر لعودة نشاط القراصنة.
وأشار همام إلى أن البعد الاقتصادي يمثل محركاً رئيسياً لهذه الظاهرة، حيث تقوم القرصنة على حسابات الربح والخسارة، ومع ارتفاع قيمة الشحنات العابرة للخليج العربي وخليج عدن، أصبحت عمليات الخطف مقابل الفدية أكثر جذباً، خاصة مع وصول بعض الفديات إلى ملايين الدولارات، وهو ما شجع على تصاعد هذه العمليات.

ولفت إلى أن الاضطرابات الإقليمية الواسعة لعبت دوراً محورياً في تفاقم الأزمة، موضحاً أن المنطقة الممتدة من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وخليج عدن تشهد أزمات متزامنة، ما يوفر بيئة مناسبة لتحرك التنظيمات الإجرامية مستفيدة من حالة الانشغال الدولي.
وفي هذا السياق، أشاد همام بالتحرك المصري المبكر، موضحاً أن دعم القاهرة للدولة الصومالية وتعزيز التعاون العسكري والأمني مع مقديشو، وإرسال قوات ضمن بعثة دعم الاستقرار منذ أوائل عام 2025، يعكس إدراكاً استباقياً بأن أمن الصومال يرتبط بشكل مباشر بأمن البحر الأحمر وقناة السويس.
وفيما يتعلق بتأثير تصاعد القرصنة على سلاسل التوريد، أكد همام أن خطورة الأزمة تكمن في تزامنها مع توترات متصاعدة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، ما يضع التجارة العالمية أمام تحديات مركبة، وأوضح أن هذه الممرات تمثل شرياناً حيوياً للتجارة والطاقة، حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل نفط يومياً.
وأشار إلى أن التهديدات الأمنية دفعت العديد من شركات الشحن إلى تجنب المرور عبر البحر الأحمر، واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا بما يتراوح بين 10 و15 يوماً، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الوقود والتأمين.
وأكد أن تزامن هذه التحديات مع عودة نشاط القرصنة قبالة السواحل الصومالية وخليج عدن يعني أن السفن باتت تواجه مخاطر متعددة على طول مسارها، بدءاً من مضيق هرمز وصولاً إلى البحر الأحمر وخليج عدن، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ارتفاع تكاليف نقل البضائع والطاقة عالمياً.
وحذر همام من أن استمرار هذه الأوضاع سيؤدي إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى التأثير على حركة التجارة الدولية، خاصة بالنسبة للدول التي تعتمد بشكل كبير على هذه الممرات البحرية الحيوية.

وعن سبل مواجهة أزمة القرصنة، شدد همام على أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط، موضحاً أن التجارب السابقة أثبتت أن التدخل العسكري يسهم في الحد من الظاهرة مؤقتاً، لكنه لا يقضي عليها بشكل نهائي.
وأوضح أن الحل يجب أن يقوم على ثلاثة مستويات مترابطة، أولها بناء قدرات الدولة الصومالية، من خلال دعم القوات البحرية وخفر السواحل لتمكينها من تأمين المياه الإقليمية ومواجهة الشبكات الإجرامية.
وأما المستوى الثاني، فيتمثل في تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، نظراً لأهمية البحر الأحمر وخليج عدن كممرات رئيسية للتجارة العالمية، حيث يمر عبر البحر الأحمر نحو 12% من التجارة العالمية، ما يستدعي تنسيقاً جماعياً بين الدول المطلة والقوى الدولية.
وأشار إلى أن المستوى الثالث، والأكثر أهمية على المدى الطويل، يتمثل في التنمية الاقتصادية، موضحاً أن معالجة الفقر والبطالة في المناطق الساحلية الصومالية تمثل مفتاحاً أساسياً للقضاء على الظاهرة، من خلال توفير فرص عمل وتحسين البنية التحتية ومنع تجنيد عناصر جديدة في شبكات القرصنة.
واختتم همام تصريحاته بالتأكيد على أن القضاء على القرصنة الصومالية يتطلب بناء دولة قوية، وتعزيز التعاون الدولي، ودعم التنمية الاقتصادية، باعتبارها الحلول الجذرية التي تضمن عدم عودة هذه الظاهرة مستقبلاً.
خطة مصرية لتوطين صناعة “الرقائق الإلكترونية”
