02 يونيو 2026

تتزامن الانشقاقات المتصاعدة داخل قوات الدعم السريع مع تحركات ميدانية للجيش السوداني وحديث متجدد عن دور إماراتي محتمل في مسار التهدئة.

هذا التزامن يمنح التطورات دلالة تتجاوز انتقال قادة ميدانيين من معسكر إلى آخر، لأنه يكشف تحولات أعمق في بنية الحرب يظهر في تراجع القدرة على ضبط الولاءات داخل الدعم السريع، واتساع هامش المناورة أمام الجيش، وصعوبة تحويل النفوذ الإقليمي إلى وساطة مقبولة لدى أطراف النزاع.

شهدت الأشهر الأخيرة سلسلة من الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع، أبرزها انتقال اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ”النور القبة” إلى صفوف الجيش في أبريل 2026، ثم لحاق القيادي علي رزق الله “السافنا” به خلال الأسابيع التالية.

تأتي هذه التطورات امتدادا لانشقاقات سابقة، شملت أبو عاقلة كيكل في نهاية عام 2024 وخمسة أعضاء من المجلس الاستشاري لقوات الدعم السريع في أكتوبر من العام ذاته.

الانشقاقات.. مؤشر بنيوي أم مكسب دعائي؟

يمثل انشقاق “النور القبة” أهمية خاصة بسبب موقعه داخل التشكيلات الميدانية للدعم السريع وصلاته الاجتماعية والعسكرية في دارفور.

وبينما أكدت تقارير إعلان انشقاقه وتسليم نفسه للجيش، فإن عبد الفتاح البرهان استقبله في الولاية الشمالية، في رسالة سياسية هدفت إلى إظهار قدرة المؤسسة العسكرية على استقطاب قيادات الخصم وفتح باب إعادة التموضع أمام مقاتليه.

أما انشقاق “السافنا” فجاء ليمنح الظاهرة صورة أعمق، فموقعه الميداني وخبرته في شبكات الدعم السريع يرفعان قيمة انتقاله، خصوصا حين يصطحب القائد جزءا من قواته أو عتاده أو معلوماته التشغيلية.

توضح هذه الانشقاقات هشاشة متزايدة في منظومة الولاء داخل الدعم السريع، فهذه القوات تشكلت عبر شبكات قبلية ومناطقية واقتصادية وعسكرية متداخلة، ثم توسعت خلال الحرب بطريقة رفعت وزن القادة المحليين، ومع امتداد المعارك واتساع الجغرافيا وتعدد مصادر التمويل، أصبحت القيادة المركزية مطالبة بإدارة توازنات شديدة التعقيد من توزيع النفوذ وضبط الموارد وحماية طرق الإمداد وواستيعاب تنافس القادة على المواقع والغنائم.

عمليا تحمل الانشقاقات أثرا يتجاوز عدد المقاتلين المنتقلين، فالقائد الميداني يعرف البنية الداخلية للخصم، ومسارات الحركة، ونقاط الضعف، وعلاقات الوحدات المحلية بالمجتمعات المحيطة، ويرسل انتقاله إشارة إلى بقية القيادات بأن كلفة البقاء ترتفع، وأن الجيش يقدم مسارا لإعادة التموضع السياسي والعسكري.

تحتاج قراءة هذه الظاهرة إلى الحذر لأن الدعم السريع احتفظ بقدرات قتالية مؤثرة في دارفور وأجزاء من كردفان، وواصل تنفيذ عمليات هجومية وشن هجمات على قرى ومناطق مدنية في شمال كردفان خلال الأيام الأخيرة من مايو 2026.

تقدم الجيش.. تحسن عملياتي ضمن حرب متعددة الجبهات

ترتبط الانشقاقات بتغيرات ميدانية ملموسة، حيث حقق الجيش تقدما في جنوب كردفان وإقليم النيل الأزرق خلال مايو 2026، واستعاد مناطق وفتح محاور برية ذات أهمية عسكرية ولوجستية، بينها الطريق الرابط بين الدلنج والمناطق الشرقية.

وسبق ذلك تحول أكبر في ميزان الحرب عندما استعاد الجيش الخرطوم خلال عام 2025، وهو تطور منح المؤسسة العسكرية مركزا سياسيا وعسكريا أكثر تماسكا، وسمح لها بإعادة توزيع قواتها باتجاه كردفان ومحاور الغرب.

في المقابل، حافظ الدعم السريع على نفوذ واسع في دارفور بعد السيطرة على الفاشر في أكتوبر 2025، واستمر في الدفع شرقا نحو كردفان.

هذا التوزع العسكري يوضح طبيعة المرحلة الحالية، فالجيش يملك زمام المبادرة في بعض المحاور ويستفيد من ضغط الانشقاقات، بينما يحتفظ الدعم السريع بعمق جغرافي وموارد وشبكات إمداد وقدرات هجومية، فالحرب دخلت مرحلة إعادة توزيع للمراكز، وليست في طور حسم نهائي.

معضلة المحاسبة داخل معسكر الجيش

تخلق الانشقاقات مكسبا عسكريا للجيش، لكنها تفتح ملفا سياسيا وأخلاقيا معقدا، حيث أثارت عودة بعض القيادات جدلا حول حدود الاستيعاب ومعايير العدالة، وظهرت اتهامات مرتبطة بعدد من المنشقين، وطرحت سؤالا حول كيفية التعامل مع قادة اتهموا بانتهاكات خلال وجودهم في صفوف الدعم السريع.

تظهر هذه المسألة بوضوح في حالة أبو عاقلة كيكل، الذي أدرجه الاتحاد الأوروبي على قائمة العقوبات في 18 يوليو 2025، وحمله مسؤولية أعمال وانتهاكات جسيمة خلال مراحل مختلفة من نشاطه العسكري، بينها استهداف تجمعات “الكنابي” المهمشة خلال قيادته قوات “درع السودان”، إضافة لأدواره السابقة في ولاية الجزيرة قبل انشقاقه عن قوات الدعم السريع وعودته إلى صفوف الجيش في أكتوبر2024.

تكشف هذه الانشقاقات عن مفارقة مزدوجة داخل معسكر الجيش، فهي تمنحه مكاسب ميدانية وإعلامية، لكنها تضعه أمام عبء سياسي وأخلاقي متزايد، فانتقال المقاتلين والقيادات بين المعسكرين لا يطوي تلقائيا ملفات الانتهاكات السابقة، ولا يحول تبدل الولاء العسكري إلى شهادة براءة.

مع اتساع دائرة المنضمين الجدد، تزداد صعوبة الفصل بين ضرورات إدارة الحرب ومتطلبات العدالة، بما يهدد بإعادة إنتاج أنماط العنف تحت رايات مختلفة.

الإمارات والوساطة.. نفوذ واسع وثقة محدودة

تواجه فكرة الوساطة الإماراتية عقبة سياسية مباشرة تتمثل في موقف البرهان، الذي اشترط انسحاب الدعم السريع من المناطق التي يسيطر عليها وتجميع قواته في مواقع محددة قبل وقف إطلاق النار، وأعلن رفضه لدور إماراتي في الوساطة.

ترتبط هذه القطيعة باتهامات سودانية للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي، وفي مايو 2025، أنهت محكمة العدل الدولية قضية رفعها السودان ضد الإمارات بسبب غياب الاختصاص القضائي، وهو قرار تناول صلاحية المحكمة ولم يحسم جوهر الاتهامات السياسية والميدانية.

كما ازدادت حساسية الملف بعد تقرير أصدرته هيومن رايتس ووتش في 25 مايو 2026، وثق مسارات تجنيد ونقل متعاقدين عسكريين كولومبيين للقتال إلى جانب الدعم السريع عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي/ وروابط لوجستية مرت بمنشآت داخل الإمارات، ويعرض التقرير أدلة وشهادات تحتاج إلى تحقيقات دولية أوسع، فيما تتمسك الإمارات بنفي مسؤوليتها عن دعم قوات الدعم السريع.

تملك الإمارات أدوات تأثير تجعل تجاوزها في أي تسوية إقليمية أمرا صعبا، فالسودان يحتل موقعا استراتيجيا على البحر الأحمر، ويملك قطاعا زراعيا واسعا واحتياطات ذهب ترتبط بشبكات تجارة إقليمية، وتشير المعطيات إلى أن معظم الذهب السوداني يصل إلى الإمارات بصورة مباشرة أو عبر دول الجوار، وأن الذهب يشكل أحد محركات الحرب ومصادر تمويل أطرافها.

آفاق الوساطة: مسار إقليمي بضمانات متعددة

تحتاج أي وساطة قابلة للحياة إلى مظلة أوسع من العلاقة الثنائية بين أبوظبي والبرهان، حيث طرحت الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات في سبتمبر 2025 خريطة طريق تتضمن هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، ثم وقفا دائما لإطلاق النار، ثم انتقالا مدنيا خلال تسعة أشهر.

تضع هذه الصيغة الإمارات ضمن إطار تفاوضي متعدد الأطراف تشارك فيه مصر والسعودية والولايات المتحدة، لكنها لا تضمن تلقائيا توافر شروط التنفيذ، فنجاح أي مسار من هذا النوع يظل مرتبطا بقدرة الأطراف الراعية على التأثير الفعلي في حلفائها، وبإمكان التوصل إلى ترتيبات قابلة للتحقق لخفض تدفقات السلاح، وتأمين الممرات الإنسانية، وإنشاء آلية رقابة ذات صدقية، وفتح مسار سياسي يضم القوى المدنية السودانية ولا يختزل الأزمة في تفاهمات بين القوى الإقليمية.

تبقى قيمة أي إطار تفاوضي مرهونة بقدرته على تجاوز الترتيبات الإقليمية الشكلية إلى آليات قابلة للتنفيذ، وعلى تحويل نفوذ القوى الخارجية من أداة لإدارة الصراع إلى وسيلة للحد منه.

وتبدو قوات الدعم السريع في مرحلة حرجة بفعل تزامن الانشقاقات مع الخسائر الجغرافية السابقة وتزايد الضغوط العسكرية والحقوقية والسياسية، غير أن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها للحديث عن انهيار وشيك؛ فالقوة ما تزال تحتفظ بقدرات ميدانية وعمق جغرافي في الغرب، بينما يواصل الجيش توسيع هامش المبادرة في عدد من المحاور.

بين الطرفين، تتحرك القوى الإقليمية وفق حسابات تتصل بالنفوذ والمصالح بقدر اتصالها بمساعي التهدئة، ومستقبل الحرب لن تحدده الانشقاقات وحدها، بل قدرة أي تسوية محتملة على وقف تدفقات السلاح، وحماية المدنيين، وفتح مسار سياسي لا يعيد تدوير التحالفات العسكرية ذاتها تحت عناوين جديدة.

بقلم: مازن بلال

إبراهيم بقال يكشف خفايا خطيرة عن الدعم السريع والتدخل التشادي

اقرأ المزيد