تسارع أحزاب مغربية للحصول على تزكيات اللوائح الجهوية الخاصة بالنساء قبل الانتخابات النيابية المقررة في 23 سبتمبر المقبل، في وقت تتجدد فيه انتقادات لضعف تمثيل المرأة داخل مجلس النواب.
وتطرقت النائبة البرلمانية عن حزب “الأصالة والمعاصرة” المشارك في الائتلاف الحكومي قلوب فيطح إلى ما وصفته بـ”الضعف المقلق” في تمثيلية النساء داخل المؤسسة التشريعية، عبر سؤال شفوي وجهته إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، معتبرة أن المؤشرات الحالية تكشف اختلالات في مسار المناصفة بالمغرب.
وبحسب آخر معطيات الاتحاد البرلماني الدولي، لا تتجاوز نسبة النساء داخل مجلس النواب المغربي 24.3%، وهو ما يضع المغرب في المرتبة 102 عالميا، مقارنة بمعدل دولي بلغ 27.5% في عام 2026.
ورغم التحسن النسبي في الأرقام، اعتبرت فيطح أن ذلك لا يعكس تحولا بنيويا، وانتقدت ما وصفته بـ”سياسة ترقيعية” مرتبطة بالمواعيد الانتخابية، من دون إرادة حقيقية تضمن حضورا نسائيا وازنا داخل دوائر القرار، وأضافت أن المعطيات الراهنة تظهر فجوة بين النص الدستوري والممارسة السياسية.
وترى الباحثة في العلوم السياسية شريفة لموير أن استمرار تمثيل المرأة بمستويات متواضعة، رغم الإجراءات التي اتخذها المغرب لدعم مشاركة النساء، لا يرتبط بإشكال قانوني بقدر ما يرتبط بعوامل أخرى أكثر تأثيرا.
وقالت لموير إن اعتماد “الكوتا” ساهم في ضمان تمثيلية للنساء، لكنه لم ينجح في جعلها تمثيلية مستدامة، ولا سيما عبر تسهيل عودة النساء إلى البرلمان من خلال اللوائح المحلية، وأشارت إلى تراجع نسب فوز النساء في اللوائح المحلية مقارنة بين الولايتين التشريعيتين الأخيرتين.
واعتمد المغرب نظام “الكوتا” لأول مرة عام 2002 بتخصيص 30 مقعدا للنساء، ثم ارتفع العدد إلى 60 مقعدا في عام 2011، في مسعى لتعزيز حضورهن داخل البرلمان، ولاحقا، رُفع عدد مقاعد “الكوتا” النسائية إلى 90 من أصل 395 مقعدا، بما يعادل 21% من مجموع المقاعد.
وبحسب لموير، تتحمل الأحزاب السياسية جزءا من المسؤولية في ما يتعلق بتمكين النساء، إذ تمنح في حالات عديدة أولوية لمرشحين رجال بدعوى امتلاكهم فرصا أعلى للفوز.
واعتبرت أن تبني خطاب رسمي داعم للمساواة لا يصبح ذا جدوى إذا ظلت الأحزاب “تؤنث المشهد” بشكل شكلي، مؤكدة أن إنصاف النساء يبدأ من دعم وصولهن إلى مراكز القرار والمسؤولية.
وفي سياق الإطار القانوني، عدّل البرلمان المغربي قانون تنظيم الانتخابات التشريعية في 2021 بهدف تعزيز المناصفة وتكافؤ الفرص بين النساء والرجال، عبر استبدال الدائرة الانتخابية الوطنية بـ”الدوائر الجهوية”، مع اشتراط أن تضم كل لائحة مرشحات عددا لا يقل عن ثلثي المقاعد المخصصة لكل دائرة.
ويرى الأستاذ الزائر بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء مصطفى عنترة أن التحسن الذي عرفته تمثيلية النساء بفضل آلية التمييز الإيجابي ظل محدود الأثر، إذ لم تتجاوز النسبة 24.3% في تشريعيات 2021.
وعزا ذلك إلى استمرار عوائق قانونية ومؤسساتية وثقافية وسياسية تحد من المشاركة السياسية للنساء وتضعف فرص وصولهن إلى مواقع القرار.
وأبدى عنترة استغرابه من أن مراجعة القوانين الانتخابية استعدادا لانتخابات 2026 لم تتضمن، وفق تقديره، مكتسبات نوعية جديدة من شأنها تعزيز تمثيلية النساء داخل مجلس النواب.
وأضاف أن الأحزاب لم تترافع بالقدر الكافي لتطوير آليات التمكين السياسي للنساء، ولم تتفاعل بالشكل المطلوب مع المقترحات التي قدمتها الحركة النسائية.
واعتبر عنترة أن التجربة السياسية تشير إلى فجوة بين الخطاب والممارسة في ما يتعلق بالمساواة السياسية، إذ إن الخطاب الداعم للمناصفة لدى عدد من الأحزاب يبقى غالبا مرتبطا بالشعارات والمواقف الظرفية المصاحبة للمحطات الانتخابية، دون أن يتحول إلى التزامات سياسية وتشريعية ملموسة.
ورأى أن ذلك يفضي إلى استمرار تمثيلية نسائية “رمزية” أكثر من كونها مشاركة قائمة على المساواة الفعلية.
وبشأن سبل المعالجة، قال عنترة إن تعزيز تمثيلية النساء يقتضي تفعيل مبدأ المناصفة المنصوص عليه في دستور 2011 وإدراجه بصيغة صريحة وملزمة ضمن القوانين الانتخابية، مع الحفاظ على آليات التمييز الإيجابي وتطويرها، وتفعيل هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز ومنحها صلاحيات أوسع لمتابعة احترام مبدأ المساواة.
كما دعا إلى إلزام الأحزاب بسياسات عملية تتيح للنساء مواقع متقدمة في اللوائح الانتخابية وتمكنهن من تصدر الترشيحات، معتبرا أن ارتفاع نسبة حضور النساء يعزز شرعية المؤسسات وقدرتها على تمثيل المجتمع بصورة أشمل.
ومن جهته، ربط رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية رشيد لزرق ضعف تمثيلية النساء بعوامل بنيوية وسياسية وثقافية متداخلة.
وقال إن الأحزاب لا تزال، في كثير من الحالات، تتعامل مع ترشيح النساء بمنطق التوازن الشكلي لا بمنطق الاستحقاق السياسي، ما يجعل حضورهن مرتبطا بالآليات التصحيحية أكثر من كونه نتيجة تنافس طبيعي داخل الدوائر القوية.
وأضاف لزرق أن البنية التقليدية للمشهد الانتخابي وهيمنة الأعيان وشبكات النفوذ والمال الانتخابي تحد من فرص النساء في الوصول إلى مواقع متقدمة، إلى جانب استمرار تمثلات اجتماعية محافظة تنظر إلى العمل السياسي باعتباره مجالا ذكوريا، وهو ما يؤثر على فرص النساء في بناء مسار حزبي واكتساب الموارد وتعزيز حضورهن في دوائر القرار.
وشدد لزرق على أن إنصاف النساء لا يتحقق برفع الشعارات فقط، بل يتطلب إصلاحا فعليا في قواعد العمل السياسي والحزبي، والانتقال من منطق التمثيلية الرمزية إلى المناصفة الفعلية، عبر تمكين النساء من التزكيات في الدوائر القابلة للفوز، وتعزيز حضورهن داخل هياكل القرار الحزبي، وتوفير شروط الدعم السياسي والتنظيمي والتكويني، وربط الديمقراطية الداخلية للأحزاب بمعايير واضحة للإنصاف.
كما دعا إلى تغيير الثقافة السياسية العامة حتى تصبح مشاركة المرأة جزءا طبيعيا من التداول الديمقراطي ومن إنتاج النخبة التمثيلية.
المغرب يواجه خطر سنة جفاف ثامنة مع تراجع ملحوظ في السدود
