لم يكن أهم ما أفرزته الدورة الثانية للانتخابات التشريعية الجزئية التونسية في دائرة الكبارية، يوم 19 يوليو 2026، اسم الفائز، بل الحجم الضيق للجسم الانتخابي الذي حسم المقعد.
حصل شاكر بوثوري على 1225 صوتاً، أي 50.14% من الأصوات المصرح بها، مقابل 1218 صوتاً لمحمد الصالح سالمي، أي 49.86%، بفارق سبعة أصوات فقط.
وبلغ مجموع ما حصل عليه المرشحان 2443 صوتاً من قرابة 60 ألف ناخب مسجل، أي نحو 4.1% فقط من الجسم الانتخابي، أما الفائز، الذي نال 1225 صوتاً، فلم يمثل مؤيدوه سوى نحو 2% من إجمالي المسجلين.
هذه الأرقام، التي أعلنتها الهيئة بوصفها نتائج أولية في انتظار استكمال آجال الطعون، تمنح الفائز سنداً قانونياً، لكنها تطرح سؤالاً مختلفاً حول وزن التفويض السياسي الذي يحمله إلى البرلمان.
الدور الأول أنذر بالنتيجة
جرت الانتخابات لسد المقعد الشاغر بعد وفاة النائب صالح مباركي في 9 مارس 2026، في دائرة تضم ثماني عمادات ويقطنها أكثر من 83 ألف نسمة.
وفي الدور الأول، الذي أجري في 28 يونيو، تنافس خمسة مرشحين، لكن مجموع ما حصلوا عليه بلغ 2166 صوتاً من نحو 60 ألف ناخب مسجل، أي قرابة 3.6%.
تصدر سالمي بـ663 صوتاً، يليه بوثوري بـ657 صوتاً، بفارق ستة أصوات، وانتقل الاثنان إلى الدور الثاني لأن أحداً لم يحقق الأغلبية المطلقة، فزاد مجموع الأصوات المصرح بها 277 صوتاً فقط، ثم انقلب الفارق المحدود لمصلحة بوثوري.
تظهر الحصيلة النهائية أن ضعف الإقبال لم يكن ظاهرة صباحية عابرة، فبعدما بقيت المشاركة دون 1% حتى منتصف النهار، وفق مرصد “شاهد”، ارتفع عدد المقترعين خلال الساعات المسائية، لكن مجموع ما حصل عليه المرشحان بقي ضعيفاً.
وبرر بعض المحللين انخفاض الإقبال بدرجات الحرارة المرتفعة وطبيعة الانتخابات الجزئية ومحدودية حضور المرشحين، غير أن استمرار المشاركة المتدنية في الدورين يشير إلى أسباب أعمق تتصل بضعف الثقة في جدوى الاقتراع وقدرة البرلمان على التأثير.

إدارة انتخابية حاضرة وناخبون غائبون
وفرت الهيئة في الدور الأول 17 مركز اقتراع و23 مكتباً، وخصصت 103 موظفين ومشرفين لتأمين العملية الانتخابية، بينهم 93 من موظفيها وعشرة من مديري المدارس، وأمنت بمواردها نحو 90% من مراحل العملية.
وأعدت الهيئة نحو 20 محضراً لمتابعة أنشطة الحملة، ورصدت خمس مخالفات انحصرت أساساً في تعليق مواد دعائية على مؤسسة عمومية، كما اتسمت الحملة بمحدودية أنشطتها، فاعتمد المرشحون على التواصل المباشر مع الناخبين وتعليق الملصقات، إلى جانب تنظيم تجمعين في الساحات العامة، من دون تسجيل تجاوزات مؤثرة، وجرى الاقتراع للمرة الأولى من دون استخدام الحبر الانتخابي.
خلال الدور الثاني، تابع مرصد “شاهد” عملية الاقتراع عبر منسق جهوي و17 مراقباً موزعين على المراكز السبعة عشر، حيث أفاد بأن المراكز فتحت في مواعيدها، كما سجل إتاحة التصويت بطريقة “برايل” لناخبة ذات إعاقة بصرية في مركز “الامتياز 2”.
في المقابل، أشار المرصد إلى الإبقاء على العدد نفسه من مراكز الاقتراع وتوزيعها الجغرافي، رغم توصيته بدمج بعضها بسبب ضعف الإقبال، وإلى اقتصار عدد من المراكز على مكتب اقتراع واحد.
كما اعترض على إجراء استطلاعات للناخبين باستخدام أجهزة إلكترونية داخل المراكز، لما يثيره من مخاوف تتعلق بسرية التصويت، ولاحظ غياب مراقبي الجمعيات الأخرى مقابل حضور ممثلي المرشحين.
تكشف هذه الملاحظات بعض أوجه القصور في التنظيم والمراقبة، لكنها لا تثبت وجود مخالفات واسعة يمكن أن تفسر حجم العزوف.

من فشل الأحزاب إلى إضعافها
بدأ فقدان الثقة قبل دستور 2022، حيث ارتبطت مرحلة ما بعد 2011 في نظر قطاعات تونسية بتشتت الأحزاب، والصراع داخل البرلمان، وتبدل التحالفات، وعدم تحويل التعددية إلى نمو وفرص عمل وخدمات.
جاء قيس سعيد إلى الرئاسة سنة 2019 بصفته مرشحاً مستقلاً ومعارضاً للمنظومة الحزبية، لكن المسار الذي بدأ في يوليو 2021 لم يعالج ضعف الأحزاب بقدر ما أعاد بناء النظام من دونها.
حول القانون الانتخابي نظام الاقتراع من القوائم الحزبية النسبية إلى انتخاب الأفراد في دوائر محدودة وعلى دورتين، بالتزامن مع مقاطعة معظم الأحزاب الكبرى لانتخابات 2022.
أدى ذلك إلى إضعاف الصلة بين المرشح والبرنامج الحزبي الوطني والكتلة البرلمانية التي يمكن للناخب محاسبتها، وحول المنافسة إلى مفاضلة بين أفراد يعتمدون أساساً على حضورهم وشبكاتهم المحلية.
وانعكس هذا التحول بوضوح في الانتخابات الجزئية بالكبارية، حيث غابت المنافسة بين الأحزاب والبرامج السياسية، وجاء ذلك ضمن إعادة هيكلة أوسع للمؤسسات التشريعية، شملت تقليص عدد أعضاء مجلس نواب الشعب من 217 إلى 161 عضواً، واستحداث المجلس الوطني للجهات والأقاليم.
عزز دستور 2022 موقع الرئاسة داخل النظام السياسي، ومنح الرئيس صلاحية تحديد السياسة العامة للدولة وتعيين رئيس الحكومة وأعضائها وإنهاء مهامهم، وجعل الحكومة مسؤولة أمامه مباشرة.
في المقابل، قيد قدرة المؤسسة التشريعية على سحب الثقة من الحكومة، حيث يتطلب ذلك تحركاً مشتركاً من مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، وموافقة ثلثي أعضاء المجلسين مجتمعين.
وإذا حاول المجلسان سحب الثقة من الحكومة للمرة الثانية خلال الفترة النيابية نفسها، يحق للرئيس الاختيار بين قبول استقالة الحكومة وحل أحد المجلسين أو كليهما.
في ظل هذا التوازن، يصعب على الناخب ربط اختياره لنائب في دائرة محدودة بقدرة فعلية على تشكيل الحكومة أو تعديل سياساتها، ما يضعف الدافع إلى المشاركة في الانتخابات التشريعية.

اقتصاد يومي أقوى من صندوق الاقتراع
تزامن اقتراع الكبارية مع اضطرابات في الماء والكهرباء واحتجاجات في مناطق تونسية عدة خلال موجة الحر.
وأرجعت شركة الكهرباء القطع المؤقت إلى زيادة استهلاك الذروة بنحو 30%، بينما ربط مرصد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أزمة المياه بتهالك الشبكات وضعف الإدارة، لا بندرة الموارد وحدها، وتشير تقديرات منشورة إلى ضياع ما بين 25% و30% من المياه الموزعة بسبب تهالك الشبكات، وتزامنت هذه المشكلات مع اتساع الاحتجاج على مستوى الخدمات.
عندما يعجز المواطن عن ربط انتخاب نائب بتحسن الماء والنقل والعمل، يصبح الامتناع قراراً مقصوداً، لا مجرد لامبالاة، وتدعم المؤشرات هذا التفسير، حيث بلغت البطالة في الربع الأول من 2026 نحو 15%، وارتفعت إلى 37.5% بين الشباب و24.2% بين حاملي الشهادات العليا، بحسب المعهد الوطني للإحصاء في تونس.
في تونس، وفق الاحصائيات، يرى 44% من المواطنين أن الاقتصاد هو التحدي الأول، فيما لا يهتم بالسياسة سوى 24%، ولا تتجاوز الثقة بالبرلمان 30%، وتنخفض إلى 21% بين الشباب، ورغم تفضيل 67% للنظام الديمقراطي، فإن 78% يعطون الأولوية لحل المشكلات الاقتصادية بصرف النظر عن طبيعة النظام، ما يشير إلى أن العزوف يعكس فقدان الثقة في قدرة المؤسسات على تحسين الأوضاع، لا رفض الديمقراطية من حيث المبدأ.

أزمة محلية أم أزمة شرعية؟
لا يمكن التعامل مع هذه الانتخابات الجزئية بوصفها استفتاءً مباشراً على النظام، لأن الامتناع عن التصويت يرتبط بدوافع سياسية واجتماعية وظرفية متباينة، ويبقى فوز بوثوري مستوفياً للشروط القانونية في غياب نص يحدد حداً أدنى للمشاركة.
لكن اعتبار ما حدث أزمة محلية فقط يتجاهل المسار الوطني، حيث بلغت المشاركة في تشريعيات 2019 نحو 41.7% ضمن تنافس حزبي واسع، ثم هبطت إلى 11.22% في الدور الأول من تشريعيات 2022 و11.4% في الدور الثاني.
في الانتخابات الرئاسية 2019 قاربت المشاركة 49% في الدور الأول وتجاوزت 55% في الثاني، بينما لم تتجاوز 28.8% في 2024، حين فاز سعيد بـ90.69% أمام مرشحين اثنين فقط، ما يوضح أن الكبارية ليست حالة منفصلة، بل نسخة أكثر حدة من تقلص التنافس وتراجع قيمة المؤسسات المنتخبة في حسابات المواطنين.
تعكس النتيجة أزمة تمثيل سياسية أوسع، لا سقوطاً قانونياً للمقعد ولا دليلاً منفرداً على زوال شرعية الدولة، فشرعية بوثوري الإجرائية مصدرها القانون، أما شرعيته التمثيلية فمحدودة بكونه حصل على تأييد نحو ناخب واحد من كل خمسين مسجلاً.
عندما تصبح الأغلبية الانتخابية 50.14% من أقل من 4.1% من الجسم المسجل، فإن الانتخابات لا تقيس الإرادة العامة بقدر ما تسجل تفضيلات الأقلية التي حضرت، وهي الدلالة الوطنية الأهم لانتخابات الكبارية.

بقلم: نضال الخضري
تعيينات بلا شرعية… هل يحاول الدبيبة ترميم حكومة منهكة أم تثبيت أمر واقع سياسي؟
