بدت جلسة مجلس الأمن في 22 مايو 2026 بشأن ليبيا لحظة كاشفة لأزمة العدالة الدولية أكثر مما كانت إحاطة دورية للمحكمة الجنائية الدولية.
انتقلت وقائع الجلسة من متابعة ملف قضائي محدد إلى مساءلة أوسع لموقع المحكمة في ليبيا، فهل تعمل بوصفها أداة إنصاف للضحايا، أم تعيد إنتاج اختلالات القوة التي رافقت تفكيك الدولة الليبية؟
كما أعادت قضية خالد محمد علي الهيشري، المسؤول السابق في سجن معيتيقة، فتح الملف الليبي من زاوية تتجاوز شخص المتهم والجرائم المنسوبة إليه، لتضع المحكمة الجنائية الدولية أمام امتحان شرعيتها في بلد لم تحسم فيه بعد العلاقة بين العدالة والسيادة والتدخل الخارجي.
عمليا بدأ المشهد بفضيحة بروتوكولية عندما لم تمنح الولايات المتحدة الأميركية، دولة المقر، نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نزهت شميم خان، تأشيرة دخول لحضور الجلسة شخصيا، وقبلت المحكمة الإحاطة عبر الاتصال المرئي، وتجاهلت الإهانة باسم استمرار العمل.
أما الفرنسيون فوحدهم عبروا صراحة عن الاستياء، مذكرين بأن التزامات اتفاق مقر الأمم المتحدة تفرض تمكين مجلس الأمن من الاستماع إلى المسؤولين المعنيين بعيدا عن قرارات أي دولة منفردة.

واشنطن.. رفض المحكمة ودعم المحاسبة في آن واحد
ظهرت مفارقة أميركية خلال الإحاطة، عندنا رفضت واشنطن خضوعها أو أي من حلفائها للمحكمة الجنائية الدولية، وأعلنت استعدادها لاتخاذ إجراءات لحماية مصالحها منها، ودعت في نفس الوقت إلى سيادة القانون والمحاسبة في ليبيا، وكأن القانون الدولي واجب على الآخرين فقط وليس عليها.
هذه الازدواجية هي جوهر الأزمة، فالدولة التي تمنع ممثلة المحكمة من الوصول إلى مقر مجلس الأمن تقول في الجلسة نفسها إنها تدعم المحاسبة في ليبيا.
بهذه الصورة تصبح العدالة مقبولة عندما تطال خصوما أو أطرافا ضعيفة، ومرفوضة عندما تقترب من بنية القوة الغربية أو حلفائها.

فرنسا.. دفاع عن المحكمة تحت سقف الحرج
حاول الموقف الفرنسي ترميم صورة المحكمة دون الدخول في صدام شامل مع واشنطن، فباريس عبرت عن أسفها لمنع حضور نائبة المدعي العام، وأكدت أهمية استمرار جلسات الإحاطة ولو عبر الاتصال المرئي.
كما أشادت باعتقال وتسليم الهيشري بوصفه خطوة أساسية في مكافحة الإفلات من العقاب، معتبرة أن مثوله أمام المحكمة رسالة إلى الضحايا بأن القضاء الدولي لا يزال قادرا على الوصول إلى مرتكبي الجرائم الخطيرة.
هذا الدفاع الفرنسي بقي محدودا، حيث أدانت باريس الإجراء الأميركي، لكنها لم تذهب إلى حد مساءلة واشنطن سياسيا داخل المجلس، ما كشف ضعف المحكمة التي تحتاج إلى الدول كي تعمل، لكنها لا تستطيع مواجهة الحكومات التي تعطل عملها، وتستمد شرعيتها من القانون، لكنها تخضع عمليا لميزان القوة.

روسيا.. تفويض 2011 أم تمدد قضائي مفتوح؟
الضربة الأكثر قسوة جاءت من روسيا التي ذكر مندوبها بأن أول معتقل في الملف الليبي، أي الهيشري، لا صلة له مباشرة بأحداث عام 2011 التي أحال مجلس الأمن بسببها الوضع في ليبيا إلى المحكمة.
وفي النص الرسمي المنشور للبعثة الروسية، ورد أن الملف الليبي لدى المحكمة بدأ بتفويض مرتبط بأحداث 2011، لكنه أعيدت صياغته لاحقا ليشمل جرائم السجون ثم جرائم المهاجرين، وهي ملفات ترى موسكو أن القرار 1970 لم ينص عليها.
هذا الاعتراض يمس أساس الشرعية القانونية، فالمحكمة تقول إن اختصاصها ينبع من إحالة مجلس الأمن ومن تطور الوقائع داخل “الوضع” الليبي، أما منتقدوها فيرون أنها وسعت التفويض تدريجيا كي تغطي عجزها عن إنجاز ملف 2011 الأصلي.
بين القراءتين تقف ليبيا كدولة ليست طرفا في نظام روما الأساسي، ومنقسمة داخليا، وتستخدمها القوى الدولية ساحة لاختبار مفاهيم العدالة والسيادة.

الهيشري.. قضية حقيقية داخل ملف ملتبس
قضية خالد الهيشري لا يمكن اختزالها في المناكفات الدولية، فالنيابة في المحكمة تتهمه بارتكاب جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية في سجن معيتيقة بين عامي 2015 و2020، وتشمل الاتهامات القتل والتعذيب والاغتصاب والاضطهاد والاسترقاق.
وظهر أمام المحكمة في لاهاي خلال جلسات تثبيت التهم، بعد توقيفه في ألمانيا عام 2025 وتسليمه إلى المحكمة.
لكن خطورة الجرائم المنسوبة إليه لا إشكالية تحرك القضاء الدولي بقوة ضد مسؤول سجن ليبي، بينما تبقى أسئلة الحرب الجوية عام 2011، ودور حلف الناتو، والنتائج الكارثية لتفكيك الدولة الليبية، خارج المساءلة الجدية، فملف الهيشري، رغم وجاهة جانب كبير من اتهاماته، شاهدا على عدالة انتقائية لا على عدالة مكتملة.

الناتو.. الغائب الأكبر في قاعة العدالة
أثارت روسيا النقطة التي يتجنبها الغرب، فالمحكمة لم تبد اهتماما حقيقيا بجرائم محتملة ارتكبتها دول الناتو خلال تدخل 2011.
النص الروسي ذهب إلى اتهام المحكمة بأنها ساعدت في “شرعنة تدمير الدولة الليبية” ثم لاحقت قادة ليبيين انتهى معظمهم قتلى، بينما بقيت دول الحلف خارج دائرة الملاحقة.
بعض الآراء ذهبت إلى إن المحكمة تعمل وفق أدلة واختصاصات محددة، والتدخل العسكري الغربي لا يدخل آليا في اختصاصها، لكن هذا التفسير القانوني لا يكفي سياسيا ولا أخلاقيا، فالقانون الدولي يفقد وزنه عندما يبدو وكأنه يملك عينا حادة تجاه الضعفاء، وعينا مغمضة أمام الأقوياء.
في الحالة الليبية لم تكن الضربات الجوية حدثا جانبيا، بل لحظة تأسيسية في انهيار الدولة، وفتح المسار أمام الميليشيات، والسجون الخارجة عن الرقابة، وشبكات الهجرة والاتجار بالبشر.

سيف الإسلام والقذافي.. مذكرات تعيش بعد أصحابها
تزداد رمزية الملف حين يستحضر مصير القيادات الليبية المطلوبة للمحكمة، حيث صدرت مذكرات توقيف بحق الرئيس معمر القذافي وسيف الإسلام القذافي وعبد الله السنوسي عام 2011، لكن القذافي قتل في العام نفسه، وسيف الإسلام ظل مطلوبا للمحكمة رغم مسارات قضائية ليبية متداخلة، قبل مقتله في فبراير 2026.
المحكمة ما زالت تعرض ملف سيف الإسلام ضمن قضايا ليبيا، وتؤكد استمرار مذكرتها بحقه في سجلاتها، ما يعكس بطئا في المؤسسات، وارتباكا سياسيا في التعامل مع وقائع تتغير خارج لاهاي.
وبالنسبة إلى قطاع واسع من الليبيين، تبدو هذه المذكرات أقل صلة بالإنصاف وأكثر ارتباطا بمرحلة دولية استخدمت القانون لإدارة نتائج الحرب لا لمعالجة أسبابها.

السيادة الليبية ومبدأ التكامل
قدمت الصين مقاربة هادئة ومهمة، مطالبة المحكمة بالعمل بحياد وموضوعية، واحترام سيادة ليبيا ومبدأ التكامل، وأولوية القضاء الوطني متى كان قادرا وراغبا في المحاسبة.
كما شددت على أن جهود المحكمة يجب أن تعزز وحدة الليبيين لا أن تزيد الخلافات والتوترات، فليبيا تحتاج إلى عدالة، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى دولة قادرة على احتضان العدالة.
المحكمة توفر مسارا رمزيا لبعض الضحايا، لكنها لا تستطيع بناء قضاء وطني، ولا توحيد مؤسسات، ولا تفكيك اقتصاد الميليشيات، ولا معالجة أثر التدخل الخارجي، فكلما تمدد دورها خارج توافق ليبي واضح، ازدادت الشبهة بأنها بنية مفروضة من الخارج.

عدالة بلا منفعة سياسية لليبيا
المحكمة تستند إلى إحالة مجلس الأمن عام 2011، كما تشير تقارير إلى قبول سلطات طرابلس اختصاص المحكمة حتى نهاية 2027 بموجب المادة 12 من نظام روما.
لكن عملها يعاني أزمة شرعية سياسية وأخلاقية، فالشرعية القانونية شيء، والقبول الوطني والعدالة المتوازنة شيء آخر.
لا فائدة كبيرة لليبيا من محكمة تحاسب بعض الجناة وتترك هندسة الفوضى الكبرى خارج القفص، ولا من عدالة تجعل الضحية الليبية شاهدا في لاهاي، لكنها لا تمنحه دولة ولا قضاء ولا أمنا.
كشفت إحاطة 22 أيار هشاشة المحكمة أكثر مما أكدت قوتها، فممثلتها منعت من دخول أرض دولة المقر وتم تواصل القراءة عبر الشاشة، وهي تلاحق سجانا ليبيا بينما تعجز عن الاقتراب من غرفة العمليات التي صنعت المأساة الأولى.
ليبيا لا تحتاج إلى إفلات من العقاب، بل إلى عدالة لا تخاف من الأقوياء؛ وإلى أن يحدث ذلك، ستظل المحكمة الجنائية الدولية في الملف الليبي مؤسسة تطلب الثقة أكثر مما تمنحها.
بقلم مازن بلال
33 دولة إفريقية مرشحة لنمو اقتصادي قوي خلال 2025 و 2026
