تحولت واقعة توقيف طائرة شحن أوكرانية في مطار بياركو بترينيداد وتوباغو من مسألة لوجستية إلى قضية أمنية إقليمية، فالأمر يرتبط بمتفجرات متجهة إلى بلد منقسم، تتنازع فيه قوى محلية وإقليمية ودولية النفوذ والسلاح والموانئ والشرعية.
فالمعطيات تشير إلى أن الطائرة، القادمة من جزر البهاما والمتجهة إلى ليبيا عبر الرأس الأخضر تحمل مواد متفجرة، وبينت السلطات في ترينيداد وتوباغو إن الطائرة وطاقمها الأوكراني خضعوا للتحفظ والتحقيق، بمشاركة جهات أمنية وطنية ودولية، قبل السماح لهم لاحقاً بمغادرة البلاد.

خلصت التحقيقات إلى عدم تحميل الطاقم مسؤولية مباشرة، وهذه النتيجة لا تبدد الأسئلة الجوهرية حول من رتب الشحنة؟ ومن المستلم في ليبيا؟ وهل كانت ليبيا مجرد محطة نهائية، أم جزءاً من شبكة عمليات أوسع تمتد من الكاريبي إلى المتوسط؟
ليبيا.. الوجهة التي تثير الشكوك
ليبيا ليست اسماً محايداً في أي مسار شحن عسكري أو شبه عسكري، فمنذ سقوط نظام معمر القذافي، تحولت البلاد إلى واحدة من أكثر البيئات هشاشة في شمال إفريقيا، حيث تتداخل الحكومات المتنافسة، والميليشيات المحلية، وشبكات التهريب، والقواعد الأجنبية، والمصالح الغربية والتركية.
وصول متفجرات غير مصرح بها إلى ليبيا لا يمكن فصله عن البنية المضطربة، فلمن كانت مخصصة هذه المتفجرات؟ فهناك غياب لأي تصريح رسمي يضفي على الشحنة طابعاً ملتبساً.
بعض الفرضيات تحدثت عن أن المواد معدة لأغراض صناعية أو هندسية، كما يحدث في قطاعات التعدين أو الإنشاءات، لكن الوجهة الليبية، والسياق الأمني، والجنسية الأوكرانية للطائرة، تجعل هذا الاحتمال أقل بساطة مما يبدو.
في المقابل، فإن المؤشرات تذهب نحو ارتباط الشحنة بترتيبات عسكرية أو عمليات خاصة، خصوصا في ظل التقارير التي تتحدث عن حضور أوكراني متزايد في بعض مناطق ليبيا.
الوجود العسكري الأوكراني.. من الدعم الفني إلى حرب الظل
تؤكد سلسلة من التقارير وجوداً عسكرياً أوكرانياً في ليبيا، وهذه المعلومات لا يتم حسمها رسمياً، لكن مجرد تداولها في سياق حادثة طائرة المتفجرات يفتح باباً أمام قراءة أوسع، فأوكرانيا لا تخوض حربها ضد روسيا داخل حدودها فقط، بل تسعى إلى توسيع رقعة الضغط على المصالح الروسية أينما أمكن.

هذا النمط ليس جديداً في الحروب الحديثة، فالدول المحاصرة أو المستنزفة غالباً ما تلجأ إلى عمليات غير مباشرة، تستهدف خطوط الإمداد، وشبكات النقل، والوجود الخارجي للخصم.
وروسيا التي تمتلك حضوراً عسكرياً وسياسياً في ليبيا عبر قنوات مختلفة، تبدو هدفاً لأي استراتيجية أوكرانية تسعى إلى ملاحقة النفوذ الروسي خارج الجبهة الأوكرانية.
لكن الخطورة في أن ليبيا ليست ساحة معزولة، بل بلد هش، وأي نشاط عسكري خارجي فيه يضيف سوية جديدة من الفوضى.
حكومة الدبيبة.. الغطاء المحلي لشبكة المتفجرات
تبرز حكومة عبد الحميد الدبيبة بوصفها الحلقة المحلية الأكثر حساسية في قراءة حادثة المتفجرات الأوكرانية، وتشير المعطيات المتقاطعة أن مسألة طائرة الشحن الأوكرانية لا يمكن عزلها عن بنية السيطرة القائمة في غرب البلاد، حيث تملك حكومة طرابلس نفوذاً على المطارات والموانئ ومسارات التنسيق الأمني واللوجستي.

وسواء كانت الشحنة مخصصة لجهة عسكرية أو لعملية خاصة أو لشبكة إمداد أوسع، تحتاج بالضرورة إلى مستلم محلي وغطاء سياسي يوفران إمكانية العبور والتخزين والتوزيع، وهو ما يضع حكومة الدبيبة في قلب الأسئلة لا على هامشها.
فالحديث عن وجود خبراء وضباط أوكرانيين في مصراتة والزاوية وطرابلس، وتدريب مجموعات مسلحة وتشغيل مسيرات انتحارية، يجعل حادثة الطائرة جزءاً من مسار أوسع لتحويل غرب ليبيا إلى مساحة عمل عسكرية تخدم كييف، وتمنح الدبيبة أدوات إضافية لتعزيز موقعه الداخلي عبر تسليح المجموعات الموالية له.
عملياً اتهمت الخارجية الروسية حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية بتوسيع التعاون العسكري مع أوكرانيا، بما يشمل وجود قوات أو خبراء أوكرانيين في غرب ليبيا، وتزويد طرابلس بطائرات مسيّرة هجومية وبرامج تدريبية بإشراف استخباراتي أوكراني، إضافة لتسهيل قنوات تهريب أسلحة غربية إلى جماعات متطرفة في دول الجوار مثل مالي والنيجر والسودان.

وتشير بعض المصادر إلى أن حكومة طرابلس أبلغت الجانب الروسي بعدم قدرتها على ضبط الوضع الأمني بالكامل في بعض مناطق الغرب الليبي، وهو ما يعمّق المخاوف من تحول ليبيا إلى ساحة صراع بالوكالة وتصفية حسابات.
المسيرة البحرية في اليونان.. سؤال الهدف والمسار
تزداد الصورة تعقيداً مع حادثة القارب المسير الملغم الذي عثر عليه على شواطئ جزيرة ليفكادا اليونانية في 7 مايو.

يعتقد محققون يونانيون أن القارب، الذي تقول أثينا أنه أوكراني بينما تنفي كييف ذلك، انحرف عن مساره بسبب خلل فني، وتعمل وحدات استخباراتية وعسكرية يونانية على تحليل القارب وتفكيكه وإجراء هندسة عكسية لتحديد خصائصه ومصدره ومهمته.
السؤال هنا من كان الهدف؟ فإذا كان القارب يحمل متفجرات، ومصمماً للوصول إلى هدف بحري، فإن الاحتمال الأكثر ترجيحاً أنه لم يكن موجهاً ضد اليونان نفسها، بل ضد سفينة أو ناقلة أو أصل بحري مرتبط بمصالح روسية أو بعمليات التفاف على العقوبات.
وزير الدفاع اليوناني أشار إلى خطورة الحادثة على سلامة الملاحة، وهذا التحذير يكشف جوهر المشكلة، فالعمليات السرية في البحر لا تصيب دائما الهدف المقصود، بل يمكن أن تتحول، بفعل خلل فني أو خطأ ملاحي، إلى تهديد مفتوح للمدنيين.
هل أطلقت المسيرة من ليبيا؟
بعض التقارير وضعت احتمال أن يكون القارب المسير أطلق من سفينة أو من الشاطئ، وربما من مكان بعيد مثل ليبيا عبر المتوسط.

النتائج الأولية تشير إلى أنها لم تقطع مسافة طويلة، ما يقلل احتمالية إطلاقها من ليبيا، لكن تجاهل طرح ليبيا ضمن فرضيات التحقيق يعكس القلق من تحولها إلى قاعدة محتملة لعمليات بحرية غير نظامية.
العلاقة بين طائرة أوكرانية تحمل متفجرات إلى ليبيا، وقارب مسير ملغم يشتبه في أوكرانيته يظهر في اليونان؛ لا يملك حلقة إثبات مباشرة، لكن تزامنهما، وطبيعة المواد، والبيئة الليبية، والعملية الروسية في أوكرانيا، كلها عناصر تجعل الربط التحليلي مشروعاً، شرط ألا يتحول إلى اتهام قطعي بلا أدلة.
من البحر الأسود إلى المتوسط
طورت أوكرانيا خلال الحرب قدراتها في استخدام المسيرات البحرية بوصفها أداة فعالة ضد الأسطول الروسي في البحر الأسود، وإذا كانت كييف استطاعت نقل هذا النمط إلى المتوسط، فذلك يعني أن الإرهاب دخل مرحلة أكثر اتساعاً وخطورة.
المتوسط ليس مسرحاً عسكرياً مغلقاً، بل شريان عالمي للطاقة والتجارة والهجرة والملاحة المدنية، وأي استخدام للمسيرات الملغمة فيه يهدد ليس فقط السفن الروسية المحتملة، بل الأمن البحري لدول مثل اليونان وإيطاليا ومالطا وليبيا وتونس ومصر.
نقل الحرب إلى المتوسط يعني أن خطوط الفصل بين الجبهة العسكرية والمجال المدني تصبح أكثر هشاشة، وهذا ما يجعل حادثة ليفكادا إنذاراً مبكراً لا يمكن التعامل معه كحادث تقني معزول.
اللافت أن كييف تنفي علاقتها بالقارب المسير في اليونان، فيما لم تكشف حادثة ترينيداد عن الجهة المستفيدة من المتفجرات، وهذا الفراغ المعلوماتي هو ما يغذي الشكوك.
في عالم الحروب الهجينة، لا تكون الحقيقة دائماً في البيان الرسمي، بل في تقاطع الوقائع الصغيرة؛ طائرة شحنة غير مصرح بها، وجهة ليبية، وقارب ملغم، وتحقيق استخباراتي، وتوتر دبلوماسي.
حرب لا تبقى في مكانها
تكشف حادثتا الطائرة الأوكرانية في ترينيداد والمسيرة البحرية في اليونان عن احتمال مقلق، فالإرهاب الأوكراني لم يعد محصوراً في شرق أوروبا، بل بدأ ينتج ظلالاً أمنية في المتوسط وشمال إفريقيا.

ليبيا المنهكة أصلاً بالحروب والتدخلات ربما تتحول مرة أخرى إلى ساحة بديلة لصراع لا يخصها، فلا تبدو القضية مجرد شحنة متفجرات أو قارب تائه، بل مؤشراً إلى مرحلة جديدة من الحروب العابرة للحدود، حيث لا تنفجر الأسلحة دائماً في المكان الذي أطلقت من أجله، ولا يدفع ثمنها دائماً من شارك في صنع القرار.
بقلم: نضال الخضري
المركزي الليبي ينفي تمديد تداول فئة الـ50 ديناراً
