تعكس التطورات المتلاحقة داخل المؤسسة الليبية للاستثمار نمطا بنيويا من الخلل، يتجاوز حدود النزاع الإداري إلى أزمة أعمق في إدارة الثروة السيادية، فتتقاطع هشاشة الحوكمة مع الانقسام السياسي واضطراب المنظومة القضائية، لتنتج بيئة تدار فيها الموارد الاستراتيجية بمنطق الصراع على الشرعية بدل الكفاءة.
تتحول المؤسسة من أداة لحماية أموال الأجيال إلى ساحة اختبار لقدرة الدولة الليبية على فرض قواعد مستقرة لإدارة أصولها في الداخل والخارج، وتندرج المواجهة بين القيادات المتنافسة على رأس المؤسسة ضمن هذا الإطار الأوسع، فتكشف تفاصيلها عن تداخل معقد بين القانون والسياسة، وعن عجز مزمن في حسم النزاعات عبر قنوات مؤسسية فعالة.
وبينما تتراكم الأحكام القضائية والطعون المتبادلة، تتآكل صورة المؤسسة أمام الشركاء الدوليين، ويتعمق الشك في قدرتها على تمثيل ليبيا بصورة موحدة، ما يضع مستقبل أصولها السيادية على المحك.

حكم قضائي مثير للجدل: بين النفي والتأكيد
في أبريل 2026، تصاعد الجدل، بعد تداول أنباء عن حكم لمحكمة جنوب طرابلس، يقضي بحبس رئيس المؤسسة الليبية للاستثمار علي محمود سنة واحدة وعزله من منصبه، على خلفية دعوى رفعها الرئيس الأسبق للمؤسسة محسن الدريجة بسبب عدم تنفيذ حكم قضائي سابق.
سارعت المؤسسة إلى نفي تسلمها أي إخطار رسمي، ووصفت ما جرى تداوله بأنه صادر عن “مصدر مجهول”، وأكدت احترامها للقضاء وأنها ستتبع الطرق القانونية للطعن في الحكم.
لكن النفي، بدل أن يطوي القضية، فتح باباً أوسع على سؤال الشرعية داخل واحدة من أهم مؤسسات الدولة الليبية.

تنازع طويل على الشرعية
الصراع بين علي محمود ومحسن الدريجة ليس جديدا، فالدريجة تولى رئاسة المؤسسة بعد 2011 في مرحلة إعادة تشكيل الدولة، ثم خرج من المنصب، لكنه واصل منذ سنوات معارك قضائية لاستعادة موقعه.
أما علي محمود، الذي يدير المؤسسة منذ 2016، فخاض بدوره معارك اعتراف داخلية وخارجية، من بينها نزاعات قضائية في الخارج انتهت بتثبيت موقعه في تمثيل المؤسسة قانونيا.
هذا التنازع الطويل لا يعكس فقط خلافا شخصيا، بل هشاشة الإطار القانوني الذي ينظم تداول المناصب السيادية في ليبيا.

ثروة مجمدة وإدارة مرتبكة
تكمن خطورة الأزمة في أن المؤسسة لا تدير جهازا إداريا عاديا، بل صندوقا سياديا يقدر بعشرات المليارات من الدولارات، وهذه الأصول، المجمدة جزئيا منذ 2011، تحتاج إلى إدارة دقيقة وشرعية واضحة أمام المجتمع الدولي.
لكن حالة الانقسام الإداري والقانوني تجعل من الصعب إقناع الأطراف الدولية بقدرة ليبيا على إدارة أموالها بكفاءة وشفافية، فكل نزاع داخلي يضعف موقف المؤسسة في أي مفاوضات تتعلق بفك التجميد أو إعادة الاستثمار.

القضاء الليبي: أحكام بلا تنفيذ
قضية الحكم الغيابي، سواء ثبتت أو لم تثبت، تعكس أزمة أعمق في النظام القضائي الليبي، فالأحكام كثيرا ما تصدر دون أن تنفذ، أو يتم الطعن في إجراءاتها، أو تستخدم كورقة ضغط سياسي.
في هذه البيئة، يصبح القضاء ساحة موازية للصراع، بدل أن يكون أداة لحسمه، وتتحول الشرعية القانونية إلى مفهوم قابل للتأويل، يستخدم بحسب موازين القوة لا بحسب نصوص القانون.
هذه الظاهرة ليست جديدة، حيث شهدت الانتخابات الرئاسية عام 2021 تضاربا واضحا في الأحكام القضائية المتعلقة بأهلية المرشحين، ما ساهم في تعطيل العملية الانتخابية، كما برزت إشكالات مشابهة في الانتخابات البلدية، حيث أثرت الطعون والأحكام في مسارات النتائج.
وفي قطاع النفط، أثار الحكم الغيابي بحق وزير النفط السابق محمد عون، ثم سقوطه لاحقا، جدلا واسعا حول استخدام القضاء في تصفية الحسابات داخل مؤسسات الدولة.
الفساد كمنظومة لا كحالة فردية
من الواضح أن للصراع داخل المؤسسة الليبية للاستثمار بعدا مرتبطا بالفساد، لكنه لا يظهر فقط في صورة اتهامات مباشرة، بل يتجلى في بنية كاملة من الفوضى.
حين تتعدد مراكز القرار، وتتنازع الشرعيات، وتستخدم الأحكام القضائية كأدوات ضغط، يصبح من الصعب الحديث عن مساءلة حقيقية، فالفساد هنا ليس انحرافا طارئا، بل نتيجة طبيعية لنظام غير مستقر.
عمليا الصراع على رئاسة المؤسسة يتجاوز البعد الإداري إلى نزاع على النفوذ السياسي والاقتصادي، فالمؤسسة تمثل بوابة التعامل مع الأصول الليبية في الخارج، وأداة تأثير في السياسات الاقتصادية، فأي حكم قضائي أو قرار إداري داخلها ينعكس مباشرة على موازين القوى داخل الدولة، ويؤثر في علاقاتها مع الخارج.

كلفة الفوضى: خسارة الثقة قبل الأموال
ليبيا لا تخسر فقط عوائد استثمارية محتملة، بل تخسر أيضا ثقة المجتمع الدولي، فالمؤسسات المالية العالمية تحتاج إلى شريك واضح ومستقر، وهو ما تفتقده المؤسسة في ظل النزاعات الحالية.
هذا التآكل في الثقة أكثر خطورة من أي خسارة مالية مباشرة، لأنه يحد من قدرة البلاد على استعادة السيطرة على أصولها أو استثمارها مستقبلا.
فضيحة المؤسسة الليبية للاستثمار ليست في حكم قضائي بعينه، ولا في شخص علي محمود أو محسن الدريجة فقط، فهي تعبير عن أزمة أعمق في بنية الدولة الليبية، حيث تتقاطع السياسة بالقضاء، وتختلط الشرعية بالقوة، وتضيع المسؤولية في متاهة الصراعات.
ما لم يتم إصلاح منظومة الحوكمة، وتعزيز استقلال القضاء، وفصل إدارة الثروة السيادية عن التجاذبات السياسية، ستبقى أموال الليبيين رهينة هذا الانقسام؛ مجمدة بقرارات دولية من جهة، ومشلولة بفوضى داخلية من جهة أخرى.
بقلم مازن بلال
ليبيا تبحث تسوية أوضاع جالية بنغلاديش
