20 أبريل 2026

دفعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بمبادرة “الطاولة المصغرة” كآلية يفترض أنها قادرة على كسر الجمود الذي يطوق ملف الانتخابات، لكن طبيعة المبادرة، وتوقيتها وتركيبة المشاركين وآلية إدارتها، تؤشر أنها محاولة إعادة تشكيل مسار التفاوض عبر قناة ضيقة.

لم تقابل هذه الخطوة باعتبارها مدخلا عمليا لإنقاذ العملية السياسية، بل أثارت قدرا واسعا من الشكوك، وتركزت الانتقادات على غياب الشفافية، وعدم وضوح معايير الاختيار، والطابع غير المعلن للأهداف النهائية، ما عزز الانطباع بأن ما يجري يعكس إدارة خلفية للمشهد السياسي، تثير تساؤلات حول حدود الدور الأممي ومآل هذه المبادرة.

المشكلة لا تتعلق بمجرد اجتماع مصغر، بل بما يوحي به هذا المسار من تحول في وظيفة البعثة نفسها من وسيط يفترض أن يلتزم أقصى درجات الوضوح والحياد، إلى طرف يصوغ تفاهمات خلف الكواليس، أو على الأقل يختبر موازين القوى عبر أدوات لا تفصح بالكامل عن أهدافها ولا عن قواعدها.

تركيبة الطاولة… أسماء كثيرة وحضور انتخابي محدود

حسب الأسماء المتداولة، تضم قائمة المشاركين عن حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية علي عبد العزيز، وعبد الجليل الشاوش، ومصطفى المانع، ووليد اللافي، أما قائمة “القيادة” فتضم آدم بوساخرة وزياد حادية، وعبد الرحمن العبار، والشيباني أبو حمود.

تبرز الملاحظة الأكثر إثارة أن من بين الأعضاء الثمانية، لا يبدو أن ثمة من يملك صلة مباشرة وثيقة بملف الانتخابات والسياسة، إلا وليد اللافي، وبدرجة أقل الشيباني أبو حمود، وباقي الأسماء، ورغم ما تمثله من حضور سياسي أو إداري، لا توحي بأننا أمام فريق مختص بمعالجة أهم عقدتين في المشهد الليبي: القوانين الانتخابية وترتيبات المفوضية العليا للانتخابات.

الانتخابات في ليبيا ليست ملفا إداريا محدودا يمكن إحالته إلى شخصيات عامة أو ممثلين سياسيين، بل هي عقدة سيادية متشابكة تمس الترتيبات الدستورية، وتوازنات السلطة، وشروط الاعتراف بالنتائج، وموقع المؤسسات المتنافسة من الدولة، واختيار أسماء لا ترتبط بقوة بهذا الملف يخلق انطباعا بأن الغاية ليست بناء حل تقني متين، إنما صناعة قناة تفاوض مرنة، يمكن عبرها تدوير الزوايا السياسية وامتصاص التناقضات مؤقتا.

تمثيل مرتبك يفتح باب الطعن في الشرعية

لم يأت الاعتراض على “الطاولة المصغرة” من خارجها فقط، بل من داخل المؤسسات التي يفترض أنها ممثلة فيها، فوردت اعتراضات على كون بعض الأسماء لا تحمل تفويضا واضحا من المؤسسات، ولا تستند إلى قرارات صريحة صادرة عن الأجسام التي يفترض أنها تمثلها، وهناك أصوات داخل المجلس الأعلى للدولة اعتبرت أن أي عضو يشارك دون تكليف من المجلس لا يمثل المجلس أصلا، وإنما يمثل نفسه أو الجهة التي دفعته إلى الواجهة.

تضرب هذه النقطة المسار في الصميم، فالمشكلة ليست فقط في من جلس إلى الطاولة، بل في سؤال أبعد: من فوضه؟ وإذا كانت الأمم المتحدة تدرك أصلا أن معضلة ليبيا الأساسية هي تضارب الشرعيات وتعدد مراكز القرار، فإن الذهاب إلى آلية تفاوضية غير واضحة المرجعية يضيف سوية جديدة من الالتباس بدل أن يساعد على تفكيكها، فالاعتراض على هذا المسار هو على قاعدة الشرعية ذاتها، والطريقة التي يعاد بها تعريف “التمثيل” خارج القنوات القانونية والمؤسساتية.

من الغموض الإيجابي إلى الغموض المريب

استخدمت الأمم المتحدة، في عدد من النزاعات، فكرة “الغموض الإيجابي” بوصفها أداة لتخفيف تصلب المواقف، وترك مساحة تسمح للأطراف المختلفة بالالتقاء على نصوص أو تفاهمات قابلة لتأويل مرن، لكن في الحالة الليبية، يبدو أن هذا الأسلوب تجاوز حدوده المفيدة، وتحول إلى غموض مريب.

لا أحد يعرف على وجه الدقة كيف اختيرت الأسماء، ولا صلاحيات هذه الطاولة، وفيما إذا كانت ستناقش القوانين الانتخابية حصرا، أم ستتجاوز ذلك إلى تفاهمات أوسع تتصل بإعادة ترتيب المشهد السياسي نفسه.

كما لا يوجد وضوح كاف بشأن علاقتها بالمسارات السابقة، ولا سيما اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل، هذا الغياب للوضوح يغذي الانطباع بأن المسألة لا تتعلق فقط بإدارة خلاف سياسي، بل بإعادة إنتاجه في غرفة أصغر، وبأطراف أقل، وبقدرة أعلى على المناورة، فتتآكل الثقة لا في المسار وحده، بل في الجهة الراعية له أيضا.

اعتراضات سياسية تحذر من صفقة ضيقة

ردود الفعل الرافضة للمبادرة جاءت حادة وواضحة، فأعلنت تنسيقية الكتل داخل المجلس الأعلى للدولة رفضها للمسار، واعتبرت أن ما يجري يمثل تجاوزا للأطر الرسمية وقفزا على نتائج اللجنة الاستشارية والحوار المنظم، كما حذرت من عقد “صفقة مريبة” بين طرفين فقط مع إقصاء بقية القوى والفاعلين.

تعكس هذه اللغة التصعيدية شعورا متزايدا لدى قوى ليبية عدة بأن الأمم المتحدة لم تعد تدير خلافا مفتوحا بين جميع الأطراف، بل تحاول تضييق المشهد إلى الحد الذي يصبح فيه التوافق أسهل شكلا، لكنه أضيق مضمونا، وبشرعية ضعيفة.

وفق الظرف الليبي كل اتفاق لا يستند إلى تمثيل واسع وقواعد واضحة مهدد بالانهيار عند أول اختبار، الاختصار الإجرائي ينتج ورقة تفاهم، لكنه لا ينتج بالضرورة تسوية قابلة للحياة.

لماذا الآن؟ ضغط الإحاطة وسباق تثبيت الوقائع

لا يمكن فصل “الطاولة المصغرة” عن توقيتها السياسي، فهي تأتي قبل إحاطة مهمة أمام مجلس الأمن، وفي لحظة تشهد فيها الساحة الليبية حراكا متسارعا لإعادة ترتيب ملفات السلطة والميزانية والتعيينات والصلاحيات، ما يفتح الباب أمام احتمال أن تكون المبادرة جزءا من محاولة أممية لإظهار تقدم ملموس، ولو شكليا، بدل الذهاب إلى مجلس الأمن بلغة تعكس استمرار العجز نفسه.

تبدو المبادرة أشبه بمحاولة لكسر المراوحة عبر آلية سريعة، ولو على حساب الشمول والوضوح، غير أن السرعة، في السياق الليبي، ليست دوما فضيلة، حيث أثبتت تجارب السنوات الماضية أن الحلول التي تصاغ على عجل، أو تبنى على تمثيل منقوص، لا تلبث أن تتحول إلى مادة نزاع جديدة، بدل أن تكون مدخلا إلى تسوية.

خلفية المشهد… توافق على الموارد لا على السلطة

المفارقة اللافتة أن المشهد الليبي أظهر، في ملفات أخرى، قدرة محدودة على إنتاج تفاهمات حين يتعلق الأمر بالمال العام أو الترتيبات التنفيذية، لكن الأمر يختلف جذريا عندما يصل النقاش إلى جوهر السلطة السياسية.

المسألة لا تتعلق بمجرد قوانين ناقصة أو مواد خلافية، بل بصراع عميق على شكل الدولة المقبلة، وعلى الجهة التي ستكسب من أي استحقاق انتخابي، أو ستخسر منه، ويبدو اختزال هذه الأزمة المعقدة في “طاولة مصغرة” أمرا يحمل قدرا من التبسيط السياسي غير المأمون العواقب.

السؤال الأخطر الذي يطرحه هذا المسار متعلق بدور بعثة الأمم المتحدة، فهل ما زالت تمارس وظيفة الوسيط المحايد الذي يفتح المسارات ويترك للأطراف إنتاج الحلول؟ أم أنها باتت تميل إلى لعب دور أكثر فاعلية وتأثيرا، يصل أحيانا إلى حد إعادة تشكيل قنوات التمثيل ذاتها؟

في الظاهر، يفهم هذا التحول باعتباره استجابة لانسداد مزمن وعجز متكرر من المؤسسات الليبية عن إنجاز الحد الأدنى، لكن في العمق، يحمل هذا التوجه مخاطرة كبيرة، فكلما زاد حضور البعثة كلاعب، تراجعت قدرتها على الاحتفاظ بصورة الحكم المحايد، وكلما تراجعت هذه الصورة، انخفضت صدقية أي اتفاق ترعاه.

طاولة صغيرة لأزمة أكبر من أن تختزل

لا تبدو “الطاولة المصغرة” مجرد آلية فرعية أو تفصيل إجرائي عابر، بل مرآة لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة العملية السياسية في ليبيا، وبحدود الدور الأممي فيها، فتكشف عن فقدان الثقة في المؤسسات القائمة وقدرتها على إنجاز الاستحقاق الانتخابي، عن تآكل الثقة أيضا في الأسلوب الذي تتبعه البعثة الأممية نفسها.

المشكلة ليست في أن تكون الطاولة مصغرة، بل في أن يكون المسار كله مصغرا، من التمثيل والشفافية والشرعية وقدرة على الاستيعاب، وإذا استمر هذا النهج، فإن الخطر ليس فقط من فشل المبادرة، بل من أن تتحول إلى مثال إضافي على كيف تدار الأزمات الليبية من فوق، وبأدوات جزئية، فيما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة بلا جواب.

ولهذا، فإن أي مسار جاد نحو الانتخابات لا يحتاج فقط إلى أسماء تجلس حول الطاولة، بل إلى قواعد واضحة، وتفويض مشروع، وتمثيل حقيقي، ومصارحة علنية بشأن ما يراد من هذا البلد، دون ذلك، ستظل كل الطاولات، مهما تغيرت أسماؤها أو أحجامها، عاجزة عن حمل ثقل الأزمة الليبية.

بقلم: مازن بلال

ليبيا تُشيد بموقف الجزائر في مجلس الأمن

اقرأ المزيد