السودان يواجه واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية والاقتصادية، مع تزايد معاناة ملايين المدنيين جراء الحرب المستمرة وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية في مختلف أنحاء البلاد.
وتتوالى التحذيرات الأممية من اتساع رقعة الأزمة الإنسانية في السودان، وسط مخاوف متزايدة من تفاقم المجاعة وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين مع استمرار الصراع وتدهور الأوضاع الأمنية.
وأصبح السودانيون يقيسون آثار الحرب من خلال قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية، بعد أن تحولت أسعار الخبز والمياه والكهرباء وسعر صرف العملة إلى مؤشرات يومية لحجم المعاناة.
وتفاقمت الأوضاع الإنسانية بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في أبريل 2023، مع تداخل الانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية واتساع رقعة الفقر والنزوح.
وعاد آلاف النازحين إلى أحياء في الخرطوم خلال الفترة الماضية، إلا أنهم وجدوا أنفسهم أمام تحديات معيشية قاسية بسبب شح المياه والانقطاعات الطويلة للكهرباء واضطراب الأسواق.
وأغلقت عشرات المخابز أبوابها خلال الأشهر الأخيرة نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل ونقص الوقود والكهرباء، ما أدى إلى تراجع المعروض من الخبز وارتفاع أسعاره بشكل متواصل.
وكشفت بيانات مبادرة الرصد المشترك للأسواق السودانية عن ارتفاع تكلفة الحد الأدنى للإنفاق المعيشي إلى أكثر من 551 ألف جنيه سوداني خلال مايو الماضي، مقارنة بنحو 540 ألف جنيه في أبريل.
وسجلت معدلات التضخم مستويات مرتفعة خلال الأشهر الأخيرة بفعل زيادة أسعار السلع الأساسية، الأمر الذي فاقم الأعباء المعيشية على الأسر السودانية.
وتراجع الجنيه السوداني بصورة حادة ليقترب سعر صرف الدولار في السوق الموازية من ستة آلاف جنيه، في أحد أكبر الانهيارات التي تشهدها العملة الوطنية.
وأدى انهيار سعر الصرف إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار المواد الأساسية، بما في ذلك الأرز والسكر والدقيق، ما زاد الضغوط على أصحاب الدخل المحدود.
وواجهت العاصمة الخرطوم أزمة متفاقمة في خدمات المياه رغم موقعها عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، ما دفع كثيراً من السكان إلى الاعتماد على عربات نقل المياه والآبار المحدودة.
وتسببت الانقطاعات المتكررة للكهرباء في تعطيل محطات الضخ الرئيسية، الأمر الذي أسهم في تفاقم أزمة المياه ورفع تكاليف الحصول عليها.
وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خسائر قطاع الكهرباء في السودان بنحو ثلاثة مليارات دولار منذ اندلاع الحرب، ما انعكس سلباً على قطاعات المياه والصحة والتعليم والأنشطة الاقتصادية.
وتصاعدت الانتقادات الموجهة إلى المؤسسات الحكومية والاقتصادية في مناطق سيطرة الجيش، مع تزايد الحديث عن الفساد وضعف الرقابة وتراجع كفاءة إدارة الموارد العامة.
وأقر عضو مجلس السيادة مالك عقار بوجود مظاهر فساد داخل مؤسسات السلطة، في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً بشأن أداء الأجهزة الحكومية خلال فترة الحرب.
وأظهر تقرير مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية استمرار السودان ضمن الدول الأضعف أداءً في مكافحة الفساد، ما يزيد من تعقيد جهود التعافي الاقتصادي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وحذرت الأمم المتحدة من أن نحو 25 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما أجبرت الحرب أكثر من 11 مليون شخص على النزوح من مناطقهم.
وبات التحدي الأكبر أمام ملايين السودانيين مرتبطاً بقدرتهم على تأمين أبسط متطلبات الحياة اليومية، في ظل استمرار الحرب وتراجع الخدمات وارتفاع الأسعار وانهيار العملة.
وتحولت المياه إلى أزمة مزمنة في بلد يمر به أحد أكبر أنهار العالم، فيما أصبح الحصول على الخبز عبئاً يومياً في دولة عُرفت تاريخياً بإمكاناتها الزراعية الكبيرة.
وتتسع معاناة المدنيين مع استمرار النزاع، إذ يخوض ملايين السودانيين معركة يومية من أجل البقاء لا تقل قسوة عن المعارك الدائرة على الأرض.
السودان يسعى لتعزيز التعاون مع روسيا قبيل القمة العربية
