18 أكتوبر 2026

تدخل تونس موسمها الفلاحي 2026–2027 وهي تواجه سؤالاً يتجاوز حجم المحصول: كيف يمكن تحويل الزراعة من قطاع يلاحق أزمات الجفاف والتزويد إلى قاعدة أكثر قدرة على حماية الغذاء والدخل والموارد؟

يبدأ الاختبار بتعداد فلاحي شامل يُنتظر استكماله قبل موسم 2027–2028، لكنه لن يحقق غايته بمجرد جمع البيانات، فقيمته الحقيقية ستُقاس بقدرته على تغيير طريقة توزيع الدعم والاستثمار، وتحسين موقع صغار الفلاحين في السوق، وربط الإنتاج بما تستطيع البلاد توفيره من مياه.

تستعد السلطات التونسية لإجراء أول تعداد عام للفلاحة باستخدام أدوات رقمية، بكلفة تقديرية تبلغ نحو 5 ملايين دينار. وسيعتمد الإحصاء على جمع المعطيات ميدانياً، وربط الحيازات الفلاحية بمواقعها الجغرافية، ثم تدقيق البيانات مركزياً.

وتشمل العملية الأنشطة الزراعية وتربية الماشية والغابات والصيد البحري، إلى جانب الأراضي والمياه واليد العاملة. وسيكون الموسم الفلاحي 2025–2026 مرجعاً للبيانات، على أن يجري العمل الميداني في الموسم التالي.

التعداد يرسم خريطة القطاع

تكمن أهمية التعداد في أنه يكشف الفجوة بين الأرقام الوطنية والواقع المحلي، فالمعطيات المتاحة تشير إلى ارتفاع عدد الحيازات الفلاحية من نحو 326 ألفاً عام 1962 إلى قرابة مليون حالياً، وإلى أن أكثر من 66% من الحيازات تقل مساحتها عن خمسة هكتارات.

كما تشير التقديرات إلى أن الفلاحة العائلية والمنشآت الصغرى تمثل نحو 85% من القطاع، في مقابل نسبة انخراط لا تتجاوز 7% من الفلاحين في الهياكل المهنية. وهذه تقديرات أولية سيتيح التعداد اختبارها وتحديثها.

العلاقة بين عدد الحيازات ومساحة كل منها مهمة في رسم السياسة الزراعية، فارتفاع عدد الوحدات الصغيرة يشتت الإنتاج ويصعّب تمويل المعدات والري والتخزين، كما يجعل قرارات الدعم والأسعار مؤثرة في شريحة واسعة من الأسر والمنتجين.

وإذا شمل المسح المساحات والمحاصيل والقطيع والآلات وأعمار الفلاحين ومستوياتهم التعليمية، فسيتيح رسم صورة أدق لاحتياجات كل منطقة، بدلاً من اعتماد برامج موحدة لا تراعي اختلاف ظروف المناطق.

تتسع فائدة البيانات إلى ما وراء وزارة الفلاحة، فمعرفة مواقع الإنتاج يمكن أن تساعد على تحديد المواقع المناسبة للمعاصر ووحدات التحويل، فيما تسهم بيانات المحاصيل والثروة الحيوانية في تقدير احتياجات السوق والتوريد.

لكن الخريطة الرقمية لا تضمن وحدها عدالة التوزيع، إذ يتطلب ذلك قواعد معلنة لاختيار المستفيدين، ومواعيد منتظمة لنشر المؤشرات، ومراجعة أثر الإنفاق بعد توجيهه. كما أن ضمان سرية بيانات الفلاحين وثقتهم بالعملية شرطان لجمع معلومات دقيقة، خصوصاً مع تأكيد السلطات أن استخدامها سيكون لأغراض إحصائية وتخطيطية.

المياه تحدد خيارات الإنتاج

يأتي التعداد وسط ضغط مائي يضع خيارات الزراعة أمام مفاضلات صعبة. وتشير بيانات البنك الدولي المتاحة عن تونس إلى أن نصيب الفرد من المياه العذبة المتجددة يبلغ نحو 380 متراً مكعباً سنوياً، وهو مستوى أدنى بكثير من عتبة الندرة المطلقة. ويحذر البنك من أن شح المياه قد يخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 6.4% بحلول عام 2050 إذا لم تتحسن الإدارة والاستثمارات.

ولا تقف مخاطر المياه عند حدود الحقول، بل تمتد إلى الوظائف الريفية والصناعات الغذائية والخدمات المعتمدة على المياه.

من هذا المنظور، لا تكفي زيادة الإنتاج بوصفها هدفاً مستقلاً، فالمطلوب معرفة المحاصيل التي تحقق مردوداً غذائياً واقتصادياً مناسباً لكل حوض مائي، وموازنة احتياجات السوق المحلية مع المحاصيل الموجهة للتصدير.

وتتراوح تقديرات إنتاج الحبوب في الموسم الحالي بين 17 و18 مليون قنطار، فيما بلغت الكميات المجمعة 11 مليون قنطار، يشكل القمح الصلب نحو 73% منها، بما يغطي حاجات السوق حتى يناير 2027. وتبقى هذه الأرقام مؤشراً موسمياً، فيما يتطلب تعزيز الأمن الغذائي سياسة طويلة الأمد للبذور والمخزونات وتقليل فاقد المحاصيل.

تطرح تونس في خططها التوسع في تعبئة المياه السطحية، والحد من الفاقد والتبخر، وتحلية مياه البحر، وإعادة استخدام المياه المعالجة، إلى جانب تحسين الري.

غير أن تحديث شبكات الري يحتاج إلى تمويل وصيانة وإدارة تضمن وصول المياه بكفاءة، وقد يرفع كلفة الإنتاج على الفلاح إذا تحمل وحده نفقات المعدات والطاقة. ويشير البنك الدولي إلى مشروع لتحسين خدمات الري والبنية التحتية الزراعية في ولايات جندوبة وباجة وبنزرت وسليانة، يستهدف نحو أربعة آلاف فلاح بخدمات ري محسّنة، ونحو تسعة آلاف بالإرشاد والدعم لإضافة قيمة إلى إنتاجهم.

وتُقدَّر كلفة مخطط التكيف الفلاحي بنحو 25 مليار دولار، فيما تحدد المساهمة التونسية المحددة وطنياً للمناخ (NDC 3.0) احتياجات إجمالية تبلغ نحو 55 مليار دولار بين عامي 2026 و2035، منها 29 ملياراً للتكيف، موزعة على قطاعات تشمل المياه بـ10.7 مليارات دولار، والزراعة والأمن الغذائي بنحو 8 مليارات.

يعكس اختلاف الأرقام اختلاف نطاق الخطط، وينبغي التمييز بين كلفة مخطط التكيف الفلاحي والاحتياجات المناخية الأوسع. ويظل تنفيذ هذه البرامج مرهوناً بقدرة تونس على حشد التمويل الخارجي وضمان وصوله في الوقت المناسب.

صغار الفلاحين بين المخاطر والعائد

تكشف بنية القطاع سبب أهمية التنظيم المهني، فالفلاح الصغير غالباً ما يتحمل كلفة البذور والعمل والمخاطر المناخية، بينما تضعف قدرته التفاوضية عند بيع محصوله أو طلب التمويل والتأمين. وفي المحاصيل التي تحتاج إلى تخزين أو تحويل، يضطر المنتج إلى البيع في توقيت تحدده حاجته إلى السيولة، لا حاجة السوق أو فرصة الحصول على أفضل سعر.

 

يمكن للتعاونيات والمجامع المهنية أن تجمع الإنتاج وتخفض كلفة المدخلات، وتتيح التخزين والتفاوض الجماعي، وتسهّل الوصول إلى الإرشاد والتمويل والتأمين. لكن ذلك يحتاج إلى حوكمة شفافة وإدارة قريبة من المنتجين، حتى لا تتحول هذه الهياكل إلى وسيط إضافي يقتطع من العائد.

ويشمل الإصلاح أيضاً تفعيل أدوات التأمين ضد الجوائح الطبيعية، وتوسيع التمويل والمرافقة الفنية للمشاريع التي يقودها الشباب والنساء في الجهات، ومتابعة المشاريع المدعومة حتى تدخل مرحلة الإنتاج.

زيت الزيتون: نجاح التصدير لمن؟

يُظهر زيت الزيتون بوضوح كيف يمكن أن ترتفع الصادرات من دون أن تتوزع عوائدها بالتساوي على حلقات الإنتاج.

في الأشهر الثمانية الأولى من موسم 2025–2026، بلغت الصادرات نحو 352 ألف طن، بقيمة تقارب 4.394 مليارات دينار، وفق بيانات المرصد الوطني للفلاحة. لكن 86.3% من الكميات صُدّرت سائبة، مقابل 13.7% فقط معبأة، ولم تتجاوز حصة الزيت المعبأ 18.2% من الإيرادات.

تكشف هذه الفجوة فرصة لزيادة القيمة المضافة محلياً عبر التعبئة والتصنيع والعلامات التجارية، بدلاً من الاكتفاء بتصدير الزيت سائباً.

وتعتمد قدرة المنتجين على الاستفادة من الأسعار أيضاً على توقيت البيع وإمكانات التخزين، وعلى علاقة الفلاح بالمعاصر والمصدّرين. ويمكن لتنويع الأسواق أن يخفف الاعتماد على عدد محدود من المشترين، بينما يساعد تسويق الزيت المعبأ على تثبيت حضور المنتج التونسي والحصول على حصة أكبر من قيمته.

يتيح التعداد لتونس فرصة لبناء سياسة زراعية تستند إلى معرفة أدق بالناس والأرض والمياه والأسواق. ولن يُقاس نجاح هذه الخطوة بعدد الاستمارات الرقمية أو اكتمال الخرائط، بل بما يتبعها من قرارات، تبدأ بدعم يصل إلى مستحقيه، وتمويل يحمي صغار المنتجين، وريّ يرفع كفاءة استخدام المياه، واستثمار يزيد القيمة المضافة داخل البلاد.

عندها فقط يصبح التعداد أداة لتحسين الأمن الغذائي، لا سجلاً جديداً لقطاع يعرف كثيراً من أزماته ولا يملك دائماً الوسائل لتغييرها.

إيبولا يفتح الباب أمام تونس لاستضافة أمم إفريقيا للكرة الطائرة

اقرأ المزيد