الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون دعا المعارضين المقيمين بالخارج إلى العودة وممارسة المعارضة من داخل البلاد، مؤكداً ترحيبه بالمعارضة التي تطرح بدائل عملية، فيما شكك معارضون في جدية الدعوة، معتبرين أنها مشروطة وتحد من فعاليتها.
وبرز ملف “معارضي الخارج” منذ تولي تبون الرئاسة أواخر عام 2019 بوصفه أحد أبرز الملفات السياسية والأمنية في الجزائر، كما تحول إلى محور سجال داخلي وخلاف دبلوماسي مع فرنسا، التي تستضيف عدداً من أبرز الشخصيات المعارضة للسلطات الجزائرية.
واختتم تبون، أمس الخميس، زيارة عمل إلى ألمانيا بدأها بدعوة من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، حيث التقى أفراد الجالية الجزائرية في برلين، وبحث معهم عدداً من القضايا، كما استغل اللقاء لتوجيه رسالة إلى المعارضين المقيمين في أوروبا، وفق مقاطع فيديو نشرتها الرئاسة الجزائرية عبر منصاتها الرسمية.
وأكد الرئيس الجزائري أن المعارضين الذين يمارسون النقد بأسلوب متحضر ويقدمون بدائل عملية يسهمون في دفع البلاد نحو مزيد من التقدم الديمقراطي، مشيراً إلى أنه سبق أن أعلن هذا الموقف عبر التلفزيون، قبل أن يجدد التأكيد على حق كل جزائري في ممارسة النقد، شريطة احترام التقاليد والقيم الوطنية، معتبراً أن التجريح والسب والشتم لا يقدمان حلولاً، وإنما يغذيان خطاب الكراهية والعنف.
ووجّه تبون رسالة إلى معارضي سياساته، دعاهم فيها إلى التعبير بوضوح عن أسباب رفضهم للتوجهات القائمة، وتقديم البدائل التي يرونها مناسبة، معتبراً أن هذا النهج هو الذي يثري المسار الوطني ويعزز الحوار السياسي.
ولم يتضح السبب المباشر لإثارة الرئيس الجزائري ملف المعارضين خلال لقائه بالجالية، لا سيما أن التسجيل المصور لم يُظهر طرح هذا الملف من جانب الحاضرين، وهو ما فُسر بأنه مبادرة من تبون لاستغلال وجوده في ألمانيا، التي استقبلت، شأنها شأن دول أوروبية أخرى، معارضين جزائريين غادروا البلاد عقب إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي فاز بها الإسلاميون نهاية عام 1991.
وردّ رئيس “الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان”، سعيد صالحي، المقيم لاجئاً في بلجيكا، على تصريحات تبون، معتبراً أن الدعوة إلى العودة تظل إجراءً شكلياً، لأنها تصطدم، بحسب رأيه، بممارسات النظام التي تفرغ حرية التعبير من مضمونها، وتحصر المعارضة داخل مؤسسات تفتقر إلى المصداقية الشعبية والتعددية الحقيقية، مستشهداً بحل منظمات حقوقية ومدنية وملاحقة نشطاء بموجب قوانين مثيرة للجدل.
وأوضح صالحي أن تحويل دعوات العودة إلى خطوات عملية يتطلب إنهاء الملاحقات القضائية وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وفي مقدمتها المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، إضافة إلى وقف إجراءات المنع من السفر والمضايقات الإدارية.
وأضاف أن الخطوة الثانية تتمثل في تسوية ملف الاعتقال السياسي عبر الإفراج عن سجناء الرأي والصحافيين، وإلغاء الأحكام الغيابية الصادرة بحق الناشطين المقيمين في الخارج، بما يتيح لهم العودة دون ملاحقات قانونية.
واعتبر أن الخطوة الثالثة تقتضي إعادة فتح الفضاءين العام والمدني، من خلال رفع الحظر عن الجمعيات والأحزاب المنحلة، وضمان استقلالية وسائل الإعلام لتكون ساحة حقيقية للنقاش العام بعيداً عن الإقصاء والقيود الأمنية.
وكتب الصحافي والناشط المعارض عبد الكريم زغيليش، الذي أغلقت السلطات مؤسسته الإذاعية «سربكان»، أنه يتجنب التعليق على تصريحات الرئيس بسبب إدراكه أن أي موقف قد يعرضه لملاحقات قضائية جديدة، تضاف إلى القضايا التي يواجهها.
وتساءل زغيليش عن كيفية الحديث عن معارضة متحضرة في ظل ملاحقة خصوم السلطة أمام القضاء، مشيراً إلى أنه يواجه شخصياً نحو 20 قضية، كما استغرب الدعوة إلى تقديم بدائل ديمقراطية بينما يقود ذلك، بحسب قوله، إلى عقوبات بالسجن، مؤكداً أن الوقائع والأدلة تكفي لإظهار حقيقة المشهد دون اللجوء إلى الإساءة أو التجريح.
وتصدر ملف المعارضين الأزمة التي شهدتها العلاقات الجزائرية الفرنسية خلال العامين الماضيين، بعدما أوقفت السلطات الفرنسية في أبريل 2025 موظفاً قنصلياً جزائرياً بتهمة خطف واحتجاز المعارض المقيم في فرنسا أمير بوخرص، في قضية تعود وقائعها إلى عام 2024، ولم تُكشف تفاصيلها كاملة حتى الآن، وهو ما دفع الجزائر إلى طرد عدد من الدبلوماسيين الفرنسيين احتجاجاً على توقيف الموظف المنتمي، وفق الادعاء الفرنسي، إلى جهاز الأمن الخارجي.
وتواصل الجزائر مطالبة باريس بتسليم عدد من المعارضين المقيمين على أراضيها، بينهم أمير بوخرص، وضابط المخابرات السابق هشام عبود، والصحافي عبد الرحمن سمار، وفرحات مهني زعيم تنظيم “حركة الحكم الذاتي في القبائل”، إلى جانب عدد من أعضاء التنظيم، فيما تستضيف بريطانيا بدورها معارضين آخرين صدرت بحق كثير منهم أحكام غيابية بالسجن.
وأجرى تبون، خلال زيارته إلى ألمانيا، مباحثات سياسية مع الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، مؤكداً أن ألمانيا تمثل شريكاً استراتيجياً للجزائر، وأن البلدين أبرما اتفاقيات تهدف إلى التعاون في إنتاج الهيدروجين الأخضر والهيليوم والغازات النادرة، إضافة إلى صناعة السيارات.
وشهدت الزيارة انعقاد اجتماع اقتصادي جمع رجال أعمال ومستثمرين من البلدين، أسفر عن إعلان شراكة استراتيجية وتوقيع أكثر من 30 اتفاقية تعاون في مجالات المحروقات، والصناعات الصيدلانية والميكانيكية، والتكنولوجيات الدقيقة، والطاقات المتجددة، والانتقال الطاقوي، وفي مقدمتها مشروع ممر الهيدروجين الجنوبي “South H2 Corridor” المخصص لتصدير الهيدروجين الأخضر.
المغرب.. ارتفاع حصيلة ضحايا الحدود مع الجزائر إلى 14 مهاجراً هذا الشهر
