14 أكتوبر 2026

تتقاطع ثلاثة ملفات في استهداف مواقع التعدين قرب الحدود السودانية المصرية: حدود متنازع عليها، وحرب سودانية جعلت الذهب مورداً مهماً للأطراف المتحاربة، وفراغ أمني يوسّع نفوذ شبكات التعدين والتهريب.

جاءت الضربة الأخيرة بعد هجوم أُبلغ عن وقوعه في المنطقة خلال يونيو، بالتزامن مع إعلان الجيش المصري، في 12 أكتوبر، بدء المرحلة الثالثة من حملته لمكافحة التنقيب غير النظامي في الصحراء الشرقية.

عملياً، تحتاج قراءة هذه الأحداث إلى تمييز أساسي، فوجود الذهب في اقتصاد الحرب لا يثبت أن كل منجم حدودي يمول الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع، كما أن الاتهام بتنفيذ ضربة جوية لا يساوي إثبات مسؤولية الجهة المتهمة.

وبين هذين الأمرين، تحرّك التصعيد حسابات متداخلة، تشمل فرض السيطرة على منطقة رخوة أمنياً، ووقف أنشطة التعدين غير النظامي والتهريب، وتقليص قدرة شبكات محلية على إدارة مورد يصعب ضبطه.

حصيلة الضربة وموقعها لا يزالان موضع خلاف

وفق مجموعة “محامو الطوارئ”، استهدفت الغارة الجوية، يوم 10 أكتوبر، منجم ذهب في منطقة شمال الوادي قرب جبل العقييدات. واتهمت المجموعة القوات الجوية المصرية بتنفيذها، وقدّرت عدد القتلى بـ72 شخصاً على الأقل.

في المقابل، أوردت “شبكة أطباء السودان” حصيلة أولية مختلفة بلغت 13 قتيلاً و28 مصاباً، مع توقع ارتفاع عدد الضحايا. ونقل تحقيق صحفي عن مسعف ومتضررين تقديرات تتجاوز مئة قتيل، إضافة إلى عشرات المصابين، وهي أرقام لم تُحسم بصورة مستقلة.

واختلفت الروايات بشأن وقوع الضربة داخل الأراضي السودانية أو المصرية، ما أبقى تحديد موقعها موضع خلاف، في وقت لم يصدر عن الجيش المصري تعليق مباشر يقرّ بتنفيذها. لكنه أعلن، في 12 أكتوبر، استمرار المرحلة الثالثة من حملة لمكافحة التنقيب غير القانوني عن الذهب في الصحراء الشرقية، وقال إن الحملة تهدف إلى فرض السيادة وحماية الموارد، بعد إسقاط منشورات تحذيرية.

تزامن الإعلان مع قرار مجلس السيادة السوداني تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وتأكيده استمرار التواصل بين القيادتين المصرية والسودانية. ويشير الإعلان المصري إلى تعامل القاهرة مع التعدين الحدودي بوصفه ملفاً أمنياً، من دون أن يثبت صلة الحملة بالضربة الأخيرة.

حدود رخوة وموارد بلا سلطة واحدة

تكمن حساسية المنطقة في أن الحدود في مناطق التعدين ليست خطاً أمنياً واضحاً على الأرض، فالمناجم والأسواق ومسارات نقل الخام تمتد عبر فضاء صحراوي وجبلي، فيما تتداخل مطالب السيادة مع حركة السكان والتجار والعمال.

وتزداد حساسية المشهد بسبب النزاع التاريخي حول مثلث حلايب وشلاتين، حيث تتباين الخرائط والروايات بشأن تبعية بعض المواقع.

وبحسب مصادر ميدانية، هناك نشاط تعديني واسع يتركز حول جبل العقييدات وجبل الأحمر، فيما تمتد الحركة الاقتصادية المرتبطة بالمناجم والأسواق من مناطق داخل السودان إلى مواقع داخل الحدود المصرية.

كما تحولت منطقة رتق السودانية إلى مركز تجاري مرتبط بتدفق الذهب. ووفق تحقيقات إعلامية، تفتقر المنطقة إلى بنية تحتية وخدمات طبية وحضور أمني كافٍ، ما يترك مساحة لتنافس المجتمعات المحلية والشبكات التجارية على الوصول إلى المناجم وطرق النقل.

في هذه المنطقة الحدودية، لا يكفي إعلان السيادة لإحكام السيطرة، فالسلطة الفعلية تتحدد أيضاً بمن يضبط الطريق والسوق ومصادر الوقود والغذاء.

الذهب وتمويل الحرب في السودان

تفسر الحرب جزءاً من نمو التعدين غير النظامي، فمنذ اندلاع القتال في أبريل 2023، تراجعت سبل العيش وتضررت مؤسسات الدولة، فيما ازدادت أهمية الذهب بوصفه سلعة قابلة للبيع والتهريب خارج القنوات الرسمية.

ووثّق فريق خبراء الأمم المتحدة أن الذهب ظل مصدراً لإيرادات الأطراف المتحاربة، وأن فراغ الحوكمة أتاح ازدهار شبكات التهريب. كما تشير المعطيات إلى أن أكثر من نصف الذهب السوداني يخرج عبر قنوات غير رسمية، وأن مسارات التصدير تغيّرت بعد الحرب، مع انتقال جزء كبير من الذهب الذي كان يُصدّر إلى الإمارات نحو مصر.

تجعل هذه المعطيات ملاحقة المناجم والشبكات المحيطة بها ذات قيمة عسكرية واقتصادية، فالسيطرة على موقع إنتاج أو طريق تهريب يمكن أن تحرم منافسين من موارد نقدية، وتمنح السلطات قدرة أكبر على رصد التدفقات عبر الحدود. لكنها لا تسمح باستنتاج أن الذهب المستخرج من جبل العقييدات تحديداً كان يمول أحد طرفي الحرب.

وقدّر تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة، الصادر في يناير 2024، أن التعدين الحرفي أسهم بنحو 30% من إنتاج الذهب في السودان، ووصف مسارات التهريب بأنها تتسع بفعل ضعف الرقابة. وتشرح هذه الأرقام أهمية القطاع، لكنها لا تحدد حصة كل منجم أو الجهة التي تستفيد منه. فاستهداف منشأة تعدين قد يضرّ بشبكة تهريب، لكنه قد يدمّر أيضاً مصدر رزق مدنيين لا يملكون بديلاً اقتصادياً، من دون أن يضمن قطع التمويل عن الأطراف المسلحة.

الأمن والاقتصاد: هدفان متداخلان

تقول القاهرة إن حملتها تستهدف التنقيب غير القانوني وتهريب السلاح والعبور غير النظامي، وهي مخاوف تتصل مباشرة بأمن الحدود.

في يونيو، أعلنت السلطات المصرية توقيف 223 شخصاً قرب الحدود، بينهم 87 مصرياً و136 أجنبياً، بتهم تتعلق بالتعدين والتهريب، وضبط معدات قالت إنها تُستخدم في أنشطة غير قانونية. وسبق ذلك استهداف مواقع في المنطقة نفسها، أُبلغ عن مقتل 23 شخصاً فيه.

لا تثبت هذه الوقائع أن الضربة الأخيرة نُفذت ضمن الحملة، لكنها تشير إلى تصاعد الضغط الميداني على مواقع التعدين، إلى جانب ملاحقة الأفراد وضبط المعدات.

ولا تنفصل دوافع الأمن عن المصالح الاقتصادية، فمصر تسعى إلى تنظيم التعدين داخل أراضيها وحماية مشاريعها ومواردها، بينما تمثل طرق التهريب قناة لتدفق الذهب والوقود ومستلزمات التعدين والبضائع عبر الحدود.

وتشير دراسة لمعهد تشاتام هاوس إلى أن التجارة غير الرسمية عبر الحدود ترتبط بتبادل الذهب بسلع ومواد يحتاج إليها التعدين والاقتصاد السوداني، فيما يستفيد الاقتصاد المصري بدوره من تدفق هذه التجارة.

يوضح ذلك أن المنطقة ليست مجرد ممر أمني، بل فضاء تجاري متشابك تتوزع عوائده بين تجار وعمال ووسطاء وأسواق على جانبي الحدود.

قد يحقق استهداف المناجم غرضاً أمنياً مباشراً إذا عطّل نشاطاً غير قانوني عابراً للحدود، أو أوقف عملاً يجري داخل أرض تعتبرها القاهرة مصرية. وقد يخدم، في الوقت نفسه، هدفاً اقتصادياً يتمثل في إخضاع استخراج الذهب ونقله للرقابة الرسمية.

لكن الجمع بين الهدفين ينطوي على خطر تحوّل مكافحة التهريب إلى عقاب جماعي لمجتمعات التعدين، أو إلى أداة لفرض الأمر الواقع في منطقة متنازع على حدودها، من دون آلية شفافة لتحديد تبعية المواقع ومحاسبة المسؤولين عن الخسائر المدنية.

تداعيات تتجاوز المنجم

على المدى القريب، قد تدفع الضربات المتكررة العمال إلى إخلاء مواقع التعدين أو الانتقال إلى مناطق أبعد وأكثر خطراً، وتعرقل التجارة المحلية وتزيد اعتماد السكان على طرق تهريب بديلة، بدلاً من إنهاء التهريب.

ووفق التقارير الإعلامية، احتاج المصابون إلى رحلة طويلة عبر الطرق الصحراوية للوصول إلى نقطة علاج، في ظل محدودية الخدمات الطبية وتشتت مواقع التعدين، ما يجعل أي تصعيد جوي أو أمني أكثر فتكاً، حتى عندما تكون الغاية المعلنة ملاحقة نشاط غير نظامي.

أما على المستوى الثنائي، فتشكيل لجنة سودانية واستمرار الاتصال بين القيادتين يفتحان باب الاحتواء السياسي، لكن فاعلية هذه الجهود تتوقف على نشر نتائج التحقيق وتحديد الموقع والحصيلة والمسؤولية. ومن دون تبادل معلومات ميدانية وآلية مشتركة لإدارة الحوادث، قد تتكرر الضربات ويتحول نزاع محلي على التعدين إلى أزمة سيادة، خصوصاً إذا بقيت الروايات الرسمية متباعدة.

ما الذي سيكشفه المسار المقبل؟

هناك مساران محتملان لهذه الأزمة. فقد تقود التحقيقات إلى تنسيق أمني مصري سوداني يحدد مواقع التعدين بالنسبة إلى الحدود ومسارات التهريب، مع ملاحقة الشبكات المنظمة وإتاحة بدائل قانونية للعمال.

وتتمثل المؤشرات المبكرة لهذا المسار في نشر نتائج التحقيق، وتبادل قوائم الموقوفين والمصابين، وإعلان ترتيبات واضحة لإخلاء المواقع أو تنظيمها.

أما المسار الثاني، وهو الأخطر، فيتمثل في استمرار الضربات والحملات من دون تنسيق معلن أو مساءلة. وعندها، قد يتسع النزوح من المناجم، وتزداد المخاطر على المدنيين، وتنتقل التجارة إلى مسارات أشد سرية يصعب ضبطها.

لا تفسر الحرب وحدها تصاعد الضربات، ولا يثبت دور الذهب في تمويل الأطراف المتحاربة أن المناجم الحدودية المستهدفة كانت تمولها مباشرة. فالأرجح أن اعتبارات الأمن والسيادة وضبط مورد مربح اجتمعت في ساحة واحدة، بينما جعل غياب الرقابة والبيانات المستقلة المدنيين الحلقة الأضعف.

بقلم مازن بلال

عودة ظاهرة “الأوفر برايس” تشعل أسعار السيارات في مصر

اقرأ المزيد