16 يوليو 2026

تعقد المحكمة الجنائية الدولية في 21 يوليو الجاري جلسة علنية حاسمة ومفتوحة للبث المباشر، للنظر في طلب مكتب المدعي العام بسحب التهم الموجهة إلى القائد العسكري السوداني عبد الله بندة أبكر نورين.

ويمثل هذا الإجراء القانوني خطوة مفصلية قد تطوي نهائياً واحداً من أقدم وأعقد الملفات القضائية المتعلقة بجرائم الحرب في إقليم دارفور السوداني.

وأعلنت المحكمة في بيان رسمي أن الدائرة الابتدائية الرابعة ستعقد الجلسة في تمام الساعة الثانية والنصف بعد الظهر بتوقيت لاهاي، للاستماع إلى الدفوع والملاحظات المقدمة من هيئة الادعاء، والدفاع، والمشاركين الآخرين بشأن طلب سحب الاتهامات.

وتعود وقائع هذه القضية إلى التاسع والعشرين من سبتمبر عام 2007، حينما تعرض موقع تابع لقوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي (أميد) في بلدة حسكنيتة بولاية شمال دارفور لهجوم مسلح عنيف، أسفر عن مقتل اثني عشر من جنود حفظ السلام وإصابة ثمانية آخرين بجروح بالغة.

وقد مر مسار بندة القضائي بمحطات بارزة، حيث مَثَلَ طوعاً أمام المحكمة الجنائية الدولية لأول مرة في يونيو من عام 2010، ثم أكدت الدائرة التمهيدية الأولى التهم الموجهة إليه وأحالته رسمياً إلى المحاكمة في مارس من عام 2011.

ولكن بعد تخلفه المستمر عن الحضور وغيابه عن الجلسات، أصدرت الدائرة الابتدائية الرابعة مذكرة توقيف دولية بحقه في سبتمبر من عام 2014، لتظل القضية معلقة منذ ذلك الحين نظراً لأن قوانين المحكمة الجنائية الدولية تمنع تماماً إجراء المحاكمات الغيابية.

ومن جانبه، أعلن مكتب المدعي العام أنه تقدم بطلب رسمي للحصول على إذن بسحب ثلاث تهم لجرائم الحرب ضد بندة، مبيناً أن الطلب قُدّم سراً في الخامس من أكتوبر لعام 2023 تماشياً مع أوامر الدائرة القضائية، قبل أن يُرفع عنه طابع السرية مؤخراً.

وخلص الادعاء في تقييمه الموضوعي إلى أن الأدلة الحالية لم تعد توفر أسباباً جوهرية لإثبات المسؤولية الجنائية للمتهم، وأرجع ذلك إلى التدهور الكبير والمستمر الذي أصاب الأدلة والشهادات بمرور أكثر من عقد على تأكيد التهم، بالإضافة إلى استنفاد كافة مسارات التحقيق دون وجود أي أفق لتغيير هذا التقييم عبر تحريات إضافية.

كما أشار الادعاء إلى وجود عقبات حقيقية تتعلق بالشهود، مثل تعذر الوصول إلى عدد من الشهود الأساسيين، أو امتناع بعضهم عن التعاون، إلى جانب ظهور مشكلات جدية تمس مصداقية شهود رئيسيين آخرين، وظهور قرائن وأدلة جديدة تصب في مصلحة الدفاع عن المتهم.

وأكد الادعاء أن سحب التهم، حال موافقة المحكمة عليه، سينهي القضية الحالية رسمياً، لكنه لا يمنع إعادة توجيه الاتهامات مستقبلاً إذا ظهرت أدلة جديدة وقوية.

وأوضحت نائبة المدعي العام، نزهة خان، أن هذا القرار الصعب يراعي أثر الانتظار الطويل للضحايا، لكنه ينطلق من التزام قانوني صارم بعدم إحالة أي قضية للمحاكمة دون أدلة كافية ومقنعة، مشددة في الوقت نفسه على أن هذا الطلب يخص بندة وحده ولا يؤثر على القضايا الأخرى في دارفور أو التحقيقات الجارية بشأن الحرب الحالية في السودان.

وبالتوازي مع هذه التطورات القانونية في لاهاي، يظل عبد الله بندة لاعباً عسكرياً نشطاً على الساحة السودانية الحالية، فبعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل من عام 2023، انضم بندة إلى القوة المشتركة للحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، والمتحالفة ميدانياً مع الجيش السوداني، حيث وصل إلى مدينة الفاشر في نوفمبر من العام نفسه على رأس قوة عسكرية معلناً انخراطه في العمليات القتالية.

وفي وقت لاحق، تعرض بندة لإصابات بالغة في مارس من عام 2025 خلال هجوم للدعم السريع على منطقة المالحة بشمال دارفور، ونُقل على إثرها إلى مصر لتلقي العلاج الطبي قبل أن يعود لاحقاً إلى مدينة أم درمان لمواصلة نشاطه العسكري.

وتجدر الإشارة إلى أن قضية دارفور تعد أول قضية تُحال إلى المحكمة الجنائية الدولية بقرار من مجلس الأمن الدولي بموجب القرار رقم 1593 الصادر عام 2005.

وتبعاً لذلك، أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق عدة مسؤولين بارزين، على رأسهم الرئيس السابق عمر البشير الذي صدرت بحقه مذكرتا توقيف بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، بالإضافة إلى أحمد محمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين.

وطوال فترة حكم نظام البشير، رفضت السلطات السودانية تماماً الاعتراف باختصاص المحكمة أو تسليم المطلوبين، ورغم إبداء الحكومة الانتقالية رغبة صريحة في التعاون لاحقاً، إلا أن هذه التعهدات لم تُنفذ عملياً على أرض الواقع، وظل مصير تسليم هؤلاء المطلوبين معلقاً ومجهولاً حتى الآن.

وفي المقابل، يبقى علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم علي كوشيب، المتهم الوحيد في ملف دارفور الذي مَثَلَ أمام المحكمة وحوكم فعلياً بعد أن سلم نفسه طوعاً في يونيو من عام 2020، حيث أدانته الدائرة الابتدائية الأولى وقضت بسجنه لمدة عشرين عاماً في ديسمبر من عام 2025، في حين انتهت الإجراءات القضائية بحق القيادي بحر إدريس أبو قردة منذ عام 2009 لعدم كفاية الأدلة التي تسمح بإحالته للمحاكمة في القضية ذاتها.

اتهامات للجيش السوداني باستخدام غاز الكلور في هجمات على نيالا

اقرأ المزيد