تستعد الجزائر لنشر قوات عسكرية في النيجر لحماية منشآت النفط وممرات الطاقة، في تحول لافت بعقيدتها الدفاعية وتعاونها الأمني مع نيامي.
تتجه الجزائر إلى توسيع حضورها العسكري خارج حدودها، بعد موافقة البرلمان بغرفتيه على نشر وحدات من الجيش الوطني الشعبي في النيجر، في خطوة تعكس تحولاً في السياسة الدفاعية للبلاد، وسط تحديات أمنية متزايدة في منطقة الساحل والصحراء.
وتأتي هذه الخطوة، وفق المعطيات الواردة، في إطار اتفاق أمني مع السلطات النيجرية، يستهدف تأمين المنشآت النفطية الاستراتيجية وحماية الاستثمارات الجزائرية، خصوصاً أنشطة شركة “سوناطراك” في حقل “كافرا”، إلى جانب ضمان سلامة ممرات نقل النفط والطرق المحيطة بها.
ويوم 25 أكتوبر الماضي، وافق البرلمان الجزائري على طلب الرئيس عبد المجيد تبون المتعلق بإرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج، في خطوة استثنائية بالنظر إلى تمسك الجزائر تقليدياً بمبدأ عدم التدخل العسكري خارج حدودها.
ويتيح التعديل الدستوري لعام 2020 نشر وحدات من الجيش الجزائري خارج البلاد، وفق شروط وإجراءات دستورية، تشمل موافقة البرلمان بغرفتيه بأغلبية الثلثين، بما يوفر إطاراً قانونياً لهذا النوع من الانتشار العسكري.
ورغم أن الموافقة البرلمانية لم تحدد رسمياً الموقع الجغرافي للقوات المنتظر نشرها، فإن السفير الجزائري السابق عمار بلاني أشار، عبر حسابه على منصة “فيسبوك”، إلى احتمال تمركزها في قاعدة “ماداما” شمال النيجر، بالقرب من الحدود الليبية.
وتكتسب قاعدة ماداما أهمية استراتيجية بالنظر إلى موقعها الجغرافي في منطقة الساحل والصحراء، وقربها من مسارات العبور الحدودية، ما يجعلها نقطة مهمة لمراقبة التحركات الأمنية وتأمين المحاور البرية.
كما يثير الموقع اهتماماً إضافياً بسبب قربه النسبي من قاعدة الويغ العسكرية في إقليم فزان الليبي، المرتبطة بقوات خليفة حفتر، وهو ما يضع الانتشار المحتمل ضمن مشهد أمني إقليمي شديد التعقيد.
حماية الاستثمارات وممرات الطاقة
ويرتبط التحرك العسكري الجزائري بأهمية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية في النيجر، خصوصاً الاستثمارات النفطية ومشروعات الطاقة التي تسعى الجزائر إلى تطويرها في منطقة الساحل.
ويبرز حقل كافرا النفطي ضمن هذه المصالح، إذ يمثل تأمين المنشآت النفطية وخطوط الإمداد والطرق المحيطة بها أحد الاعتبارات المطروحة في إطار التعاون بين الجزائر ونيامي.
ولا تقتصر أهمية الانتشار المحتمل على حماية المنشآت، بل تمتد إلى مواجهة التهديدات الأمنية في المناطق الحدودية، حيث تنشط جماعات مسلحة وشبكات تهريب تستغل المساحات الصحراوية الشاسعة وضعف الرقابة في بعض المناطق.
وتسعى الجزائر، من خلال تعزيز التعاون الأمني مع النيجر، إلى الحد من المخاطر التي قد تطال منشآتها الاقتصادية ومصالحها الاستراتيجية، فضلاً عن حماية حدودها الجنوبية الممتدة مع دول منطقة الساحل.
تقارب أمني بعد أزمة دبلوماسية
ويأتي هذا التطور بعد مرحلة من التوتر في العلاقات الجزائرية النيجرية خلال عام 2025، عندما استدعت نيامي سفيرها من الجزائر، تضامناً مع مالي وبوركينا فاسو، على خلفية حادثة إسقاط القوات الجزائرية طائرة مسيرة مالية.
غير أن العلاقات شهدت لاحقاً مؤشرات على استئناف التعاون الأمني والعسكري، خصوصاً في أغسطس الماضي، عندما أرسلت الجزائر طائرات عسكرية إلى العاصمة نيامي، عقب محاولة تمرد ضد حكومة الجنرال عبد الرحمن تياني، وفق ما أورده النص.
وتعزز التقارب في 21 أكتوبر الماضي، بتوقيع وزير الدفاع النيجري ساليفو مودي بروتوكول تعاون عسكري في الجزائر العاصمة، قبل أيام من موافقة البرلمان الجزائري على نشر قوات بالخارج.
ويعكس هذا المسار رغبة البلدين في تعزيز التنسيق الأمني لمواجهة التهديدات المشتركة، في ظل التحولات التي تشهدها منطقة الساحل، وتراجع أدوار بعض القوى الخارجية في الترتيبات الأمنية الإقليمية.
تحول في العقيدة العسكرية الجزائرية
ويمثل السماح بنشر قوات جزائرية خارج الحدود تطوراً مهماً في العقيدة الدفاعية للبلاد، التي ارتبطت تاريخياً بمبدأ عدم التدخل العسكري خارج الإقليم، والتركيز على حماية الحدود والسيادة الوطنية.
ويفتح هذا التوجه المجال أمام دور أمني جزائري أكثر حضوراً في منطقة الساحل، خصوصاً مع تزايد التحديات المرتبطة بالإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
لكن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطاً بطبيعة المهام الموكلة للقوات الجزائرية، ومدى التنسيق مع السلطات النيجرية، والضمانات القانونية والأمنية التي تحكم وجودها، فضلاً عن تأثير هذا الانتشار على توازنات المنطقة وعلاقات الجزائر مع دول الجوار.
السيول تجتاح جنوب الجزائر: وفاة شخصين وفقدان اثنين آخرين
