14 أبريل 2026

تعكس استقالة المدرب السنغالي أليو سيسيه من تدريب المنتخب الليبي لكرة القدم خللاً بنيوياً يتجاوز حدود النتائج الفنية ليطال جوهر إدارة المنظومة الرياضية في البلاد.

لا تتعلق القضية بمدرب غادر منصبه إنما تكشف نموذج إدارة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، حيث يتحول العقد من أداة تنظيمية إلى نص هش، وتصبح الاستحقاقات المالية عنصراً ثانوياً في منظومة يفترض أن تقوم على الاحتراف والانضباط.

جاء قرار الرحيل، المرتبط بتأخر صرف المستحقات لعدة أشهر، ليضع الاتحاد الليبي لكرة القدم أمام اختبار مصداقية حقيقي، ويعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول الحوكمة والشفافية وقدرة المؤسسة على إدارة مشروع وطني بحجم منتخب يمثل دولة بأكملها.

أزمة الرواتب: حين تنهار الثقة

تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن سيسيه عمل لمدة تصل إلى ثمانية أشهر دون أن يتقاضى راتبه، وذلك في مشهد يصعب تخيله في كرة القدم، حيث تعد العقود والالتزامات المالية أساس العلاقة بين المدرب والمؤسسة، وهذه الواقعة تجاوزت حدود الخلل الإداري العابر، وتحولت إلى نقطة انهيار للثقة بين الجهاز الفني والاتحاد.

اللافت أن اللاعبين أنفسهم، وعلى رأسهم المعتصم المصراتي، لم يقفوا موقف المتفرج، بل تدخلوا مراراً للمطالبة بتسوية مستحقات الطاقم الفني، في إشارة واضحة إلى إدراكهم أن الاستقرار الفني يبدأ من الاستقرار المالي، غير أن مطالبهم قوبلت، بحسب وصفهم، بـ”مسلسل من المماطلة” ، ما يعكس خللاً في آليات اتخاذ القرار والتنفيذ داخل الاتحاد.

وفق الوقائع التي تم تداولها لا يمكن النظر إلى استقالة سيسيه بوصفها رد فعل فردي، بل نتيجة حتمية لتآكل الثقة المؤسسية، حيث يصبح الالتزام التعاقدي خياراً لا أولوية، وتتحول الوعود إلى بديل عن التنفيذ.

فوضى إدارية تلتهم المشروع الفني

ما يزيد من خطورة الأزمة أن رحيل سيسيه لم يكن بسبب النتائج الفنية، بل رغم وجود مشروع واضح المعالم، حيث أكد اللاعبون أن المدرب كان يمتلك خطة متكاملة للتأهل إلى كأس أمم أفريقيا 2027، ونالت ثقة المجموعة بالكامل .

لكن هذه الخطة اصطدمت بواقع إداري مرتبك، تجلى في قرارات متناقضة مثل سحب لاعبين مؤثرين من المعسكر، ما انعكس مباشرة على نتائج الفريق وتصنيفه الدولي، وهنا تتجلى إحدى أبرز سمات الأزمة الليبية في تغليب الاعتبارات الإدارية العشوائية على المنطق الفني.

في كرة القدم يفترض أن يكون المدرب هو صاحب القرار الفني الأول، لكن الحالة الليبية تكشف عن نموذج معكوس، حيث يصبح الجهاز الفني رهينة قرارات فوقية تفتقر إلى الاتساق، وهذا التداخل بين الصلاحيات لا يؤدي فقط إلى إضعاف الأداء، بل يقوض أي محاولة لبناء مشروع طويل الأمد.

رقم صادم: 13 مدرباً في 8 سنوات

المؤشر الأكثر دلالة على عمق الأزمة هو أن ثلاثة عشر مدرباً تداولوا على تدريب المنتخب خلال ثماني سنوات فقط، وهذا المعدل، مدرب جديد كل سبعة أشهر تقريباً، لا يعكس فقط غياب الاستقرار، بل يشير إلى غياب رؤية استراتيجية شاملة.

في الأنظمة الكروية المستقرة، يمنح المدرب الوقت الكافي لبناء فريق وتطبيق فلسفته، لكن في ليبيا، يبدو أن المدرب يتحول إلى “حل مؤقت” لأزمة دائمة، وهذه الدوامة لا تسمح بترسيخ هوية تكتيكية، ولا تمنح اللاعبين فرصة للتكيف مع أسلوب محدد، ما يؤدي إلى حالة دائمة من “إعادة الضبط” دون تقدم حقيقي.

النتيجة كانت واضحة عبر إخفاقات متكررة في التأهل للبطولات القارية، وتراجع في التصنيف الدولي، وفقدان الهيبة التي كان يتمتع بها المنتخب الليبي في فترات سابقة.

الأزمة المالية: عرض لمرض أعمق

لا يمكن فصل أزمة سيسيه عن السياق المالي الأوسع الذي تعاني منه كرة القدم الليبية، فالتقارير تشير إلى تأخر مستمر في دفع المستحقات، ليس فقط للمدربين، بل حتى في قضايا لوجستية، مثل أزمة إقامة الوفود في إيطاليا بسبب عدم سداد مستحقات الفنادق.

هذا النمط من الأزمات يعكس غياب إدارة مالية احترافية، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول آليات الرقابة والمحاسبة داخل الاتحاد، كما أنه يضعف من قدرة ليبيا على استقطاب كفاءات تدريبية عالية، في ظل سمعة باتت مرتبطة بعدم الالتزام.

السمعة المالية في عالم كرة القدم لا تقل أهمية عن النتائج، لأنها تحدد نوعية الشركاء المحتملين، من مدربين ولاعبين ورعاة، ومع تكرار هذه الأزمات، تتحول السوق الليبية إلى بيئة طاردة للكفاءات، ما يهدد مستقبل اللعبة على المدى الطويل.

انعكاسات تتجاوز الرياضة

الأزمة الحالية لا تقتصر على الجانب الفني أو الإداري، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والنفسي، فالمنتخب الوطني في ليبيا، كما في كثير من الدول، يمثل رمزاً للوحدة الوطنية ومصدراً للفخر الجماعي، وعندما يفشل هذا الرمز، تتأثر معنويات الشارع بشكل مباشر.

التقرير يشير إلى تراجع الحضور الجماهيري وفقدان الشغف، وهي مؤشرات خطيرة في بلد يحتاج إلى مساحات مشتركة تجمع مواطنيه، كما أن تراجع قيمة اللاعب الليبي في الأسواق الخارجية يعكس تأثير الأزمة على المسار المهني للأفراد، وليس فقط على نتائج المنتخب.

تدخل حكومي: حل مؤقت أم بداية إصلاح؟

في محاولة لاحتواء الأزمة، تدخلت حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية ووجهت بتوفير دعم مالي مباشر للمنتخب، بما في ذلك تحمل رواتب الطاقم الفني الجديد، وهذه الخطوة، رغم أهميتها، تطرح سؤالاً جوهرياً فهل يمكن حل أزمة هيكلية عبر تدخلات ظرفية؟

التجربة تشير إلى أن الحلول المالية وحدها لا تكفي، ما لم ترافق بإصلاحات مؤسسية تشمل إعادة هيكلة الاتحاد، ووضع آليات واضحة للحوكمة، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد.

كرة القدم مرآة الدولة

استقالة أليو سيسيه ليست سوى عرض من أعراض أزمة أعمق تعاني منها كرة القدم الليبية، فهي قصة غياب التخطيط، وضعف الإدارة، وانهيار الثقة بين مختلف مكونات المنظومة الرياضية.

ثلاثة عشر مدرباً في ثماني سنوات، ومدرب يرحل بسبب راتب غير مدفوع، ولاعبون يطلقون بيانات احتجاج، وجماهير تفقد الأمل؛ كلها مؤشرات على أن الأزمة لم تعد قابلة للترقيع، بل تتطلب إعادة تأسيس شاملة.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من سيكون المدرب القادم، بل هل تملك ليبيا الإرادة السياسية والمؤسسية لإعادة بناء كرة القدم على أسس احترافية؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت استقالة سيسيه مجرد حلقة جديدة في مسلسل الفشل، أم نقطة تحول نحو إصلاح طال انتظاره.

بقلم: نضال الخضري

 

انسحابات جماعية تهز كأس ليبيا وتفقد البطولة بريقها

اقرأ المزيد