تضع حادثة اختفاء الرئيس السابق للاتحاد الليبي لكرة القدم عبد الناصر الصويعي أزمة الرياضة الليبية أمام واحدة من أكثر صورها خطورة، حيث انتقل الصراع من خلافات إدارية وانتخابية وتمويلية إلى منطقة أمنية وحقوقية تمس سلامة الشخصيات الرياضية ومسار إدارة المؤسسات.
جاء اختفاء الصويعي بعد اجتماع مع ممثلين عن أندية ليبية ومسؤولين في قطاع الشباب والرياضة، وانتهى اللقاء إلى توافق على دعمه لتولي رئاسة الاتحاد الليبي لكرة القدم.
بعد ساعات، دخل الملف الرياضي مرحلة شديدة التعقيد، مع رواية حقوقية تتحدث عن اختطاف وإخفاء قسري، ورواية أخرى تشير إلى توقيفه على خلفية قضية مرتبطة باختطاف يونس الكزة، عضو مجلس إدارة الاتحاد السابق والمرشح السابق لرئاسة الاتحاد.
تكشف الواقعة أن أزمة الرياضة الليبية تجاوزت حدود الخلافات الإدارية داخل اتحاد كرة القدم، وأصبحت تعبيراً عن خلل أوسع في الحوكمة والتمويل وحماية المؤسسات الرياضية، فالصراع على الشرعية، واضطراب آليات الاختيار، وضعف الموارد، كلها عناصر تجعل الرياضة الليبية تتحرك في بيئة غير مستقرة، تنعكس آثارها على كرة القدم كما على بقية الألعاب.
تأتي هذه التطورات في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى كأس العالم 2026، حيث تتحول كرة القدم عالمياً إلى صناعة ضخمة تديرها مؤسسات ورعاة وبنية قانونية وملاعب ممتلئة، بينما تظهر الرياضة الليبية محكومة بتداخل المال والسياسة والأمن، وبمنظومة عاجزة عن حماية المنافسة، وتنظيم البطولات، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار الإداري والمالي.

الصويعي.. رجل كرة في قلب صراع على الاتحاد
أبلغت عائلة عبد الناصر الصويعي عن اختفائه مساء الأحد 14 يونيو 2026، وقبل انقطاع الاتصال أجرى الصويعي مكالمة قصيرة مع أحد أبنائه استمرت نحو عشرين ثانية، قال فيها إنه مهدد بالاختطاف مستخدماً عبارة محلية تفيد بأن جهة ما ستقوم بأخذه.
بعد ذلك، عثر على سيارته في محيط إنجيلة، غرب طرابلس وجنزور، قرب منطقة تضم مقرات أمنية، بحسب الروايات المتداولة.
حملت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا سلطات غرب ليبيا مسؤولية سلامته، وطالبت وزارة الداخلية ومديريات الأمن في جنزور وطرابلس بتكثيف البحث عنه، وكشف مصيره، وضمان عرضه على النيابة العامة في حال وجود إجراء قضائي بحقه.
في المقابل، نشرت منصة رياضية رواية مختلفة تفيد بأن الصويعي أوقف للتحقيق معه في قضية اختطاف يونس الكزة، المرشح السابق لرئاسة اتحاد الكرة، وأن نيابة قصر بن غشير قررت حبسه احتياطياً على ذمة التحقيق.
هذا التباين بين الروايتين يضع القضية أمام سؤال مركزي، هل تجري الدولة إجراءً قضائياً معلناً وموثقاً، أم يتحرك الملف داخل منطقة أمنية غامضة تستعل القانون بعد الواقعة لتفسيرها؟

انتخابات الاتحاد.. كرة القدم تحت ضغط القوة
ترتبط قضية الصويعي بخلفية أوسع تخص انتخابات الاتحاد الليبي لكرة القدم، حيث كان يونس الكزة يعتزم الترشح لرئاسة الاتحاد في انتخابات الرابع من يناير 2025 بمدينة بنغازي، ثم خرج من السباق بعد تعرضه للاختطاف أثناء توجهه إلى طرابلس لتقديم ملف ترشحه، وبعد ذلك فازت قائمة عبد المولى المغربي بالتزكية، في ظل غياب منافسة فعلية.
وكان الكزة تحدث في وقت سابق عن منعه بقوة السلاح من الترشح، وأعد ملفاً للطعن في نتائج الانتخابات لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم، مع متابعة قانونية من محامين في تونس.
عملياً، تكشف هذه الوقائع عن خلل بنيوي في طريقة إدارة الرياضة الليبية، حيث لم تعد المؤسسات الرياضية تعمل داخل قواعد واضحة ومستقرة، بل ضمن بيئة تتداخل فيها المصالح الإدارية والمالية ومراكز النفوذ، وتتحول الأزمة من خلاف حول أشخاص ومناصب إلى أزمة ثقة في قدرة المنظومة الرياضية على حماية المنافسة وإدارة شؤونها وفق معايير شفافة.
عندما يتعرض مرشح محتمل للاختطاف، ثم يظهر رئيس سابق للاتحاد في قضية اختفاء أو توقيف مرتبطة بالملف نفسه، يصبح الحديث عن إصلاح كرة القدم الليبية مرتبطاً بإصلاح قواعد الحوكمة والأمن والقضاء، قبل الحديث عن المدربين واللاعبين والملاعب.

نهائيات في القاهرة.. عنوان أزمة داخلية
لا تقف آثار هذا الخلل عند حدود الصراع على رئاسة الاتحاد أو آليات انتخابه، بل تمتد إلى شكل المسابقات وقدرة المؤسسات الرياضية على تنظيم أحداثها داخل البلاد.
إقامة نهائي الدوري الليبي الممتاز ونهائي كأس ليبيا في القاهرة منحت صورة مكثفة عن عمق الأزمة؛ تحولت المباراة النهائية، التي يفترض أن تكون لحظة احتفال محلي وتعزيزاً لثقة الجمهور بالأندية والاتحاد والجهات المنظمة، إلى مؤشر على عجز البيئة الرياضية والأمنية عن توفير شروط تنظيم مستقرة داخل ليبيا.
الملاعب في القاهرة في هذه الحالة، تصبح حلا عملياً لمشكلة ليبية داخلية، لكنها في الوقت نفسه تكشف غياب الثقة في الملاعب المحلية، واضطراب ترتيبات الأمن، وتراجع قدرة الاتحاد على إدارة حدث نهائي داخل البلاد.
يعكس هذا الإخفاق تراجع قدرة المنظومة الرياضية على إدارة الموسم بوصفه مساراً متكاملاً، لا مجرد مباريات متفرقة، فحين تضطرب آليات التنظيم والتمويل والقرار، تفقد المسابقة جزءاً من قيمتها الفنية والجماهيرية، وتصبح الأندية واللاعبون والمنتخب الوطني أمام بيئة قصيرة الأمد، يصعب فيها التخطيط أو بناء تنافس مستقر.

أندية غارقة في التمويل المؤجل والديون
تشكل الأزمة المالية سوية جديدة، فهناك غياب لميزانيات ثابتة للاتحادات، واعتمادها على دعم حكومي مباشر ومتقطع، مع انتقادات واسعة لآلية توزيع الأموال.
بعض الأندية ترى أن الدعم يذهب وفق اعتبارات متفاوتة، وبعض الأموال تنفق على عقود لاعبين أجانب بأرقام مرتفعة، في حين تعجز اتحادات أخرى عن تغطية سفر منتخباتها أو إعدادها.
نادي المدينة يقدم مثالا ًواضحاً على تراكم الديون، حيث تم الكشف عن التزامات مالية تخصه بلغت 18 مليون دينار ليبي خلال الفترة بين 2022 و2025، مع عقوبات دولية مرتبطة بمستحقات لاعبين.
وهناك نحو 25 نادياً سبق أن أعلنت رفض المشاركة في بعض الأنشطة احتجاجاً على التفاوت في توزيع الدعم، فنادي المجد ذهب إلى تجميد نشاط الفريق الأول بسبب الضائقة المالية وضعف الإمكانات.
تعكس هذه الوقائع هشاشة البنية الاقتصادية للرياضة الليبية، حيث لم تعد المشكلة مرتبطة بقرار إداري منفصل أو أزمة ناد بعينه، بل بمنظومة تمويل عاجزة عن تحويل النشاط الرياضي إلى قطاع مستقر، فغياب التخطيط المالي طويل الأمد يجعل المسابقات عرضة للتعثر، ويبقي الأندية والاتحادات في حالة انتظار دائم للدعم، بدل بناء نموذج قائم على الإدارة المحترفة والاستثمار والرعاية المستدامة.

الكرة الطائرة.. انسحاب يكشف اتساع الخلل
انسحاب المنتخب الليبي الأول للكرة الطائرة من التصفيات الإفريقية في المغرب يمثل ضربة رمزية قاسية.
المنتخب كان يستعد للمشاركة في تصفيات مؤهلة إلى كأس الأمم الإفريقية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، لكنه اعتذر بسبب صعوبات مالية وإدارية حالت دون توفير السفر والإقامة وبرنامج الإعداد.
تأتي خطورة هذا الانسحاب من مكانة المنتخب، فليبيا أحرزت برونزية النسخة الإفريقية الأخيرة، وشاركت في كأس العالم بالفلبين، فالمنتخب يملك قيمة قارية، وليس فريقاً عادياً يبحث عن حضور رمزي، وانسحابه بسبب عجز مالي يضع الرياضات الأخرى أمام سؤال العدالة في توزيع الموارد.
تكشف أزمة الكرة الطائرة أن الخلل لا يتوزع بالتساوي بين الألعاب، بل يتخذ شكلاً أكثر قسوة خارج كرة القدم، فالرياضات التي تحقق نتائج قارية تجد نفسها أمام سقف مالي وإداري منخفض، يحول الإنجاز إلى حالة مؤقتة بدل أن يكون مدخلاً لبناء مشروع تنافسي مستدام.

الرياضة الليبية بين المال والسياسة والأمن
تتحرك الأزمة الرياضية الليبية داخل شبكة معقدة من العوامل المتداخلة، حيث يتقاطع ضعف التمويل مع الصراع على القرار وتراجع الضمانات الأمنية.
الدعم المتقطع والديون وعجز بعض المنتخبات عن تغطية تكاليف المشاركة الخارجية تعكس هشاشة القاعدة المالية، بينما تكشف الخلافات حول الاتحاد والانتخابات ومواقف الأندية عن أزمة شرعية وإدارة، أما البعد الأمني، فيظهر في وصول التوتر الرياضي إلى اختفاء شخصيات بارزة، وتعطيل مسارات الترشح، ونقل مباريات حساسة إلى خارج البلاد.
الرياضة الليبية مرآة لاختلال أوسع في بنية الدولة والمؤسسات، لا مجرد قطاع ترفيهي مأزوم، فحين تفقد المنظومة الرياضية قدرتها على إنتاج قواعد مستقرة للمنافسة والتمويل والتمثيل، يتحول الخلل من أزمة عابرة إلى مشكلة مؤسسات تحتاج إصلاحاً قبل أي حديث عن النتائج والمشاركات.
تحتاج الرياضة الليبية أيضاً إلى فصل المال العام عن الولاءات، وإدخال القطاع الخاص عبر عقود واضحة، وربط دعم الأندية بالكفاءة المالية، وتوسيع الاستثمار في البنية التحتية، وإلزام الاتحادات بنشر ميزانياتها وبرامجها السنوية.
كما يحتاج ملف الصويعي والكزة إلى مسار قضائي شفاف، يعرض الوقائع كاملة أمام الرأي العام الرياضي، ويحمي حق الأشخاص في السلامة والإجراءات القانونية.
خاتمة: اختبار يتجاوز الملعب
أزمة الصويعي، ونهائيات القاهرة، وانسحاب منتخب الطائرة، وديون الأندية، وتجميد الأنشطة، كلها حلقات في سلسلة واحدة.
تقف الرياضة الليبية أمام لحظة اختبار تكشف قدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مؤسسات مستقرة، فالمشكلة لم تعد في نتيجة مباراة أو مشاركة خارجية، بل في غياب إطار قادر على حماية المنافسة، وتنظيم الموارد، وضمان استمرارية النشاط بعيداً عن منطق النفوذ المؤقت وردود الفعل.
في زمن كأس العالم، تبدو الفجوة واضحة بين كرة تتحرك عالمياً بمنطق المؤسسة، ورياضة ليبية تفتش عن الحد الأدنى من الاستقرار، وهذه الفجوة تحدد مستقبل الملاعب الليبية خلال السنوات المقبلة، فإما إدارة حديثة تعيد الثقة إلى المنافسة، أو استمرار مشهد تتقدم فيه الأزمات على النتائج، وتسبق فيه السياسة صافرة الحكم.
بقلم نضال الخضري
مصر.. أب يذبح أطفاله في المنيا
