31 يوليو 2026

اتسعت الاحتجاجات في غرب ليبيا خلال أيام قليلة، من وقفات محلية ضد انقطاع الكهرباء والمياه إلى عصيان مدني يستهدف تعطيل مؤسسات حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية.

يضع هذا التحول عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية، أمام أزمة مزدوجة تمس شرعية حكومته وكفاءتها في إدارة الخدمات، بعدما تجاوزت مطالب المحتجين معالجة انقطاع الكهرباء إلى الدعوة لرحيل الحكومة، ومحاسبة المسؤولين عن الفساد، وإنهاء الأجسام السياسية التي أطالت المرحلة الانتقالية.

بدأت الاحتجاجات في منطقة سوق الجمعة، ثم امتدت إلى مختلف مناطق طرابلس، ومنها تاجوراء وجنزور وعين زارة والهضبة وأبو سليم وطريق المطار وقصر بن غشير وحي الأندلس، قبل أن تصل إلى الزاوية والخمس وزوارة والجميل ورقدالين ومصراتة.

فرض هذا الانتشار معادلة مختلفة عن موجات الاعتراض المحدودة، لأن المحتجين وضعوا سواتر ترابية أمام وزارة الخارجية والشركة القابضة للاتصالات، واستهدفت الإغلاقات مقار شركتي “ليبيانا” و”المدار”، وفروع مصرف ليبيا المركزي، ومؤسسات نفطية، فانتقل الاحتجاج من الطرق إلى مؤسسات الدولة نفسها.

أزمة خدمات تكشف أزمة الحكم

دفعت موجة حر قاربت 50 درجة مئوية الشبكة الكهربائية إلى اختبار تجاوز قدرتها التشغيلية، ووصل طرح الأحمال في بعض المناطق إلى ما بين 6 و14 ساعة يومياً، مع تقارير عن انقطاعات تجاوزت 17 ساعة في مدن غرب البلاد.

أعلنت الشركة العامة للكهرباء خسارة نحو 1350 ميغاواط من القدرة التوليدية منذ منتصف يوليو بسبب نقص الغاز والوقود، والأعطال الفنية، والمشكلات الأمنية، كما خسرت الشبكة قرابة 700 ميغاواط بعد تضرر محطة الزاوية خلال اشتباكات سابقة.

حوّل انقطاع الكهرباء أزمة المياه إلى جزء من الغضب نفسه، لأن تشغيل المضخات والتبريد والمرافق الصحية والاتصالات مرتبط بالشبكة، وأضاف نقص الوقود والسيولة، وارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الدينار أسباباً أخرى للاحتجاج.

تكشف هذه السلسلة عجزاً في إدارة دولة تنتج نحو 1.4 مليون برميل من النفط يومياً، وتملك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في إفريقيا، وتعتمد على النفط في أكثر من 90% من إيراداتها.

تستند حكومة الدبيبة في دفاعها عن نفسها إلى مشروعات الإعمار، والتحسن النسبي الذي شهدته الكهرباء بين عامي 2023 و2025، غير أن عودة التقنين بهذه الحدة تكشف أن ذلك التحسن اعتمد على توافر الوقود واستقرار ظروف التشغيل، من دون أن يتحول إلى إصلاح هيكلي يرفع القدرة الإنتاجية ويعزز صمود الشبكة أمام موجات الحر، والأعطال، والاضطرابات الأمنية.

عصيان يضغط على الحكومة ويمتد إلى قطاع الطاقة

اختار حراك سوق الجمعة توجيه العصيان إلى مؤسسات الدولة مع إعلان تجنب الطرق والممتلكات الخاصة والمرافق الصحية.

استهدف العصيان في مرحلته الأولى مقار شركتي “ليبيانا” و”المدار”، ووزارة الخارجية، وفروع مصرف ليبيا المركزي، ثم اكتسب نطاقاً جغرافياً أوسع بانضمام حراكات تاجوراء وعين زارة وأبناء الزاوية، كما عكس استثناء القطاع الصحي وخدمات الطوارئ سعياً إلى ضبط التصعيد وحصر كلفته في مؤسسات الحكومة، بما يحافظ على مشروعية التحرك وتأييده الشعبي.

دخل التصعيد مرحلة أكثر خطورة مع السيطرة على مجمع مليتة للنفط والغاز، بالتزامن مع إغلاق وزارة النفط وشركة الزويتينة. غير أن المجمع أُخلي لاحقاً بصورة سلمية، وهو ما تؤكده جميع المصادر المتاحة، فيما لعبت سلطات مدينة زوارة الدور الأساسي في تسوية الموقف.

اقتصر قطع الغاز على الصادرات المتجهة إلى إيطاليا، عبر إغلاق صمام التصدير، من دون المساس ببقية الإمدادات. لذلك يبدو الحديث عن توقف شامل للغاز أو تهديدات واسعة للسكان أقرب إلى التهويل الذي تروج له حكومة الدبيبة.

صمت الدبيبة ومأزق “صفقة بولس

اختار الدبيبة في الساعات الأولى للاحتجاجات متابعة استعدادات العام الدراسي مع وزير التربية والتعليم محمد القريو، من دون خطاب مباشر يشرح أسباب انهيار الشبكة أو يقدم جدولاً لإصلاحها.

حمل هذا الصمت معنى سياسياً، لأن الشارع رأى رئيس الحكومة منشغلاً بإدارة الصورة الحكومية، بينما كانت مداخل وزاراته تُغلق بالسواتر، كما رفعت وزارة الداخلية مستوى الجاهزية في طرابلس، وهو رد أمني سبق الرد السياسي والخدمي.

تراكمت أزمة الثقة مع قرارات الدبيبة المنفردة، ومنها التعديل الوزاري الذي رفضه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي وعدّه مخالفاً للاتفاق السياسي، فأضافت هذه الوقائع إلى أزمة الكهرباء سؤالاً عن حق حكومة انتقالية ممتدة في إعادة تشكيل نفسها وإدارة المال العام بلا تفويض انتخابي جديد.

لا تنفصل حساسية مبادرة مسعد بولس عن اتساع الاحتجاجات، فالشارع الذي يطالب برحيل الحكومة وإنهاء الأجسام الانتقالية عبر الانتخابات، وجد نفسه أمام صيغة مسربة لا تنقل السلطة إلى مؤسسات منتخبة، بل تعيد توزيعها بين القوى القائمة.

بدلاً من أن يوضح الدبيبة موقفه من هذه الصيغة وعلاقتها بمطالب المحتجين، اكتفى بالحديث عن “تنازلات شجاعة”، ووعد بعرض المبادرات على الليبيين، قبل أن يناقش مع بولس توحيد المؤسسات والتعاون العسكري والأمني مع القيادة الأميركية في إفريقيا.

تلتقي أزمة الخدمات بأزمة الشرعية؛ فبينما يطالب المحتجون بمحاسبة الحكومة وتغيير قواعد الحكم، توحي المبادرة بأن بقاء الدبيبة نفسه أصبح بنداً في تسوية تُصاغ من أعلى، فترك غياب موقف صريح انطباعاً بأن الغضب الشعبي يُستخدم لرفع شروط التفاوض وإعادة توزيع السلطة، بدلاً من الاستجابة لمطلب الشارع بفتح الطريق أمام الانتخابات.

تونس تمنح الاحتجاج لغة إقليمية

سبق احتجاجات ليبيا خروج آلاف التونسيين من ساحة الجمهورية إلى شارع الحبيب بورقيبة في 25 يوليو، في الذكرى الخامسة لإجراءات قيس سعيد الاستثنائية.

جمع التحرك التونسي بين مطالب خدمية واقتصادية وسياسية، شملت معالجة الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء، ووقف تراجع القدرة الشرائية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، والاعتراض على تركيز السلطات بيد الرئيس قيس سعيد، كما حظيت شعارات “ارحل” و”الشعب يريد إسقاط النظام” بتداول واسع في وسائل الإعلام والمنصات المغاربية، بالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات في غرب ليبيا.

برز صلاح بادي، قائد لواء الصمود في مصراتة والمدرج على قائمة عقوبات مجلس الأمن منذ عام 2018، كأحد أبرز الداعمين المسلحين للاحتجاجات، وأعلن تقدمه مظاهرات مصراتة، وشارك في اجتماع المحتجين مع عميد البلدية، ما رفع مستوى الضغط على الدبيبة، لكنه أثار مخاوف من انتقال الحراك من العصيان المدني إلى صراع بين التشكيلات المسلحة.

عملياً، تحتفظ تونس بدولة مركزية وأجهزة موحدة، بينما تتحرك الاحتجاجات الليبية داخل بلد منقسم ومراكز عسكرية ومالية متعددة، فتمنح تونس المحتجين لغة مشتركة وتوقيتاً محفزاً، فيما تحدد موازين السلاح الليبية النتيجة الفعلية.

كارة وبادي: قوة ضغط أم مصادرة للحراك؟

يمنح تداخل تشكيلات مسلحة مع معسكر المعترضين الاحتجاجات قدرة أكبر على الصمود، لكنه يغير طبيعتها.

يرتبط سوق الجمعة بالبيئة الاجتماعية والأمنية لقوة الردع بقيادة عبد الرؤوف كارة، وهي أبرز قوة تنازع معسكر الدبيبة السيطرة على مفاصل أمنية في طرابلس، وصاحبة النفوذ الأهم في شرق العاصمة وجنوبها الشرقي.

يجعل هذا الارتباط إغلاق المؤسسات ممكناً، ويحد من قدرة الحكومة على تفريق المحتجين، لكنه يفتح الباب أمام اتهام الحراك بأنه امتداد لصراع على النفوذ.

يضع انخراط صلاح بادي جزءاً من الحراك عند تقاطع المطالب الشعبية ومصالح القوى المسلحة، في وقت تتوزع فيه البدائل المطروحة بين الدعوة إلى استعادة الملكية الدستورية والمطالبة بإسقاط الحكومة ومجلسي النواب والدولة والمجلس الرئاسي.

ويعكس هذا التباين غياب تصور موحد للمرحلة التالية وخريطة انتقال تحظى بتوافق واسع، فتملك التشكيلات المسلحة قدرة على حشد الخصوم ورفع كلفة بقاء الدبيبة، لكنها تفتقر إلى الأدوات المؤسساتية اللازمة لبناء بديل شرعي، بدءاً من القاعدة الدستورية، وصولاً إلى إدارة الانتخابات، وتوحيد المؤسسة الأمنية، وضمان احترام النتائج.

ماذا يمكن أن تحقق الاحتجاجات؟

تملك الاحتجاجات فرصة واقعية لفرض إجراءات خدمية عاجلة، وتغييرات في إدارة قطاع الكهرباء، وكشف بيانات الوقود والإنفاق، وربما تعديل حكومي أو فتح تفاوض حول سلطة تنفيذية جديدة.

كما تستطيع تعطيل “صفقة بولس” بصيغتها المتداولة، ويبقى إسقاط الحكومة أقل ترجيحاً ما لم تتفق التحركات على قيادة مدنية، ومطلب محدد، وجدول للانتخابات، وتحصل على تفاهم يمنع التشكيلات المسلحة من تحويل الشارع إلى جبهة قتال.

النتيجة الأقرب هي إعادة ترتيب موازين القوى داخل غرب ليبيا، وإجبار الدبيبة على تقديم تنازلات خدمية وسياسية.

أما إنهاء المرحلة الانتقالية، فيتطلب تحويل العصيان من وسيلة ضغط ميداني إلى مسار سياسي منظم، يمتلك تصوراً واضحاً لنقل السلطة وإنهاء الانقسام عبر الانتخابات.

يرفع السلاح كلفة تجاهل المحتجين، لكنه لا يمنح مطالبهم شرعية إضافية، ويظل نجاح الحراك مرتبطاً بقدرته على إبقاء القرار في يد المدنيين.

بقلم مازن بلال

ليبيا.. محاولة اختراق تشعل أزمة داخلية في المجلس الأعلى للدولة

اقرأ المزيد