تتسع الاحتجاجات في غرب ليبيا مع تحولها إلى عصيان مدني يستهدف مؤسسات الدولة، في تصعيد يضع حكومة عبد الحميد الدبيبة المنتهية ولايتها تحت ضغوط متزايدة.
وتصاعدت الاحتجاجات خلال الأيام الأخيرة على خلفية أزمة الكهرباء والمياه، قبل أن تتحول إلى تحركات تطالب برحيل حكومة الوحدة الوطنية، وسط اتهامات متزايدة لها بالعجز عن إدارة الملفات الخدمية، والإخفاق في توحيد المؤسسات الأمنية وإنهاء نفوذ الجماعات المسلحة.
وامتدت الاحتجاجات من سوق الجمعة إلى تاجوراء وجنزور وعين زارة والهضبة وأبو سليم وطريق المطار وقصر بن غشير، قبل أن تشمل الزاوية والخمس وزوارة والجميل ورقدالين ومصراتة، في واحدة من أوسع موجات الغضب الشعبي التي تشهدها مناطق غرب ليبيا منذ سنوات.
ولم يقتصر الحراك على إغلاق الطرق، بل انتقل إلى تعطيل مؤسسات حكومية واقتصادية، عبر إقامة سواتر ترابية أمام وزارة الخارجية والشركة القابضة للاتصالات، وإغلاق مقار شركتي “ليبيانا” و”المدار”، وفروع مصرف ليبيا المركزي، وعدد من المؤسسات النفطية، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة للضغط على مراكز القرار السياسي والاقتصادي.
وأكد منظمو العصيان المدني أنهم يتجنبون استهداف المستشفيات وخدمات الطوارئ والممتلكات الخاصة، إلا أن اتساع رقعة الاحتجاجات يعكس تراجع قدرة الحكومة على احتواء الغضب الشعبي، خاصة مع استمرار تدهور الخدمات الأساسية.
وتزامنت الاحتجاجات مع موجة حر شديدة رفعت الطلب على الكهرباء، بينما وصلت ساعات طرح الأحمال في بعض المناطق إلى ما بين 6 و14 ساعة يومياً، مع تسجيل انقطاعات تجاوزت 17 ساعة في بعض مدن الغرب، وفق تقارير محلية.
وأعلنت الشركة العامة للكهرباء فقدان نحو 1350 ميغاواط من القدرة الإنتاجية منذ منتصف يوليو بسبب نقص الغاز والوقود والأعطال الفنية، إضافة إلى خسارة نحو 700 ميغاواط نتيجة الأضرار التي تعرضت لها محطة الزاوية خلال اشتباكات سابقة، ما أدى إلى تفاقم أزمة الكهرباء وانعكاسها على خدمات المياه والاتصالات والقطاع الصحي.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تتجاوز ملف الخدمات، إذ تعكس تراكم أزمات سياسية وأمنية مؤجلة منذ سنوات، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعثر إجراء الانتخابات، واستمرار نفوذ الجماعات المسلحة داخل العاصمة ومناطق الغرب.
وكانت حكومة الدبيبة قد تعهدت عند تشكيلها عام 2021 بتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية وإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت، إلا أن تلك التعهدات لم تتحقق، بينما شهدت طرابلس خلال السنوات الماضية عدة جولات من الاشتباكات بين تشكيلات مسلحة تعمل اسمياً تحت سلطة الحكومة.
ويعتبر منتقدو الحكومة أن اعتمادها على تحالفات مع بعض التشكيلات المسلحة ساهم في تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي، وأضعف فرص بناء مؤسسات أمنية موحدة، خاصة بعد تعثر الانتخابات واستمرار الخلاف مع مجلس النواب بشأن شرعية السلطة التنفيذية.
وامتدت الاحتجاجات إلى قطاع الطاقة بعدما سيطر محتجون لفترة وجيزة على مجمع مليتة للنفط والغاز، وأغلقوا صمام تصدير الغاز إلى إيطاليا، بالتزامن مع إغلاق وزارة النفط وشركة الزويتينة، قبل أن تنتهي الأزمة لاحقاً بصورة سلمية بعد تدخل سلطات مدينة زوارة، فيما أكدت المعطيات أن الإغلاق اقتصر على خط التصدير دون توقف كامل للإنتاج.
وفي المقابل، تؤكد حكومة الدبيبة أنها نفذت مشاريع لتطوير البنية التحتية وتحسين قطاع الكهرباء خلال السنوات الماضية، إلا أن عودة الانقطاعات بهذا الحجم أعادت الجدل بشأن فعالية تلك المشاريع، وفتحت الباب أمام مطالبات بإصلاحات هيكلية ومعالجة أسباب الأزمة.
وباتت مطالب المحتجين تتجاوز تحسين الخدمات لتشمل الدعوة إلى إسقاط الحكومة، ومحاسبة المسؤولين عن الفساد، وإنهاء جميع الأجسام السياسية، في وقت يرى فيه مراقبون أن قدرة حكومة الدبيبة على تجاوز هذه الأزمة أصبحت مرهونة بمعالجة جذور الانقسام السياسي والأمني، وليس فقط بإعادة الخدمات الأساسية.
خبيرة مصرية: العاصفة التي ضربت ليبيا لن تؤثر على مصر
