يمثل إعلان عمداء بلديات زوارة وكاباو وجادو ويفرن والقلعة ووازن إنشاء “اتحاد البلديات الأمازيغية” خطوة تتجاوز إطار التنسيق الخدمي بين بلديات متجاورة في الغرب الليبي.
الحدث يحمل مضمونا سياسيا واضحا، لأنه يأتي في لحظة تعيد فيها القوى المحلية والإقليمية والدولية اختبار خرائط النفوذ داخل ليبيا، ومن طرابلس إلى مصراتة، ومن الجبل الغربي إلى الشرق، ومن مسار الأمم المتحدة إلى المبادرة الأميركية الجديدة.

البيان المعلن قدم الاتحاد بوصفه مظلة للتعاون البلدي، وتبادل الخبرات، وتنفيذ المشاريع التنموية والخدمية، والدفاع عن القضايا المشتركة، وهذه اللغة الإدارية في ظاهرها هي في السياق الليبي توضح أن البلديات تحولت خلال سنوات الانقسام إلى أدوات تمثيل سياسي، وقنوات ضغط، وأحيانا بدائل محلية عن الدولة المركزية المتعثرة.
من التنسيق الخدمي إلى التموضع السياسي
جاء إعلان الاتحاد بعد أسابيع قليلة من بروز ما يسمى “إقليم المنطقة الوسطى” بقيادة مصراتة وعدد من البلديات المتحالفة معها.

المقاربة في أن البلديات الأمازيغية تتحرك ضمن منطق مشابه عبر إعادة تجميع النفوذ المحلي في إطار جغرافي وسياسي، مع الحفاظ على خطاب التنمية والخدمات والاستقرار، لكن الاختلاف أن البلديات الأمازيغية ترتبط بهوية ثقافية ولغوية وسياسية متمايزة، وليست مجرد اصطفاف إداري أو اقتصادي.
مصراتة تقود كتلة بلدية مستندة إلى وزنها العسكري والاقتصادي والتجاري، أما البلديات الأمازيغية فتتحرك من موقع أقل وزنا في معادلة القوة الصلبة، لكنها تمتلك عنصرا شديد الحساسية في ليبيا يظهر في القدرة على تحويل مطلب التمثيل إلى قضية حقوقية ودستورية ووطنية.

عمليا فإن الاتحاد الجديد يحمل رسالة مزدوجة، الأولى موجهة إلى السكان المحليين في المناطق الأمازيغية بأن البلديات قادرة على تنسيق الخدمات والملفات الاجتماعية بعيدا عن انتظار التوافقات المركزية، أما الرسالة الثانية فموجهة إلى طرابلس وبنغازي ومصراتة والبعثة الأممية وواشنطن بأن تسوية سياسية تتجاهل الأمازيغ ستواجه اعتراضا منظما، لا مجرد بيان احتجاجي عابر.
الوزن الديمغرافي وحدود القوة
تتباين تقديرات حجم المكون الأمازيغي في ليبيا بين تقارب 7 و10 في المئة، بينما ترفع تقديرات أخرى الرقم إلى مستوى أعلى.

هذا التباين نفسه يعكس إحدى مشكلات ليبيا في غياب إحصاءات موثوقة حول المكونات الاجتماعية واللغوية والثقافية، لكن نسبة 7 و10 في المئة كافية لمنح الأمازيغ وزنا سياسيا معتبرا في بلد تعجز فيه القوى الكبرى عن إنتاج أغلبية مستقرة.
تتركز الكتلة الأمازيغية في زوارة وجبل نفوسة ومدن وبلدات مثل جادو ويفرن وكاباو ونالوت والقلعة ووازن والرحيبات والحرابة وتندميرة وفرسطاء، إلى جانب حضور أمازيغي في غدامس ودرج، وجزء من النسيج الاجتماعي في الزنتان.

هذا الامتداد يمنح التحرك بعدا جغرافيا يتجاوز البلديات الست الواردة في الإعلان، ويشرح سبب تداول قوائم أوسع تضم 13 بلدية في بعض الروايات المحلية، فالتباين بين الإعلان المحدود بست بلديات والتصور الأوسع الذي يشمل نطاقا أكبر لا يضعف أهمية الحدث.
المعلن رسميا يثبت ولادة إطار بلدي منظم، بينما تكشف القائمة الموسعة الطموح السياسي الذي بدأ يتشكل حول الاتحاد، فهناك مظلة أوسع للأمازيغ في الغرب والجنوب الغربي، وربما إطار تفاوضي لاحق مع القوى الليبية والدولية.
ذاكرة المقاطعة والاعتراض الدستوري
أظهر الأمازيغ في التاريخ الليبي الحديث قدرة متكررة على اتخاذ موقف مستقل، ففي عام 2014 قاطعوا انتخابات مجلس النواب على خلفية الاعتراض على آليات صياغة الدستور وتمثيل المكونات الثقافية، وبقي مشروع الدستور نقطة خلاف رئيسية، بسبب ملفات اللغة والهوية والتمثيل وآلية اتخاذ القرار في القضايا المصيرية.

هذا الإرث يوضح أن البلديات الأمازيغية لا تبدأ من فراغ، بل تستند إلى خبرة سياسية اكتسبتها منذ سقوط نظام معمر القذافي، حيث انتقلت مطالبهم من الدفاع عن الاعتراف الثقافي واللغوي إلى المطالبة بضمانات دستورية، ثم إلى رفض مسارات سياسية ترى أنها تعيد إنتاج التهميش داخل مؤسسات الدولة.
وفق هذا السياق تأتي أهمية الاتفاق على التنسيق مع المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا لتحديد موعد انتخاباته، فإعادة تنشيط هذا المجلس تعني أن البلديات تربط الشرعية المحلية المنتخبة بواجهة سياسية أمازيغية أوسع، كما أن تأسيس مجلس حكماء وأعيان يضيف مسارا اجتماعيا إلى البنية الجديدة، ويمنحها قدرة على ضبط الخلافات الداخلية وتقديم نفسها كجسم منظم أمام الخارج.
ضغط على كل المسارات
توقيت الخطوة أكثر أهمية من صيغتها الإدارية، فليبيا تعيش الآن بين ثلاث مسارات متنافسة:
- الأول أممي يحاول إنعاش العملية السياسية عبر الحوار المنظم واللجان الفنية.
- المسار الثاني أميركي يدفع باتجاه توحيد السلطة التنفيذية وفتح الباب أمام ترتيبات اقتصادية ونفطية أوسع.
- الثالث داخلي تقوده المجالس الليبية، من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، عبر الحديث عن انتخابات رئاسية وتشريعية في فبراير 2027.

وسط هذا التشابك، يظهر اتحاد البلديات الأمازيغية كأداة ضغط على الجميع، فبالنسبة إلى الأمم المتحدة، يذكرها الاتحاد بأن مسارات اللجان المصغرة، مثل لجنة 4+4 أو غيرها، ستفقد شرعيتها إن غابت عنها المكونات الثقافية والاجتماعية.
بالنسبة إلى واشنطن، يذكر الاتحاد بأن أي تفاهم بين الشرق والغرب الليبي، خاصة إذا ركز على النفط وتوحيد السلطة التنفيذية، سيبقى ناقصا ما لم يأخذ مطالب المكونات المحلية في الحسبان، ويفرض أيضا على مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، ملف التمثيل السياسي والثقافي للأمازيغ ضمن أي خارطة طريق انتخابية مقبلة.
في هذا الإطار فإن تصريح السفير الليبي السابق في السويد، إبراهيم موسى جرادة، يضع الاتجاه المحتمل للمطالب، فهو تحدث عن الحاجة إلى تمثيل أوسع للأمازيغ في السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية والتشريعية.
المسألة لم تعد محصورة في الاعتراف الثقافي أو تدريس اللغة أو تعديل نص دستوري، بل في حصة سياسية تعكس الوزن الديمغرافي والامتداد الجغرافي والدور التاريخي للمكون الأمازيغي.
في نفس الوقت فإن احتمالات خروج احتجاجات واسعة داخل المناطق الأمازيغية ضد الاتحاد تبقى محدودة، فخلافا لمناطق أخرى لا تظهر الخطوة في نظر السكان كتهديد لوحدة البلاد، بل إطار للدفاع عن الخدمات والحقوق والتمثيل، كما أن البلديات المشاركة تنتمي إلى فضاء اجتماعي وثقافي متقارب.
كما أن الإعلان قدم بصياغة محسوبة عبر الحديث عن التنمية والخدمات والاستقرار وحدة صف ومجلس حكماء، فهذه المفردات تخفف الحساسية السياسية، وتمنح الاتحاد قابلية للقبول الشعبي.
اتحاد أم مقدمة لفدرلة ناعمة؟
السؤال الأهم يتعلق بحدود المشروع، فهل نحن أمام اتحاد بلدي خدمي، أم خطوة في اتجاه فدرلة ناعمة للمناطق الليبية؟
التجربة الليبية منذ 2011 تظهر أن الأجسام المحلية تبدأ غالبا بمطالب خدمية، ثم تتحول إلى منصات سياسية عندما يتعثر المركز، فإقليم برقة رفع سابقا خطاب الفدرالية، ومصراتة تقود اليوم صيغة “المنطقة الوسطى”، والبلديات الأمازيغية تتحرك الآن ضمن منطق التجميع الذاتي.
لا يكمن الخطر في التنسيق البلدي، بل يظهر عندما تصبح الاتحادات المحلية بديلا دائما عن الدولة، أو تتحول إلى وحدات تفاوض منفصلة في مواجهة بعضها، فتدخل ليبيا مرحلة جديدة من تفكيك المركز، ليس عبر الحرب المباشرة، بل عبر هندسة محلية متوازية، فكل منطقة تصنع مظلتها، وتفاوض باسمها، وتربط التنمية بالهوية أو القوة أو الموارد.
رسالة إلى طرابلس وبنغازي
إعلان اتحاد البلديات الأمازيغية يضع طرابلس وبنغازي أمام اختبار واضح، وتجاهل الخطوة سيدفع الأمازيغ إلى مزيد من التنظيم الذاتي، احتواؤها عبر الوعود فقط سيعيد إنتاج أزمة الثقة القديمة.
المسار الأكثر واقعية يتمثل في فتح تفاوض جدي حول التمثيل الدستوري والسياسي واللغوي، وربط التنمية المحلية بإطار وطني شامل، لا بمساومات ظرفية.

الحدث في جوهره ليس انفصالا ولا مجرد اجتماع بلدي، فهو مؤشر على أن المكونات الليبية بدأت تلتقط ضعف المركز وتترجمه إلى هياكل تفاوض جديدة، فالأمازيغ اختاروا هذه المرة لغة البلديات والمجالس الاجتماعية بدل المقاطعة؛ فهي أكثر هدوءا وتنظيما، وتصل في لحظة يبحث فيها كل طرف ليبي عن موقعه قبل التسوية المقبلة.
الاتحاد الأمازيغي الجديد يمثل إنذارا سياسيا مبكرا، فليبيا تتجه نحو مرحلة ستصبح فيها شرعية أي اتفاق مرهونة بقدرته على تمثيل المكونات والمناطق، لا بمجرد جمع رؤساء المؤسسات المتنازعة.
الأمازيغ يقولون عبر البلديات إنهم حاضرون في خريطة ما بعد الانقسام، وإن أي هندسة للسلطة من دونهم ستبقى ناقصة، مهما حملت من توقيع أممي أو دعم أميركي أو توافق داخلي بين المجالس.
بقلم: مازن بلال
طرابلس.. اشتباكات مسلحة خلال احتجاجات ومطالبات بإسقاط حكومة الدبيبة

