24 أغسطس 2026

أعادت التطورات العسكرية في شمال مالي خلال العامين الأخيرين تشكيل مواقع القوى بين الحكومة المركزية والحركات الأزوادية، مع عودة كيدال إلى واجهة الصراع باعتبارها مركزا رئيسيا لنفوذ الطوارق، وفي قلب هذا التحول برز اسم ألغاباس أغ إنتالا، أحد أبرز قادة جبهة تحرير أزواد.

 

ولا يرتبط نفوذ ألغاباس بمنصب رسمي داخل مؤسسات الحركة فقط، بل يقوم على مزيج من العلاقات القبلية والسياسية والعسكرية التي بناها خلال أكثر من عقد، منذ بداية التمردات الأزوادية عام 2012 وصولا إلى المواجهات الأخيرة مع الجيش المالي.

وتأتي مكانة ألغاباس ضمن مرحلة جديدة في الصراع بشمال مالي، بعدما أنهت الحكومة الانتقالية في باماكو العمل باتفاق الجزائر للسلام عام 2024، وهو الاتفاق الذي شكل منذ عام 2015 الإطار السياسي الرئيسي لتنظيم العلاقة بين الدولة المالية والحركات المسلحة في شمال البلاد.

وكان اتفاق الجزائر لعام 2015 يهدف إلى إنهاء التمرد المسلح الذي قادته حركات أزوادية، عبر منح مناطق الشمال ترتيبات إدارية وأمنية خاصة، إضافة إلى دمج مقاتلين سابقين في مؤسسات الدولة، لكن الخلافات حول تنفيذ بنوده تصاعدت مع مرور السنوات، قبل أن تنهار التفاهمات مع عودة المواجهات العسكرية.

وخلال عام 2023، شكلت معركة كيدال نقطة تحول في الصراع، بعدما تمكن الجيش المالي بدعم من مقاتلين روس تابعين للفيلق الأفريقي من دخول المدينة التي كانت تحت نفوذ الفصائل الأزوادية منذ سنوات.

لكن السيطرة على كيدال لم تنه وجود الحركة، إذ أعادت جبهة تحرير أزواد تنظيم صفوفها، قبل أن تشن عمليات جديدة بالتنسيق مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة في منطقة الساحل.

وفي 2025، شاركت قوات تابعة للجبهة إلى جانب الجماعة المسلحة في هجمات ضد مواقع للجيش المالي والقوات الروسية، ما أعاد ألغاباس إلى موقع أحد أبرز القادة المؤثرين في شمال البلاد.

يستند نفوذ ألغاباس إلى قدرته على العمل داخل أكثر من دائرة، فهو شخصية بارزة في جبهة تحرير أزواد، كما يحتفظ بعلاقات تاريخية مع شخصيات وقوى مسلحة في شمال مالي.

وتعود علاقته بإياد أغ غالي، زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، إلى عام 2012، عندما كان ألغاباس ضمن جماعة أنصار الدين التي قادها إياد خلال سيطرة الجماعات المسلحة على مناطق واسعة من شمال مالي.

غادر ألغاباس الجماعة لاحقا بسبب اختلافات مرتبطة بالمسار السياسي والعسكري، لكنه حافظ على قنوات اتصال مع إياد أغ غالي. وفي عام 2013 أسس حركة أزواد الإسلامية، في محاولة لتقديم إطار سياسي مختلف عن الجماعات الجهادية.

وعادت العلاقة بين الطرفين إلى الواجهة خلال عام 2025، عندما شارك ألغاباس ممثلا لجبهة تحرير أزواد في اجتماع جمع قيادات من الطرفين، سبق تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة ضد القوات المالية.

ويشكل الانتماء العائلي أحد عناصر القوة الأساسية لألغاباس داخل مجتمع الطوارق، خصوصا في كيدال التي تعد مركز نفوذ قبائل الإيفوغاس.

ويحظى شقيقه الأكبر محمد أغ إنتالا بمكانة تقليدية بارزة بصفته “أمينوكال”، أو الزعيم التقليدي للطوارق في المنطقة، وهو المنصب الذي تولاه بعد وفاة والدهما إنتالا أغ عطاهر عام 2014.

ولا يقتصر دور العائلة على الجانب الرمزي، إذ لعب أفرادها أدوارا سياسية ومحلية خلال مراحل مختلفة من الصراع.

وكان محمد أغ إنتالا من الشخصيات التي شاركت في جهود الوساطة، رغم اختلافه مع شقيقه في بعض الخيارات السياسية، خصوصا خلال مرحلة صعود جماعة أنصار الدين عام 2012.

كما يحتفظ أتايوب أغ إنتالا، الشقيق الآخر لألغاباس والرئيس السابق لبلدية كيدال، بعلاقات مع جهات محلية ومنظمات إنسانية، ما يمنح العائلة حضورا يتجاوز المجال العسكري.

ولا يدير ألغاباس نفوذه بشكل منفرد داخل الحركة، إذ تعتمد جبهة تحرير أزواد على مجموعة من القيادات التي تتوزع بينها الملفات العسكرية والسياسية.

ويبرز بلال أغ أشريف، القائد السابق للحركة الوطنية لتحرير أزواد، كأحد أبرز الوجوه السياسية للحركة، حيث يركز على العلاقات الخارجية والتمثيل السياسي.

كما يمثل إبراهيم ولد حندا أحد القيادات المهمة في المكون العربي داخل الجبهة، بينما يتولى ماريك أغ أكلي، الضابط السابق في الجيش المالي، مسؤوليات مرتبطة بالجانب العسكري، إلى جانب رئيس الأركان شافيو أغ بوهدا.

وتدعم هذه الشبكة قدرة ألغاباس على إدارة العلاقة بين الأجنحة المختلفة داخل الحركة، في وقت تواجه فيه جبهة تحرير أزواد ضغوطا عسكرية وسياسية من باماكو وحلفائها.

لم يعد الصراع في شمال مالي محصورا في السيطرة على مدينة أو منطقة محددة، بل أصبح مرتبطا بمستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في منطقة الساحل، مع توسع دور الجماعات المسلحة وتزايد حضور القوى الخارجية.

وفي هذا السياق، يمثل ألغاباس أغ إنتالا أحد الفاعلين الذين يحاولون الحفاظ على موقعهم بين مشروع الحكم المركزي في باماكو، والمطالب السياسية للحركات الأزوادية، والتحالفات المسلحة التي فرضتها طبيعة الصراع خلال السنوات الأخيرة.

وتحدد قدرة ألغاباس على الحفاظ على شبكة علاقاته داخل كيدال وخارجها موقعه في المرحلة المقبلة، خصوصا مع استمرار المواجهة بين الحكومة المالية والحركات المسلحة في شمال البلاد.

مالي تجدد دعمها السياسي للقضية الفلسطينية خلال لقاء رسمي في باماكو

اقرأ المزيد