10 مايو 2026

أكد أستاذ التاريخ السياسي المساعد بجامعة ماردين آرتوكلو التركية، عبد اللطيف مشرف، لوكالة” أخبار شمال إفريقيا”، أن التقارب الجزائري التركي الجاري حاليا يتجاوز حدود العلاقات الدبلوماسية التقليدية، ليؤسس لما وصفه بـ”محور إقليمي جديد”.

وقال مشرف، في مقابلة تناولت أبعاد الزيارة الجزائرية إلى تركيا، إن توقيت التحرك يأتي وسط “حالة استقطاب حاد” تعيشها المنطقة نتيجة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما نتج عنها من إعادة رسم للهندسة الإقليمية وتبدلات في موازين القوى.

وأوضح أن الجزائر وتركيا تتبنيان ما وصفه بسياسة “الاستقلالية الاستراتيجية”، مشيرا إلى أن الجزائر تستند إلى إرثها التاريخي ضمن حركة عدم الانحياز، بينما تمثل تركيا قوة إقليمية فاعلة داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”، مضيفا أن الطرفين يسعيان إلى تثبيت حضورهما في الشرق الأوسط ومنع انفراد إسرائيل بقيادة النظام الإقليمي الجديد.

وأشار الأكاديمي التركي إلى أن البلدين يعملان على “خلق حالة ثالثة” تحول دون انزلاق المنطقة بالكامل إلى صراعات المحاور الدولية، مؤكدا أن التحالف الجزائري التركي يهدف كذلك إلى منع أي ترتيبات إقليمية تعزز الهيمنة السياسية والاقتصادية الإسرائيلية في المنطقة.

وفي ما يتعلق بملف الطاقة، اعتبر مشرف أن الجزائر تحولت إلى “كتلة طاقوية كبرى” مع تصاعد المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز وتداعياته على الاقتصاد العالمي، لافتا إلى أن تركيا تنظر إلى الجزائر باعتبارها شريكا استراتيجيا موثوقا في مجالات الغاز والطاقة، خاصة مع سعي أنقرة لتعزيز موقعها كمركز إقليمي لتوزيع الطاقة نحو أوروبا.

وأضاف أن مشاريع التعاون بين البلدين قد تشمل توطين صناعات تركية داخل الجزائر، من بينها الصناعات النسيجية والطائرات المسيرة ومشاريع الطاقة، إلى جانب تطوير شراكات في مجالات الاستكشاف والإنتاج البحري وربط الغاز الجزائري بشبكات التوزيع التركية المتجهة نحو شرق أوروبا.

وفي الملف الإفريقي، شدد مشرف على أن الجزائر وتركيا تتحركان لملء الفراغ السياسي والاستراتيجي الذي خلفه تراجع النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل والصحراء، معتبرا أن الدول الإفريقية باتت تنظر إلى البلدين باعتبارهما “شريكين غير استعماريين” قادرين على تقديم نماذج تعاون اقتصادي وتقني جديدة.

وأشار إلى أن المجلس الاستراتيجي الجزائري التركي، الذي يشرف عليه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يعكس انتقال العلاقات الثنائية من مستوى التنسيق السياسي التقليدي إلى مستوى العمل المؤسسي طويل الأمد في ملفات الأمن والطاقة والاستثمار والقارة الإفريقية.

وفي الشأن الليبي، أكد مشرف وجود توافق واسع بين الجزائر وتركيا بشأن ضرورة رفض أي وجود عسكري أجنبي، مع الدعوة إلى معالجة الملف الليبي ضمن إطار “عربي وإسلامي”، مضيفاً أن موقع ليبيا على البحر المتوسط يمنحها أهمية خاصة ضمن مشروع “تحالف الجنوب – الجنوب” الذي يمكن أن يعزز وزن دول المنطقة في مواجهة مشاريع الهيمنة الإقليمية.

كما اعتبر أن التحركات الجارية في المتوسط تعكس إعادة تموضع لقوى إقليمية جديدة، في ظل مشاريع اقتصادية وتحالفات بحرية تضم الهند وإسرائيل وبعض الدول المتوسطية بهدف الاستثمار في موارد الغاز والطاقة شرق المتوسط.

ورأى أن التعاون الجزائري التركي يحمل أبعادا جيوسياسية تتجاوز الاقتصاد، موضحا أن “من يمتلك البحار سيمتلك لغة القوة في العالم المقبل”، في إشارة إلى أهمية الممرات البحرية وخطوط الطاقة في الصراعات الدولية القادمة.

وأكد أن تجاوز حجم التبادل التجاري بين الجزائر وتركيا حاجز ستة مليارات دولار يمثل “واجهة لتحالف أعمق”، قائلا إن الطرفين يتحركان وفق منطق “التكامل بدل التنافس” في ظل ما وصفه بمحاولات أمريكية وإسرائيلية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

وختم مشرف حديثه بالتأكيد على أن المنطقة تمر بـ”مرحلة تاريخية مفصلية”، متوقعا تصاعد التنسيق الجزائري التركي في الملفات العسكرية والتقنية والإفريقية خلال الأشهر المقبلة، إلى جانب إمكانية بروز وساطات مشتركة في ملفات معقدة مثل ليبيا والساحل الإفريقي، داعياً الدول العربية إلى بناء تحالفات استراتيجية قائمة على المصالح والسيادة والبراغماتية السياسية.

الهجرة غير النظامية من الجزائر إلى جزر البليار تتجاوز الكناري بأربعة أضعاف

اقرأ المزيد