شح المشتقات النفطية والارتفاع الحاد في أسعارها تسبب بخلل واختناق معيشي واقتصادي حاد شمل المناطق الخضع لنفوذ الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وسط تحذيرات من مجاعة وشيكة ونفي حكومي رسمي.
وأفاد مواطنون وشهود عيان في العاصمة الخرطوم ومدينتي نيالا وبورتسودان ومناطق أخرى، بأن الغارات الجوية المتبادلة بين طرفي النزاع استهدفت بشكل مباشر البنى التحتية والمقومات الأساسية لمعيشة السكان واستدامة الدولة.
وانعكست هذه التطورات على سوق المحروقات، حيث قفز سعر جالون البنزين في معظم محطات الخرطوم ليصل إلى نحو 48,800 جنيه سوداني (زهاء 4.8 دولار)، فيما سجل الغازولين 45 ألف جنيه (نحو 4.5 دولار).
وفي مدينة نيالا، بلغ سعر جالون البنزين نحو 50 ألف جنيه (قرابة 5 دولارات)، والغازولين 45 ألف جنيه (نحو 4.5 دولار)، بينما استقر سعر البنزين في بورتسودان عند 46 ألف جنيه مقابل 42 ألفاً للغازولين.
وفي القطاع الزراعي، كشف ثلاثة مزارعين في ولايات القضارف والجزيرة وسنار عن تعرض النشاط الزراعي -الذي يشكل الركيزة الأولى للأمن الغذائي بالبلاد- لضربة قاسية جراء انعدام المحروقات والديزل المخصص لتشغيل مضخات الري والآلات الزراعية، مما أسفر عن تقليص الرقعة المزروعة وتلف محاصيل استراتيجية كالذرة والقمح.
وأوضح المزارعون أن تراجع الإنتاج الفلاحي وتعثر الموسم الزراعي تزامنا مع ظروف الجفاف وانحباس الأمطار في عدة ولايات، وهو ما يدفع البلاد نحو شفا مجاعة شاملة ومحققة، مشيرين إلى حركة نزوح واسعة لآلاف المزارعين والأهالي من القرى والمناطق الشحيحة بالمواد الغذائية بحثاً عن المأوى ومنافذ المساعدات.
وفي المقابل، أبدت السلطات الرسمية رفضها للاعتراف بوجود أزمة غذاء، إذ شدد وزير المالية جبريل إبراهيم، في أحدث تصريحات له هذا الأسبوع، على عدم صحة المعطيات التي تروجها أطراف خارجية حول اقتراب السودان من المجاعة، واصفاً إياها بالادعاءات الافتراضية التي تفتقر للموضوعية، ومؤكداً استمرار العمل الحكومي على رفع معدلات الإنتاج المحلي وتعبئة الإمكانات المتاحة لتأمين الغذاء.
وعلى الساحة الإنسانية، أكد ناشطون في مجال الإغاثة أن شح المواد البترولية تسبب في شلل شبه كامل لحركة شاحنات الإمداد والقوافل التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية، مما حال دون وصول الأغذية والأدوية إلى ملايين النازحين والأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم.
وأضاف الناشطون أن تكاليف النقل والخدمات اللوجستية بين الولايات ارتفعت إلى مستويات قياسية فاقت قدرات الهيئات الإنسانية، إذ بات نقل الشحنة الواحدة يتطلب مخصصات مالية مضاعفة لشراء الوقود من الأسواق الموازية بأسعار مرتفعة، الأمر الذي قلص نطاق العمليات الإغاثية داخل المخيمات والمناطق المحاصرة.
وتزامن ذلك مع تقارير صادر عن مؤسسات دولية، في مقدمتها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي، أشارت إلى انكماش الاقتصاد السوداني بنسب تراكمية حادة تجاوزت 40% منذ اندلاع النزاع، مما وجه ضربة قوية للناتج المحلي الإجمالي وأدخل البلاد في عمق أزمة اقتصادية هي الأشد منذ تسعينيات القرن الماضي.
كما ارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة متجاوزة 47%، رفق توقف تام للمؤسسات والشركات والمصانع، وتراجع الإيرادات الحكومية إلى ما دون 5% من الناتج المحلي، مما يفقد أجهزة الدولة قدرتها على تحقيق الاستقرار أو توفير الخدمات الأساسية وفقاً للمصادر الأممية.
وحذرت التوقعات المستقبلية في التقارير الأممية من أنه في حال استمرار الحرب واستنزاف الموارد، فإن معدلات الفقر ستتجاوز نطاق 70% إلى 80%، حيث سيعيش غالبية السكان على أقل من دولارين يومياً، في ظل غياب شبكات الأمان الاجتماعي.
ومن جانبه، صرح محمد إبراهيم الحمدابي، وهو تاجر بسوق عطبرة، أن مظاهر هذا التراجع تتجلى في الانهيار التام للقوة الشرائية واختفاء الطبقة المتوسطة من موظفين وحرفيين وأصحاب مشروعات صغيرة، والذين انزلق معظمهم إلى ما دون خط الفقر وأصبحوا يعتمدون على العون الإنساني.
وأكد الحمدابي توقف عمليات البيع في أغلب الأحيان نتيجة الهبوط المستمر في سعر صرف الجنيه مقابل الدولار وتذبذب أسعار البضائع، مما كبد قطاعاً واسعاً من التجار خسائر كبيرة.
وفي ظل هذه المعطيات، برزت تحركات ومحادثات مكثفة تقودها الحكومة السودانية مع شركاء دوليين، وفي مقدمتهم مقترحات مقدمة لروسيا لإقامة منطقة اقتصادية حرة ومرافق لتخزين المحروقات والقمح ومواقع استثمارية على ساحل البحر الأحمر، بهدف إيجاد منفذ تجاري وتمويلي عاجل.
لكن خبراء اقتصاديين يطرحون تساؤلات حول الفعالية الميدانية لهذه الشراكات في ضخ سيولة سريعة أو توفير الوقود للسكان على المدى القريب، مقابل المحاذير المتعلقة برهن الموارد والتأثير على السيادة الاقتصادية والتموضع الجيوسياسي للبلاد مستقبلاً.
ويستدل الاقتصاديون بهذه التداخلات المعقدة بين أزمة المحروقات والتضخم واقتصاد الموانئ البديلة على أن الاقتصاد السوداني يخوض صراع بقاء بنيوياً، تحولت فيه المستلزمات الأساسية كالغذاء والطاقة والتنقل إلى أدوات في النزاع المسلح، ما يتطلب تدخلاً دولياً يضمن تحييد البنية التحتية والقطاعات الاقتصادية عن العمليات العسكرية.
“قوات الدعم السريع” تتهم الجيش السوداني بقتل 270 مدنياً
