الاقتصاد السوداني يواجه أزمة متفاقمة مع دخول الحرب عامها الرابع، وسط انهيار الجنيه وتراجع الإنتاج والصادرات، وتفكك الأسواق ونقص النقد الأجنبي، واتساع الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي.
وتراجع الجنيه من نحو 570 إلى 690 جنيهاً للدولار قبيل اندلاع الحرب في أبريل 2023، إلى أكثر من 10 آلاف جنيه في السوق الموازية مطلع نوفمبر 2026، مع اختلاف الأسعار بين المناطق والتجار، وفي المقابل، ظل السعر المعلن لدى بعض المصارف دون 5 آلاف جنيه، ما يعكس اتساع نطاق السوق غير الرسمية وصعوبة توحيد أسعار الصرف.
ويرى خبيران اقتصاديان تحدثا إلى مصدر صحفي أن وقف تدهور العملة يظل أمراً صعباً من دون إنهاء الحرب واستعادة النشاط الإنتاجي، لكنهما طرحا مجموعة من الإجراءات العاجلة، تشمل ضبط تجارة الذهب، وتنظيم استيراد السلع الاستراتيجية، ومراجعة هيكل العملة.
وقال الخبير المالي والأكاديمي السوداني محمد الناير إن التراجع الحالي للجنيه هو الأكبر في تاريخ البلاد، موضحاً أن سعر الدولار ارتفع تدريجياً من نحو 570 جنيهاً عند بداية الحرب إلى 1500 جنيه بنهاية عامها الأول، ثم تجاوز 2500 جنيه خلال العام الثاني، قبل أن يقفز إلى مستويات تراوح بين 9 آلاف و10 آلاف جنيه.
ولا تعكس هذه المستويات انخفاض قيمة العملة فحسب، بل تكشف أيضاً تراجع قدرتها على أداء وظائفها الأساسية في التسعير والادخار وتسوية المعاملات، خصوصاً في ظل اختلاف أسعار السلع والعملات بين الولايات، وتزايد الاعتماد على النقد والتداولات غير الرسمية.
وارتفع معدل التضخم السنوي إلى 28.29% في سبتمبر، مقابل 26.14% في أغسطس، فيما زادت أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 36.81%، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، وبلغ التضخم في المدن 40.35%، مقابل 21.18% في المناطق الريفية. غير أن هذه المعدلات ينبغي التعامل معها بحذر، بسبب صعوبات جمع البيانات وتفاوت الأسعار بين المناطق المتأثرة بالحرب.
ويضع الناير تنظيم قطاع الذهب في مقدمة الإجراءات العاجلة، مشيراً إلى أن الشركة السودانية للموارد المعدنية أعلنت إنتاج نحو 70 طناً خلال عام 2025، وهو أعلى مستوى خلال خمسة أعوام، لكن بيانات البنك المركزي تشير إلى تصدير نحو 14.7 طن رسمياً، بينما قدرت تصريحات حكومية الصادرات بما لا يتجاوز 20 طناً.
ولا يعني الفارق بين حجم الإنتاج والصادرات الرسمية بالضرورة أن الكمية المتبقية هُرّبت بالكامل، إذ قد تشمل عوامل أخرى، مثل التخزين والاستهلاك المحلي واختلاف منهجيات الإحصاء، لكنه يعكس تسرب جانب كبير من إنتاج الذهب خارج القنوات الرسمية، ما يحرم النظام المصرفي من مصدر مهم للنقد الأجنبي.
ودعا الناير إلى تنظيم التعدين التقليدي، وتشديد الرقابة على المنافذ، وإنشاء سوق منظمة للذهب، بما يسهم في توجيه حصيلة الصادرات إلى القطاع المصرفي.
وإلى جانب ضبط تجارة الذهب، يقترح الناير تنظيم استيراد الوقود والدقيق والسكر والسلع الاستراتيجية عبر آلية رسمية تحد من لجوء المستوردين إلى السوق الموازية، غير أن احتكار الدولة لعمليات الاستيراد لا يضمن وحده استقرار الأسعار، وقد يؤدي إلى نقص الإمدادات في حال غياب المنافسة والتمويل والرقابة.
وكانت السلطات قد رفعت في أكتوبر الحظر عن استيراد 44 سلعة، بعد قرار سابق شمل أكثر من 40 سلعة، كما أعفت أغذية أساسية من الرسوم والضرائب، وقد يسهم هذا القرار في زيادة المعروض من السلع، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى ارتفاع الطلب على الدولار، إذا لم يتزامن مع زيادة حصيلة الصادرات.
وأما المسار الثالث الذي طرحه الناير، فيتمثل في استبدال العملة وحذف ثلاثة أصفار منها، إلا أن حذف الأصفار يظل إجراءً محاسبياً لا يعيد القوة الشرائية للعملة تلقائياً، كما أنه لن يوقف التضخم من دون ضبط الإنفاق والسيولة واستعادة الثقة بالمصارف.
ومن جانبه، قال الخبير الاقتصادي عادل خلف الله إن الحرب دمرت قواعد الإنتاج والتسويق، وعمّقت نقص النقد الأجنبي، وأضعفت وحدة المؤسسات والأسواق.
وبلغ عدد الأشخاص الذين ظلوا نازحين داخل السودان أو غادروا إلى دول أخرى نحو 11.3 مليون شخص في أكتوبر 2026، بعدما تجاوز عدد الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم 15 مليوناً في ذروة الأزمة، وفق بيانات أممية.
ويخلص خلف الله إلى أن وقف الحرب يمثل المدخل الأساسي لاستعادة مؤسسات الدولة والأسواق. فالإجراءات المتعلقة بالذهب والاستيراد وتغيير العملة قد تخفف الضغوط مؤقتاً، لكن إنقاذ الجنيه يتطلب إعادة تشغيل القطاعات الزراعية والصناعية، وتأهيل البنية التحتية، وزيادة الصادرات، وتقليص الاعتماد على الواردات.
هجوم مسلح يستهدف أكبر موقع للتنقيب عن الذهب في النيجر ويشعل حرائق بأحد أسواقه
