في دورتها الثالثة، المنعقدة في موسكو، تكشف قمة روسيا – إفريقيا اتساع الرهان الروسي على القارة بوصفها شريكا سياسيا وسوقا ومصدرا للموارد، وساحة لتعزيز الحضور الأمني والدبلوماسي.
يمنح حضور وفود من 48 دولة إفريقية، بينها 22 ممثلة برؤساء دول، القمة ثقلا سياسيا واضحا، وتأتي هذه المشاركة فيما تسعى موسكو إلى توسيع علاقاتها الدولية ومواجهة تداعيات الحملة العسكرية في أوكرانيا والعقوبات الغربية.
وتتجه الأنظار الآن إلى ما ستسفر عنه اللقاءات من اتفاقات ومشاريع، وإلى أثرها المحتمل في التجارة والاستثمار والتنمية بالدول الإفريقية.

عمليا تتشكل العلاقات الروسية–الإفريقية عند تقاطع المصالح الاقتصادية والحسابات السياسية والأمنية، فموسكو توسع تعاونها في الغذاء والطاقة والتعدين والتكنولوجيا، وتعرض خبرتها الأمنية على حكومات تبحث عن شركاء وشروط تعاون تناسب أولوياتها.
في المقابل، تُنوع الدول الإفريقية علاقاتها الدولية وتفاوض من موقع مصالحها، مستفيدة من تعدد القوى الساعية إلى بناء شراكات معها.
سوتشي 2019.. بداية سياسية ووعد اقتصادي كبير
انطلقت صيغة القمم في سوتشي يومي 23 و24 أكتوبر 2019، برئاسة مشتركة بين فلاديمير بوتين والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي كان يرأس الاتحاد الإفريقي.

شارك قادة 43 دولة إفريقية، واعتمدت القمة إعلانا عاما للتعاون في السياسة والأمن والاقتصاد والعلوم والثقافة، كما وقع الاتحاد الإفريقي وروسيا مذكرة تفاهم تناولت، بين ملفات أخرى، مكافحة الإرهاب والبنية التحتية والتجارة والتعليم والطاقة والزراعة والصحة.
كان الرهان الأوضح اقتصاديا هو زيادة قيمة التجارة الروسية-الإفريقية لتصل إلى 40 مليار دولار في غضون خمسة أعوام، حيث حقق حجم التجارة حسب تقديرات 2025 ارتفاعا من 16.8 مليارا في 2019 إلى نحو 27 مليار دولار، لكن التبادل لا يزال يميل بقوة إلى الصادرات الروسية.
وتشير تقديرات روسية إلى أن الصادرات إلى إفريقيا بلغت 22.7 مليار دولار في 2025، مقابل 4.4 مليارات من الواردات الإفريقية، فالصورة ليست غيابا للتجارة، بل نموا دون السقف الذي أعلنته موسكو، وبميزان غير متكافئ.
سان بطرسبورغ 2023: القمح والحرب يختبران الشراكة
القمة الثانية انعقدت في يوليو 2023، بعد أيام من انسحاب روسيا من اتفاق البحر الأسود الذي أتاح تصدير الحبوب الأوكرانية.

حضرت وفود من 49 دولة إفريقية، لكن عدد رؤساء الدول انخفض إلى 17، مقارنة بـ43 في سوتشي، وبدا التراجع مؤشرا إلى أن التقارب السياسي مع موسكو لا يلغي قلق الحكومات الإفريقية من آثار الحرب على أسعار الغذاء.
في القمة، طالب قادة أفارقة باستئناف اتفاق الحبوب وطرحوا مبادرة إفريقية للسلام في أوكرانيا، كما قال رئيس الاتحاد الإفريقي إن شحنات الحبوب المجانية وحدها لا تكفي، وإن وقف إطلاق النار مطلوب.
رد بوتين بتعهد إرسال حبوب مجانية إلى ست دول؛ وفي فبراير 2024 أعلنت موسكو أنها شحنت 200 ألف طن إلى بوركينا فاسو وزيمبابوي ومالي والصومال وجمهورية إفريقيا الوسطى وإريتريا.
النفوذ يتقدم عبر أكثر من بوابة
تبدو القمة الحالية دليلا واضحا على توسع الحضور الروسي السياسي، حيث شاركت48 دولة، وعقدت لقاءات مع زعماء أفارقة، كما شارك رؤساء منظمات إقليمية بينها الاتحاد الإفريقي ومنطقة التجارة الحرة القارية.
وفي خطاب الرئيس فلاديمير بوتين قدم روسيا بوصفها شريكا يرفض استغلال الموارد الإفريقية ويؤيد دورا أكبر للقارة في النظام الدولي.

وتظهر اللقاءات الثنائية كيف يتخذ النفوذ الروسي أشكالا مختلفة باختلاف الدولة، ففي 27 أكتوبر، قال بوتين للرئيس الموزمبيقي دانيال تشابو إن التجارة تضاعفت تقريبا خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، وتركز النقاش على الطاقة والتدريب العسكري والأمن في كابو ديلغادو، وهي منطقة غنية بالغاز وتواجه تمردا مسلحا.
لم يظهر في البيانات المتاحة إعلان عن عقد جديد محدد، لكن جمع ملفات الغاز والأمن والتعليم في لقاء واحد يكشف طبيعة المقاربة الروسية: بناء علاقة متعددة المسارات، لا تقتصر على تبادل السلع.
وفي لقاء بوتين مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، طرحت الطاقة والأمن وإعادة الإعمار والتعاون العسكري، وأشار بوتين إلى أن اجتماعا أوليا للجنة الحكومية المشتركة عقد في أبريل، وأبدى رغبته في استئناف عملها الكامل؛ كما أعلن رفع عدد المقاعد الدراسية الممولة لليبيين إلى مئة.
أما مع رئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ، فأقر بوتين بتراجع التبادل التجاري، وطرح تفعيل لجنة حكومية جديدة، بينما تناول النقاش إمكانات الطاقة والتعدين.
في قطاع الموارد، أعلنت وزارة الموارد الطبيعية الروسية وجود 21 اتفاقا مع 14 دولة إفريقية، و 15 منها تتعلق بالجيولوجيا، وهذه قاعدة مؤسسية يمكن أن تتحول إلى نفوذ طويل الأمد إذا تبعتها استثمارات واستكشافات وعقود تشغيل.
على المستوى الأمني، وسعت روسيا تعاونها مع دول إفريقية عبر اتفاقات عسكرية وبرامج تدريب وتسليح، وتشير تقارير إلى أن بعض ترتيبات الدعم الأمني يرتبط بالتمويل أو بإمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية، ما يجعل الأمن والطاقة والتعدين ملفات متداخلة في عدد من العلاقات الثنائية.
لقاءات والاختبار القادم
وعلى هامش القمة، التقى بوتين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبحثا التعاون الاقتصادي، وقال بوتين إن أعمال محطة الضبعة النووية تسير وفق الخطة، وإن التبادل التجاري بين البلدين ارتفع 14% خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بعدما تجاوز عشرة مليارات دولار في 2025.

وشملت أولويات مصر المعلنة أيضا المنطقة الصناعية الروسية في قناة السويس، وإمدادات الحبوب والأسمدة، أما التعاون مع إثيوبيا، فيتضمن بحث الطاقة النووية المدنية وبناء القدرات، فيما تستند العلاقات مع جمهورية الكونغو إلى خطة تعاون للفترة 2026–2028، وسبق أن طرح مشروع خط أنابيب نفطي يتجاوز ألف كيلومتر.
وأعلن الكرملين أن تبني القمة خطة عمل للفترة 2027–2029، وإعلانا للتعاون في الاستخدام المدني للذكاء الاصطناعي، إلى جانب أكثر من 30 وثيقة واتفاقا متوقعا.
كما رفع الرئيس بوتين الهدف التجاري إلى 50 مليار دولار، بعدما قال إن التجارة تجاوزت 27 مليارا في العام الماضي، وتؤكد القمة اتساع النفوذ الروسي في القارة عبر الدبلوماسية والطاقة والغذاء والأمن، وتمنح موسكو منصة لتقديم نفسها حليفا للقضايا الإفريقية.
بقلم: مازن بلال
جلطة دماغية تصيب الفنان المصري سامح الصريطي
