شهادات مهاجرين أفارقة تكشف عن واقع مأساوي في عمق الصحراء الجزائرية، حيث تنشط شبكات تهريب واتجار بالبشر تستغل الحالمين بالوصول إلى أوروبا وتحوّلهم إلى ضحايا للابتزاز والعمل القسري.
ويروي المهاجر النيجيري إبراهيم أدامو تفاصيل رحلة محفوفة بالمخاطر بدأت من أغاديس شمالي النيجر، مروراً بمناطق صحراوية قاسية وصولاً إلى تمنراست جنوب الجزائر، حيث واجه الموت عطشاً وتيهاً أكثر من مرة.
ويوضح أدامو أنه دفع أكثر من ألف دولار مقابل عبوره ضمن قافلة تضم عشرات المهاجرين، قبل أن يُفاجأ ببيعه لشبكة أخرى فور وصوله إلى الجنوب الجزائري، ليُجبر على العمل لسداد ما سُمّي بـ”دين الرحلة”.
وتكشف هذه الوقائع عن تحوّل مسارات الهجرة غير النظامية إلى منظومة معقدة من الاستغلال، حيث يتحول المهاجر من باحث عن فرصة إلى سلعة تُباع بين المهربين في ما يشبه “أسواق نخاسة” حديثة.
ويشير المهاجر إلى أن الرحلة تمت ليلاً لتفادي المراقبة، فيما تُرك من يعجز عن مواصلة الطريق في عمق الصحراء لمصير مجهول، في ظل تهديد دائم بالعنف أو الطرد من المركبات.
وتتطابق هذه الشهادات مع بيانات المنظمة الدولية للهجرة، التي وثقت وفاة أكثر من ألفي مهاجر في الصحراء الكبرى منذ عام 2014، بينهم مئات خلال العام الماضي فقط، نتيجة العطش والحرارة وانعدام الرعاية الصحية.
ويوضح متطوعون في الجنوب الجزائري أنهم يعثرون بشكل متكرر على جثث مهاجرين قضوا في مناطق نائية، حيث تفتقر تلك المسارات إلى أي حضور إنساني أو خدمات إنقاذ كافية.
ويؤكد أحمد بيكة، نائب رئيس جمعية إنقاذ محلية، أن الفرق الميدانية تعتمد على نداءات استغاثة من عائلات المفقودين، وتقدم مساعدات عاجلة للناجين، رغم محدودية الإمكانيات.
ويكشف المهاجرون عن تعرضهم لابتزاز مستمر، إذ يفرض المهربون رسوماً إضافية عند كل محطة، مع تهديدات بتركهم في الصحراء في حال العجز عن الدفع.
وتوضح شهادات أخرى، بينها شهادة المهاجرة النيجيرية أمينة، أن الاستغلال يمتد إلى التسول القسري والعمل المنزلي، بل يصل إلى احتجاز الأطفال للضغط على ذويهم.
وتؤكد دراسات متخصصة أن “إعادة بيع المهاجرين” على طول مسارات الهجرة باتت ممارسة شائعة، حيث يجري تسليمهم لشبكات تشغيل قسري تستفيد من هشاشتهم.
ويحذر مراقبون من تداعيات اجتماعية في مدن الجنوب، حيث أدى تزايد أعداد المهاجرين إلى ضغط على الموارد وظهور توترات محلية ومنافسة على الخدمات الأساسية.
وتشير معطيات ميدانية إلى استغلال المهاجرين في أنشطة غير قانونية مثل التنقيب عن الذهب، ما يساهم في نشوء اقتصاد موازٍ خارج رقابة الدولة.
وتُظهر بيانات أمنية توقيف آلاف الأشخاص سنوياً في قضايا مرتبطة بالتهريب والتنقيب غير الشرعي، مع مصادرة معدات وأسلحة وكميات كبيرة من الوقود.
ويلفت خبراء إلى أن هذه الظاهرة تحمل أبعاداً أمنية معقدة، إذ يمكن أن تتحول شبكات التهريب إلى قنوات لتمرير الأسلحة أو دعم جماعات إجرامية.
ويؤكد مختصون أن استمرار تدفقات الهجرة عبر الحدود الجنوبية للجزائر يرتبط بتغيرات سياسية في دول الجوار، خاصة بعد عودة نشاط شبكات التهريب في النيجر.
وينبه خبراء إلى أن تهريب البشر لم يعد مجرد ظاهرة إنسانية، بل بات تحدياً أمنياً واقتصادياً، يفرض على السلطات تخصيص موارد كبيرة لمواجهته على حساب أولويات أخرى.
ويخلص متابعون إلى أن هذه الشبكات تخلق مناطق خارجة عن القانون، وتُضعف سلطة الدولة، في ظل استغلال مستمر للمهاجرين الذين يجدون أنفسهم عالقين بين الحلم الأوروبي وواقع قاسٍ في قلب الصحراء.
السودان يواجه موجة نزوح جديدة مع خفض حصص الغذاء الأممية
