تقترب الجماعات المسلحة من الحدود الشمالية لدول خليج غينيا، فيما تحاول العواصم الغربية تحديد دور لها بعد انهيار شراكاتها الأمنية في قلب الساحل.
عملياً، فإن قدرة الناتو على المساعدة مرهونة باستعادة التعاون بين دول المنطقة، وبصلة السلطات المحلية بالسكان الذين يعيشون عند تلك الحدود.
في أبريل 2025، قُتل ما لا يقل عن 54 جندياً بنينياً في هجوم على مواقع عسكرية داخل متنزه “دبليو” الحدودي، وعادت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى شن هجمات في شمال بنن خلال 2026.
تكشف هذه الوقائع كيف انتقل الضغط المسلح من مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى أطراف دول خليج غينيا، عبر غابات وطرق حدودية يصعب ضبطها من جانب واحد.

يعيد هذا التمدد السؤال عن الدور الذي يستطيع الناتو أداءه، حيث ترك العقد الماضي للدول الأعضاء التي تدخلت بترتيبات مستقلة عن الحلف مشكلة تتجاوز مراقبة الحدود، فتدهورت علاقاتها مع سلطات في وسط الساحل، ولم يتحول التفوق العسكري إلى حماية مستقرة للسكان، وتصطدم أي خطة أطلسية جديدة بعقبتين متلازمتين: موافقة الحكومات، وثقة المجتمعات التي يُطلب منها كشف حركة الجماعات المسلحة.

توسع لا تحكيه خريطة الهجمات وحدها
سجل مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية نحو 9928 وفاة مرتبطة بعنف الجماعات المسلحة المتشددة في الساحل خلال الاثني عشر شهراً المنتهية منتصف 2026، معظمها في بوركينا فاسو ومالي والنيجر.
تراجعت في الفترة نفسها الوفيات المرتبطة بهذا العنف في بنن وتوغو بنسبة 78% مقارنة بالفترة السابقة، ما يوضح أن تراجع حصيلة القتلى في بلد لا يعني تراجع الخطر، فتواصل الجماعات بناء طرق الإمداد والتجنيد خارج نطاق الهجمات الكبرى.

تظهر البيانات أن الحدود بين بنن والنيجر ونيجيريا تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها تحركات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم “الدولة الإسلامية في الساحل”، وتعطي الغابات والطرق التجارية قيمة عسكرية واقتصادية، فيمكن استخدامها للانسحاب، ونقل المؤن، وفرض الإتاوات على حركة الناس والبضائع.
شهدت بنن وتوغو هجمات فعلية؛ أما غانا فمخاوفها مرتبطة بالشبكات العابرة للحدود واحتمال انتقال الهجمات، أما في ساحل العاج فتراجع نشاط الجماعات بعد هجمات سابقة في الشمال، وهذا التفاوت مهم لأنه يحدد نوع المساعدة المطلوبة لكل دولة.

أثر الانسحابات في فرص العودة
تكشف تجربة الساحل خطأ تكرر بأشكال مختلفة، فتم صرف المساعدات الغربية على شؤون أمنية كثيرة، من تدريب الجيوش إلى ملاحقة المقاتلين، فيما ظلت حماية السكان، ومحاسبة المتجاوزين، ووصول الخدمات والإدارة إلى القرى تحديات قائمة.
ووصفت دراسة لمركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية أثر التركيز على العمليات القتالية وإهمال بناء الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية، فقدمت هذه الفجوة للجماعات المسلحة فرصة لتجنيد بعض السكان الساخطين، حتى بعد خسارتها مواقع أو مقاتلين.
غادرت القوات الفرنسية مالي عام 2022، وانتهى عمل بعثة التدريب العسكرية للاتحاد الأوروبي هناك في 2024. وفي النيجر، أنهى المجلس العسكري الاتفاق الذي أتاح وجود بعثتين أوروبيتين، فقرر الاتحاد عدم تمديد مهمته العسكرية بعد يونيو 2024.

جرت هذه العمليات تحت إطار فرنسي وأوروبي، ولم تكن مرتبطة بعمليات للناتو، ورغم ذلك فإن هذا الإخفاق سيؤثر على أي مبادرة أطلسية وعلى صورة التدخل الغربي ونتائجه السياسية في المنطقة.
اتسعت الفجوة بين الجيران أنفسهم، فمنذ خروج مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا في يناير 2025، أصبح تبادل المعلومات أكثر حساسية سياسياً. ويستطيع مسلحون عبور منطقة حدودية خلال ساعات؛ أما تبادل بيانات تحركاتهم فيحتاج إلى جهات تثق بعضها ببعض وتقبل العمل معاً.
وتظهر فجوة ثانية داخل القرى الحدودية، فتحتاج القوات المحلية إلى بلاغات مبكرة عن الغرباء والعبوات والطرق المستخدمة للتهريب، فيما يواجه من يتعاون معها خطر الانتقام. وربط معهد الدراسات الأمنية، في بحث ميداني عن بنن وتوغو، استمرار تعاون الأهالي بحمايتهم، وتجنب إساءة معاملتهم، وقدرة السلطات على الاستجابة لحاجاتهم.
ضعف هذه الصلة يمنح الجماعات مجالاً للتحرك حتى عندما تتلقى الجيوش معدات أفضل.

دور ممكن بحجم الشراكة
يعترف الناتو بأن اضطراب جواره الجنوبي يمس أمن أعضائه، وأن بعض الدول الأعضاء شهدت هجمات إرهابية على أراضيها ارتبطت بظروف خارج حدودها.
لكن المخاوف الأمنية الأوروبية لا تعيد تلقائياً فتح الأبواب التي أُغلقت في مالي والنيجر. وفي اجتماع عقده الحلف في فبراير 2026 بشأن الجنوب، انصب النقاش المعلن على الحوار مع الشركاء وتعزيز قدراتهم.
يمكن رؤية حدود هذا الدور في موريتانيا، التي أقرت مع الحلف برنامج شراكة خاصاً مطلع 2026، وفي استمرار التعاون التدريبي بين الناتو والاتحاد الإفريقي. ويتيح هذان المساران تطوير التدريب والاتصالات والقدرة على التعامل مع المتفجرات عند طلب الشركاء ذلك، ولا يقدمان تفويضاً لعملية قتالية أطلسية في الساحل.
في المقابل، يعمل الاتحاد الأوروبي بالفعل مع بنن وتوغو وغانا وساحل العاج عبر مبادرة أمنية ودفاعية. وفي مارس 2026، وقع شراكة أمنية مع غانا وسلمها معدات ضمن حزمة دعم تبلغ 50 مليون يورو.

يمكن للناتو أن يكمل ما تطلبه الدول الإفريقية من تدريب وخبرات، ضمن تنسيق واضح مع هذه المبادرة؛ فازدحام الجهات الداعمة يضاعف البرامج ويترك ثغرات الحدود على حالها.
ستُقاس فائدة الشراكات الجديدة بقدرة الدول على تبادل الإنذارات عبر الحدود، وحماية من يقدمون المعلومات، وإبقاء الأسواق والطرق مفتوحة بعد انتهاء العمليات.
وإذا ظل التعاون الإقليمي متعطلاً، وبقي سكان الأطراف مكشوفين، فلن تمنع الدورات التدريبية انتقال المسلحين إلى ممر آخر. هذا هو حد الدور الأطلسي اليوم، فيستطيع الحلف دعم أجهزة تعمل وتثق بها مجتمعاتها، ولا يستطيع أن يصنع تلك الثقة نيابة عنها.
بقلم مازن بلال
رئيس جنوب إفريقيا يدعو “بريكس” لتعزيز التعاون في مجال التكنولوجيات المتقدمة
