29 أغسطس 2026

فتح اعتراض التجمع الوطني للأحزاب الليبية على ما يتداول بشأن مسودة لجنة “4+4” سجالاً يتجاوز المفاضلة التقنية بين نظام القوائم والترشح الفردي.

طريقة انتخاب البرلمان تحدد، في الحالة الليبية، نوع القوى التي ستدخله، وشكل الكتل التي ستنشأ داخله، ومدى قدرة مراكز النفوذ السياسي والعسكري والمالي على التأثير في أعضائه، ويبدو الخلاف معركة مبكرة على بنية السلطة المقبلة أكثر منه نقاشاً محايداً في آليات الاقتراع.

اعتراض يسبق نشر الاتفاق

وقعت لجنة “4+4” بالأحرف الأولى في تونس، في 20 أغسطس 2026، مسودة اتفاق قالت بعثة الأمم المتحدة إنها تنجز الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق، عبر إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل الإطار الانتخابي.

واتفق المشاركون على اجتماع جديد داخل ليبيا قبل نهاية الشهر لاستكمال ترتيبات التنفيذ والإعلان الرسمي.

التوقيع بالأحرف الأولى يعني اعتماد مشروع قابل للاستكمال، وليس اتفاقاً نهائياً ملزماً، وأكدت البعثة الأممية لاحقاً أن التفاصيل المتداولة لا تعكس بدقة ما تم الاتفاق عليه، ووعدت بنشر النص بعد اكتمال العملية.

هذا التحفظ يجعل موقف الأحزاب اعتراضاً على احتمال مستند إلى تسريبات، لا مواجهة مع نص معلن، لكنه يفسر أيضاً استعجالها، لأن انتظار الإعلان يحول القواعد الجديدة إلى أمر واقع يصعب تغييره.

طالبت الأحزاب بنشر المسودة كاملة وإخضاعها لنقاش وطني، وهو مطلب يكتسب وجاهته من أثر الاتفاق المباشر في حق المشاركة، حتى إن كانت سرية المداولات ضرورية خلال التفاوض.

الفرق بين قانونين ورؤيتين للبرلمان

يتمحور القلق حول احتمال العودة إلى القانون رقم 10 لسنة 2014، الذي اعتمد على نظام الصوت الواحد لانتخاب مجلس النواب من مرشحين أفراد، ما يعني أن الناخب يختار مرشحاً واحدا ًفقط، وبعد الفرز، يفوز المرشحون الذين حصلوا على أعلى الأصوات بعدد المقاعد المتاحة، كما خصص 16 في المئة من مقاعده لمنافسة النساء.

أما القانون رقم 27 لسنة 2023، الذي صاغته لجنة “6+6″، فأنشأ صيغة مختلطة لمجلس نواب من 297 عضوا؛ 152 عبر قوائم مغلقة تقدمها الأحزاب وفق التمثيل النسبي، و145 بالترشح الفردي، بينما جعل مقاعد مجلس الشيوخ التسعين فردية.

العودة إلى الصيغة الفردية، إذا أثبتها النص المنشور، لا تمنع أعضاء الأحزاب من الترشح بأسمائهم، لكنها تلغي الحزب بوصفه مؤسسة انتخابية تحمل برنامجاً وتخضع للمحاسبة.

يرى التجمع أن نظام القوائم يمنح الناخب جهة سياسية محددة يحاسبها على برنامجها وحصيلة أدائها البرلماني، بينما يؤدي اجتماع المستقلين في تحالفات متبدلة إلى تشتيت المسؤولية وصعوبة تحديد الطرف المسؤول عن القرارات والإخفاقات.

يعزز قانون 2023 هذا المبدأ باعتبار المقعد الذي تحصده القائمة حقاً للحزب لا للنائب، بما يقلص تبدل الولاءات وانتقال الأعضاء بين الكتل بعد انتخابهم.

تجربة 2014: دليل مهم لا حكم نهائي

تستند الأحزاب إلى تجربة مجلس النواب المنتخب عام 2014، حين خاض جميع المرشحين السباق كمستقلين.

تظهر بيانات الاتحاد البرلماني الدولي أن 1.5 مليون ناخب فقط سجلوا آنذاك، مقابل 2.7 مليون عام 2012، وأن 630 ألفاً شاركوا، أي 41.7% من المسجلين، مقابل 62% في انتخابات 2012 ذات النظام المختلط، ثم دخل المجلس في انقسامات سياسية ومؤسسية طويلة وتبدلت داخله التحالفات.

هذه الوقائع تدعم التحذير من برلمان شديد التفتت، لكنها لا تثبت أن النظام الفردي كان سبب الأزمة وحده، فالحرب والانقسام، وانتشار السلاح، والتدخلات الخارجية، والخلاف على الشرعية الدستورية كلها ساهمت في تفكيك المؤسسات.

يمنح النظام الفردي المجتمعات المحلية تمثيلاً مباشراً ويقلل سلطة القيادات الحزبية على اختيار المرشحين.

في المقابل، تجعل البيئة الليبية النائب المنفرد أكثر تعرضاً لضغط المال والسلاح والروابط الجهوية، بينما تستطيع القوائم إنتاج كتل أوضح وأكثر قدرة على العمل التشريعي المستمر.

أحزاب ضعيفة تدافع عن وظيفة ضرورية

يكشف الاعتراض مفارقة أساسية، فإقصاء الأحزاب يضعف التعددية، لكن الأحزاب الليبية نفسها لم تبن بعد قاعدة شعبية وتنظيمية تجعلها ممثلاً مقنعاً للمجتمع.

حظر نظام معمر القذافي العمل الحزبي لعقود، وبعد سقوطه أتاح قانون تنظيم الأحزاب رقم 29 لسنة 2012 تأسيسها، فظهر نحو مئة حزب خلال أشهر، وبعد أكثر من عقد بقي الانتشار الاجتماعي لكثير منها ضعيفاً، وظل تمويلها غير شفاف.

أظهر تقرير “BTI 2024” (تقرير مؤسسة برتلسمان الألمانية لتقييم أوضاع الدول النامية والانتقالية) استناداً إلى مسح أجرته مؤسسة كونراد أديناور عام 2020، أن 22% فقط من الليبيين المستطلعين يثقون بالأحزاب.

ضعف الثقة منع الأحزاب من احتكار خطاب الديمقراطية، لكنه لا لم يجعل حذفها من الانتخابات علاجاً، فالعمل الحزبي لا ينضج خارج المنافسة، كما أن السماح للحزبي بالترشح فردياً يفصل المرشح عن البرنامج الذي يفترض أن يحاسبه الناخب عليه.

تحتاج الأحزاب في المقابل إلى ديمقراطية داخلية وفروع خارج المدن الكبرى وتمويل معلن وبرامج اقتصادية وخدمية قابلة للقياس، لا الاكتفاء ببيانات دفاعية عند اقتراب الاستحقاقات.

وفي بيان منفصل، طالبت تنسيقية الأحزاب والتكتلات السياسية بتخصيص ما لا يقل عن 80% من مقاعد مجلسي النواب والشيوخ للقوائم الحزبية، ووقعت البيان سبعة أحزاب هي: السلام والازدهار، والمدني الديمقراطي، وتحالف القوى الوطنية، والتفاؤل، وليبيا للجميع، والوطني الوسطي، وحزب ليبيا الأمة (ليبو).

هذا الطرح يتجاوز الدفاع عن توازن قانون 2023، ويكشف مصلحة واضحة للأحزاب في توسيع حصتها، كما يثير سؤالاً حول امتلاك كيانات ضعيفة الامتداد ما يكفي لاحتكار أربعة أخماس التمثيل، فالصيغة الأكثر توازناً تحمي حضور الأحزاب من دون تحويل القوائم إلى حصص مضمونة لنخب حزبية محدودة.

قانون الانتخابات بوصفه خريطة للسلطة

يخفي الجدل صراعاً أوسع على شكل البرلمان الذي سيتعامل مع الرئاسة والحكومة وتوزيع الموارد والمناصب السيادية.

البرلمان الفردي أكثر قابلية لتشكيل تحالفات مرنة، لكنه يجعل النواب أكثر عرضة للاستمالة الفردية من جانب مراكز النفوذ، والبرلمان الحزبي ينتج كتلا ًمتماسكة، لكنه ينقل المحاصصة من الأفراد والمناطق إلى قيادات الأحزاب.

ولا توجد صيغة محايدة، فكل نظام يوزع القوة بصورة مختلفة ويخلق رابحين وخاسرين قبل فتح صناديق الاقتراع.

وتزداد الشكوك السياسية حول شكل البرلمان مع تحرك مسار أميركي مواز يقوده مسعد بولس لتقريب مراكز القوة في الشرق والغرب وتوحيد السلطة التنفيذية.

وتبقى تفاصيل المبادرة الأميركية بدورها غير منشورة، وتزامن المسارين يغذي الخشية من أن تصبح القواعد الانتخابية جزءاً من تسوية أوسع توزع السلطة قبل الانتخابات.

يعزز هذا المعنى اعتراض رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي على الغموض، ودعوته إلى أساس قانوني واضح وانتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة بدلاً من ترتيبات جديدة لتقاسم المواقع، كما تمنح أزمات الكهرباء والخدمات والاضطراب الأمني التسويات السريعة جاذبية مؤقتة، لكنها تزيد كلفة إنتاج سلطة جديدة تفتقر منذ ولادتها إلى قبول سياسي واسع.

أين يتشكل خطر التعطيل؟

تملك الأحزاب الليبية قدرة محدودة على تعطيل الانتخابات بمفردها، لأن بياناتها لا تمنحها حق نقض قانوني أو مؤسساتي.

يكتسب الاعتراض الحزبي ثقلاً أكبر إذا تقاطع مع تحفظات داخل المجلس الأعلى للدولة، وانتقادات رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، والخلاف على إعادة تشكيل مجلس المفوضية.

في هذه الحالة، يتجاوز النزاع حصة القوائم ليمس الأساس القانوني للتعديلات والجهة المخولة باعتمادها، ما يضع المسار الانتخابي أمام أزمة شرعية.

يرتبط الخلاف بجمع لجنة “4+4” بين تعديل القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس المفوضية ضمن حزمة واحدة، ويسمح هذا الربط بتبادل التنازلات بين الأطراف، عبر قبول أسماء مجلس المفوضية مقابل تمرير صيغة انتخابية معينة، أو الموافقة على حصة القوائم مقابل تسوية ترتيبات أخرى.

كما يزيد تزامن المسار الأممي مع المبادرة الأميركية الخاصة بتوحيد السلطة التنفيذية مخاوف استخدام قانون الانتخابات لتثبيت صفقة بين مراكز القوة قبل الاحتكام إلى الناخبين.

يكشف طلب تخصيص 80% من المقاعد للقوائم أن الأحزاب رفعت سقفها إلى ما يتجاوز الدفاع عن قانون 2023، الذي منحها 152 مقعداً من أصل 297 في مجلس النواب، وتدفع موازين المصالح نحو الإبقاء على صيغة مختلطة مع تعديل نسب القوائم وشروطها، لأن النظام الفردي الخالص يخلق جبهة حزبية رافضة، بينما يمنح النظام الحزبي شبه الكامل قيادات ضعيفة شعبياً سلطة لا تتناسب مع وزنها المثبت انتخابياً.

يتشكل العائق الحقيقي عندما تبدأ المفوضية العمل استنادا ًإلى قانون تطعن قوى مؤثرة في شرعيته، فتتحول الانتخابات من وسيلة لإنهاء الانقسام إلى مصدر لشرعيتين متنافستين.

لا يكمن الاختبار في قدرة الأحزاب على المقاطعة، بل في قدرة الأطراف الخاسرة على قبول قواعد الاقتراع ونتائجه، فالبرلمان الذي تبدأ معركة شرعيته قبل انتخابه سيحمل أسباب انقسامه منذ لحظة تأسيسه.

بقلم: نضال الخضري

مالطا تُبقي على مبعوثها الخاص في ليبيا رغم الاتهامات بتعذيب المهاجرين

اقرأ المزيد