يوثق معرض “تجارة الأحلام” في القاهرة قرناً من الإعلانات المصرية، كاشفاً تحولات المجتمع ومفاهيم الجمال والحداثة والاستهلاك عبر عقود مختلفة.
ويستضيف “فيوتشر غاليري” بحرم الجامعة الأميركية في ميدان التحرير معرض “تجارة الأحلام”، الذي يستمر حتى نهاية سبتمبر، ويضم مقتنيات تجارية نادرة وصوراً أرشيفية لإعلانات طبعت ذاكرة المصريين.
ومن بين المعروضات عبوة مشروب “مصر كولا”، الذي كان رائجاً قبل عقود قبل اختفائه من الأسواق وتحوله إلى قطعة يبحث عنها هواة جمع المقتنيات، إلى جانب منتجات قديمة مثل شوكولاته “كوفورتينا” ومسحوق غسيل “رابسو”.
ويصاحب المعرض كتاب بحثي توثيقي للأكاديمية ومؤرخة الفن المصرية بهية شهاب بعنوان “تجارة الأحلام… قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر”، صادر عن دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة.
ويتتبع الكتاب الإعلانات المنشورة بصورة رئيسية في الصحف والمجلات بين عامي 1880 و1980، مستكشفاً من خلالها التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي شهدها المجتمع المصري.
ولا تقتصر الدراسة على السلع التي روجت لها الإعلانات، بل تتناول الأفكار والتطلعات المرتبطة بها، إذ قدمت الدعاية صوراً للحداثة والتحضر ومواكبة العصر، وأسهمت في تشكيل تصورات مرتبطة بالمظهر والملابس والطعام وتصفيف الشعر.
وترى شهاب أن هذه الظاهرة شكلت نوعاً من “تجارة الأحلام”، إذ استورد المجتمع عبر الإعلانات أفكاراً عن الحياة الحديثة، في مقابل تصدير مصر لغتها البصرية إلى الخارج.
وتشير إلى استخدام إعلانات غربية عناصر مستوحاة من الفن المصري القديم، خصوصاً في الترويج للتبغ ومنتجات أخرى، ما يعكس تبادلاً بصرياً بين مصر والغرب، وإن كانت ترى أن الجانب المصري “اشترى أكثر مما باع” في هذه العملية.
ويقدم المعرض محتوياته وفق تسلسل زمني يسمح برصد تغير لغة الإعلان وصوره بين العقود المختلفة، بما يكشف تحولات النظرة إلى الجمال والمرأة والحداثة والهوية.
وبحسب شهاب، اتسمت الفترة من 1900 إلى 1920 بكثرة التجارب والاكتشافات في صناعة الإعلان، قبل أن تتضح ملامحها خلال الثلاثينات وتدخل ما وصفته بـ”العصر الذهبي للإعلانات” في الأربعينات.
ولم تكن صناعة الإعلان منفصلة عن التحولات السياسية، إذ انعكست ثورة 1952 على الخطاب الإعلاني، ثم ترك النظام الاشتراكي في الستينات بصمته على الإعلانات، قبل أن تعيد سياسات الانفتاح في عهد الرئيس أنور السادات تشكيل صور الاستهلاك والرفاهية والحداثة.
كما يسجل المعرض تغير معايير الجمال المرتبطة بالجسد عبر الزمن، ففي مراحل معينة روجت الإعلانات للامتلاء باعتباره مرغوباً، قبل أن يصبح إنقاص الوزن هدفاً، بالتوازي مع التركيز على الشباب وإخفاء التجاعيد والشعر الأبيض.
ولا يعتمد “تجارة الأحلام” على الصور الإعلانية وحدها، بل يعرض إلى جانبها عبوات ومقتنيات وملصقات من الفترات الزمنية نفسها، بهدف تقديم صورة أوسع للثقافة المادية التي صنعتها الدعاية التجارية.
واستغرق البحث عن مقتنيات المعرض نحو ثلاثة أعوام، وشمل زيارة أسواق والتواصل مع هواة جمع القطع القديمة وأصحاب مجموعات خاصة.
أما المادة الإعلانية، فجمعت أساساً من أرشيف مكتبة الكتب النادرة في الجامعة الأميركية، ضمن مشروع بدأ بمنحة من الجامعة وفريق ضم ثلاثة أو أربعة باحثين عملوا على أرشيفات الصحف والمجلات والمراجع.
وأسفر العمل البحثي عن جمع نحو ثمانية آلاف إعلان، اختير منها 350 إعلاناً لنشرها في الكتاب، لتتحول “تجارة الأحلام” من توثيق لتاريخ العلامات التجارية إلى قراءة بصرية لتغير المجتمع المصري على امتداد قرن.
مصر ترحب بإنشاء مجمع صناعي صيني
