مشروع قانون أمريكي مطروح أمام الكونغرس يربط إقامة شراكات مع السودان في الزراعة والتجارة والتعدين بوجود سلطة مدنية شرعية، ما قد يقيّد قدرة سلطة الأمر الواقع في بورتسودان على إبرام اتفاقيات استراتيجية، خصوصاً المتعلقة باستغلال الموارد الطبيعية.
ويرى خبراء أن غياب سلطة دستورية تستند إلى مؤسسات تشريعية منتخبة يثير تساؤلات بشأن شرعية توقيع اتفاقيات طويلة الأجل، ويجعلها عرضة للطعن القانوني مستقبلاً، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بالعقوبات الأمريكية والنزاعات المحتملة حول صلاحية التعاقد وملكية الموارد.
ويشير هؤلاء إلى أن الموقف الأمريكي يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الجوانب الاقتصادية، لا سيما أن المشروع لا يزال قيد المناقشة ولم يُقرّ بعد، ما يعني أن الشراكات المقترحة تظل رهناً بمسار التشريع وتوافر شروطه.
وفي ظل غياب حكومة مدنية منتخبة، تبقى هذه الشراكات مجرد تصورات تشريعية لا يُتوقع أن تتحول إلى اتفاقيات نافذة إلا في ظل سلطة تتمتع بالشرعية الدستورية، وقادرة على تحقيق الاستقرار السياسي وإرساء إطار قانوني يحظى بقبول السودانيين.
وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي أواب عزام البوشي إن مشروع القانون الأمريكي المتعلق بالسودان يأتي في إطار مساعٍ تحفيزية لإنهاء الحرب ودفع البلاد نحو الانتقال إلى الحكم المدني.
وأضاف البوشي، في تصريحات صحفية، أن عضو الكونغرس الأمريكي جيم بيرد طرح مشروع قانون في مجلس النواب يفتح المجال أمام إقامة شراكات مع السودان في قطاعات الزراعة والتجارة والتعدين، لكنه يربط ذلك بوجود سلطة مدنية شرعية.
وأوضح أن المشروع يشترط وجود سلطة حاكمة ذات شرعية، بقيادة مدنية، وقادرة على تحقيق الاستقرار السياسي، مؤكداً أن مستقبل الشراكات الاقتصادية مع الولايات المتحدة يرتبط بطبيعة السلطة الحاكمة، وليس بمجرد سيطرة سلطة الأمر الواقع على مؤسسات الدولة.
ومن الناحية القانونية، قال الخبير كمال محمد الأمين إن مبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية يعود إلى الدولة وشعبها، وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1803 الصادر عام 1962، وليس إلى الجهة التي تتولى السلطة بصورة مؤقتة.
وأضاف الأمين، في تصريحات صحفية، أن العقود المبرمة في ظل الوضع الحالي قد تواجه طعوناً من حكومة مدنية تتولى السلطة مستقبلاً، خصوصاً إذا ثبتت مخالفة إجراءات الترخيص أو تجاوز الجهة الموقعة للصلاحيات المخولة لها.
وأشار إلى أن العقوبات الأمريكية المفروضة بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 الصادر عام 2023، والتي شملت كيانات سودانية، من بينها شركات عاملة في القطاعين العسكري والتعديني، تستدعي التحقق من قوائم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC) قبل إجراء أي تعاملات ذات صلة.
ولفت إلى أن المادة 7008 من قوانين الاعتمادات الأمريكية تفرض قيوداً على تقديم المساعدات المباشرة إلى حكومة أُطيحت قيادتها المنتخبة بانقلاب عسكري، ما يضيف بُعداً قانونياً آخر إلى العلاقة بين واشنطن والسلطات القائمة في السودان.
وأكد الأمين أن إقرار مشروع القانون بصيغته الحالية، إذا ربط الشراكات الاقتصادية صراحة بوجود سلطة مدنية شرعية، سيضع التعاملات الرسمية مع السلطة الحالية أمام قيود إضافية، وفقاً للشروط التي سيعتمدها التشريع النهائي.
وفي ما يتعلق بصلاحية التوقيع على الاتفاقيات، أوضح الأمين أن تعليق أجزاء من الوثيقة الدستورية عقب أحداث أكتوبر 2021، وغياب سلطة تشريعية انتقالية فاعلة، يثيران تساؤلات بشأن الأساس الدستوري لإبرام اتفاقيات استراتيجية طويلة الأجل، ولا سيما تلك التي تتطلب عادة إجراءات تصديق أو رقابة تشريعية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن أي اتفاق تعدين يُبرم في ظل الظروف الراهنة قد يواجه ثلاثة مخاطر رئيسية، تتمثل في العقوبات الأمريكية، واحتمال الطعن مستقبلاً في صلاحية الجهة التي أبرمته، والنزاعات المتعلقة بحقوق ملكية الموارد واستغلالها.
وشدد على أن مشروع القانون الأمريكي، ما دام لم يُقرّ بعد، لا يمثل في مرحلته الحالية أكثر من مؤشر سياسي على الشروط التي قد تحكم مستقبل التعاون الاقتصادي بين واشنطن والسودان.
اغتيال وضرب مبرح يوقعان ثلاثة لاجئين سودانيين في معسكرات شرق تشاد
