15 يوليو 2026

تضع الوقائع التي كشفتها مجلة ” تابلتكا” الأميركية أن مسعد بولس، المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا، في قلب شبكة متداخلة من العلاقات العائلية والدينية والتجارية، تزامن تمددها مع اتساع نفوذه الدبلوماسي في دول هشّة وغنية بالموارد.

بنى التحقيق أسئلته على هذا التداخل وتكرار المصادفات، لا على عقد أو سجل دفعات يثبت تلقي بولس رشوة أو امتلاكه حصة سرية في شركة نفط، كما لم تُوجَّه إليه تهمة رسمية.

الخطورة في النمط الذي ترسمه الوقائع، فهناك مسؤول أميركي واسع النفوذ، ومرتبط عائلياً بالرئيس دونالد ترامب، يتحرك في دول هشّة وغنية بالموارد، فيما تظهر على هامش تحركاته الرسمية شركات وأصدقاء ومعارف عائلية في مواقع تتيح لهم أرباحا استثنائية.

إنها منطقة رمادية لا تثبت الجريمة، لكنها تجعل غياب الشفافية بحد ذاته قضية سياسية.

من تاجر معدات إلى دبلوماسي واسع النفوذ

بولس، اللبناني الأصل الذي أمضى قرابة ثلاثة عقود في لاغوس، انتقل من إدارة شركة تستورد وتؤجر الشاحنات ومعدات البناء إلى إدارة ملفات تمتد من ليبيا والسودان إلى الكونغو والقرن الإفريقي.

صورته الشائعة بوصفه “مليارديرا” اهتزت بعدما أظهرت مراجعة للسجلات أن شركة “SCOA Nigeria” التي يديرها حققت أرباحاً تقل عن 66 ألف دولار في عام، وقيمتها السوقية لا تتجاوز مئات آلاف الدولارات.

ينفي بولس أن يكون قدّم نفسه يوماً بوصفه مليارديرا، معتبرا هذا الوصف خلط إعلامي بين أعماله وإمبراطورية عائلة زوجته، لكن صعوده في واشنطن لم يستند إلى حجم ثروته أو وزن شركته، بقدر ما استمد زخمه من المصاهرة التي جمعت ابنه مايكل بتيفاني ترامب.

“صفقة بولس”.. توحيد ليبيا أم تثبيت حكم العائلتين؟

منذ صيف 2025، فرض بولس نفسه كأبرز دبلوماسي أجنبي في ليبيا، وزار طرابلس وبنغازي نحو ست مرات خلال عام، والتقى القادة الرئيسيين ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط ومحافظ المصرف المركزي.

يدفع بولس نحو تسوية تجمع معسكري الشرق والغرب ضمن سلطة موحدة، عبر توزيع منصبي الرئاسة ورئاسة الحكومة بين طرفي الانقسام، مدعومة بحوافز نفطية وترتيبات أمنية.

حقق المسار موازنة موحدة هي الأولى منذ 13 عاماً، وتدريبات وغرف عمليات مشتركة، لكنه لم ينتج وثيقة منشورة أو ضمانة انتخابية.

هنا يظهر التناقض، فما يُسوق كتوحيد للدولة يتحول إلى تكريس مراكز القوة وإعادة إنتاج الانقسام ضمن صيغة جديدة لتقاسم النفوذ.

“أيتيو” النيجيرية.. عقد نفطي وسجل مثير للأسئلة

يربط تحقيق ” تابلتكا” اسم مسعد بولس بصفقة شركة “أيتيو” النيجيرية عبر توقيت تحركاته الرسمية في ليبيا، وصلاته غير المباشرة بمؤسس الشركة.

في أواخر يناير 2026، زار بولس ليبيا والتقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة، حيث تناولت المباحثات فرص توسيع التعاون في قطاعات رئيسية، وفي مقدمتها الطاقة.

بعد أسبوعين على الزيارة، منحت المؤسسة الوطنية للنفط شركة “أيتيو” حق التنقيب عن النفط والغاز في رقعة بحوض مرزق جنوب غربي ليبيا، ضمن أول جولة تراخيص تفتحها البلاد أمام الشركات الأجنبية منذ سقوط نظام القذافي عام 2011.

تزداد أهمية هذا التزامن مع ما نقلته ” تابلتكا” عن مصدر أميركي على اتصال بمسؤولين في طرابلس، حيث أوضح أن بولس أوصى بالشركة للحصول على امتيازات نفطية في ليبيا.

في المقابل، نفى بولس مناقشة “أيتيو” مع المسؤولين الليبيين، مؤكدا أنه لم يكن يعرف الشركة أو مؤسسها بينيديكت بيترز.

تثير أهلية الشركة بدورها أسئلة إضافية؛ فعلى الرغم من أن “أيتيو” تعد أكبر شركة نفط خاصة محلية في نيجيريا، فإنها لم تنفذ عمليات استخراج خارج البلاد، كما واجهت إجراءات مرتبطة بالديون في لندن ولاغوس.

كما ربط مدعون بريطانيون مؤسسها ومديرها التنفيذي بعلاقة وثيقة مع وزيرة النفط النيجيرية السابقة ديزاني أليسون مادويكي، التي خضعت لتحقيقات استمرت سنوات على خلفية شبهات تتعلق بعائدات نفطية بمليارات الدولارات، قبل تبرئتها في يونيو 2026 من تهم الرشوة التي حوكمت عليها.

لا تقوم المسألة على حصول شركة نيجيرية على امتياز ليبي فحسب، بل على تزامن ذلك مع نشاط بولس الدبلوماسي في قطاع الطاقة، وورود شهادة بأنه أوصى بالشركة، مقابل نفيه الكامل أي معرفة سابقة بها.

من تبرع الكنيسة إلى امتيازات النفط الليبية

تكتسب رواية توصية بولس بشركة “أيتيو” حساسية إضافية عند تتبع الصلات المحيطة بمؤسسها بينيديكت بيترز.

في عام 2011، قدّم بيترز ” مؤسس شركة أيتيو”  تبرعا بقيمة مليون دولار إلى كنيسة “هاوس أون ذا روك” التي كانت ترتادها سارة بولس، قبل أن يتولى قس الكنيسة مباركة زفاف مايكل بولس وتيفاني ترامب، كما وصف بيترز نفسه عبر إنستغرام بأنه “صديق” لمسعد بولس، وهي معطيات تضع نفي الأخير معرفته ببيترز أمام سؤال مباشر.

لا تقف خريطة التقاطعات عند “أيتيو”، حيث يقود المسار الآخر إلى شركة “BGN” التركية ومديرتها رؤيا بايغان، التي دخلت سوق النفط الليبية عام 2021، ثم توسعت بسرعة لافتة حتى أصبحت بحلول 2024 مسؤولة عن نحو ربع الصادرات النفطية الليبية.

تتصل هذه الحلقة ببولس عبر شبكة العلاقات التي جمعت دائرته العائلية برؤيا بايغان، ففي عام 2025، أمضى مايكل بولس وتيفاني ترامب عطلة على متن يخت تملكه بايغان وزوجها، بينما أقرّ ممثل بولس بوجود معرفة اجتماعية بين الطرفين وصداقة بين مايكل وابن بايغان.

لاحقا اقترح بولس إشراك “BGN” في مشروع معادن ممول أميركيا في الكونغو، وهو ما نفاه إلى جانب نفي الشركة حصولها على فرص بفضل نفوذ سياسي أو علاقات شخصية.

وتبرز أهمية هذه الصلات بالنظر إلى حجم مصالح “BGN” في ليبيا؛ القائم على التعامل مع نصف صادرات الشركة من النفط الليبي عبر نظام مقايضة يمنح النفط الخام مقابل مشتقات مكررة.

رافق هذا النظام، الذي وصفه خبراء بأنه “صندوق أسود”، تضاعف واردات المشتقات بين 2021 و2023، وارتفاع الإعانات الحكومية إلى ثلاثة أمثالها، وبلوغ استهلاك الوقود للفرد ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي.

ثماني شركات وأرباح بمليارات الدولارات

تكتسب صلات بولس بشركة “BGN” أهمية أكبر عند النظر إلى موقعها داخل نظام المقايضة؛ فكشف تقرير سري لديوان المحاسبة أن الشركة واحدة من ثماني شركات حديثة التأسيس، تفتقر إلى سجل مهم في تجارة النفط، دخلت النظام من دون الخضوع لإجراءات التأهيل المعتادة.

حصلت “BGN” وشركتان تابعتان لها على 2.7 مليار دولار من أصل ثمانية مليارات من النفط المصدر سنويا في هذا النظام، فيما قُدرت كلفه الإضافية بنحو 981 مليون يورو، شاملة عمولات التجار.

وحسب المصادر فإن أرباح “BGN” بلغت في ذروة نشاطها بين 300 و500 مليون دولار شهريا، أي خمسة إلى ثمانية مليارات خلال أقل من ثلاث سنوات.

من يخت فاخر إلى صفقات معادن الكونغو

في امتداد لمحاولة إدخال “BGN” إلى مشروع المعادن في الكونغو، تقول “تابلتكا” إن الموافقات المتعلقة بالمشروع تأخرت أكثر من خمسة أشهر أملا بانضمام الشركة.

كما حثّ موظف في البيت الأبيض شركة أميركية أخرى على بحث إشراك “BGN” في صفقة تعدين منفصلة، رغم أن خبرتها الأساسية في تجارة النفط والغاز.

خلال الفترة نفسها، حصلت “BGN” على تمويل بقيمة 500 مليون دولار من تحالف يضم بنوكا إماراتية مرتبطة بالدولة.

وتضيف هذه الوقائع بعدا إلى القضية، فلم يعد الأمر محصورا في العلاقات الاجتماعية، بل امتد إلى تحركات داخل دوائر القرار الأميركي لفتح قطاع جديد أمام الشركة، من دون خبرة سابقة واضحة في مجال التعدين.

الأصول المجمدة.. جائزة بقيمة 70 مليار دولار

الجائزة الكبرى هي نحو 70 مليار دولار من أصول صندوق الثروة السيادي الليبي المجمّدة في المصارف الأميركية منذ 2011.

هذه ليست استثمارات أميركية جديدة، بل أموال ليبية بقيت ملكا لليبيا ومُنع نقلها أو التصرف بها لحمايتها في زمن الانقسام.

تفيد المعطيات بأن طرابلس طلبت مساعدة بولس لتخفيف التجميد مقابل توجيه الأموال إلى شركات أميركية في الطاقة والبنية التحتية والاتصالات، وتم إبرام صفقة بقيمة 235 مليون دولار مع “هيل إنترناشيونال”، وتوسعت شراكات “كونوكو فيليبس”، ومُهد لعودة “شيفرون”، فيما رُفع هدف الإنتاج من نحو 1.3 مليون برميل حاليا إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً، لكن عشرات المليارات ما تزال وعدا، لا استثمارا قائما.

وفق هذه المعطيات يصبح مصير الأصول المجمّدة مثار قلق حقيقي؛ فجُمدت لمنع نهبها، لكنها تُحرر عبر تسوية تفتقر إلى الشرعية والرقابة.

منصب غامض وإفصاح مالي مفقود

يزداد القلق لأن بولس يعمل بصفة موظف سياسي من الفئة “ج” واتساع صلاحياته واستمراره أكثر من 180 يوماً يثير سؤالا حول عدم طرح تعيينه على مجلس الشيوخ.

كما أن إفصاحه المالي العام “OGE 278e” وفق “تابلتكا” لا يظهر في قاعدة مكتب أخلاقيات الحكومة، ووزارة الخارجية تؤكد أنه ملتزم بكل المتطلبات، لكنها لم توضح أن كان النموذج قُدم فعلا أو لماذا لا يتاح.

وفي إدارة شهدت تدفق استثمارات بمليارات الدولارات إلى أعمال مرتبطة بأصهار ترامب وأبنائه وشركائه، لا تكفي الطمأنة الإدارية بديلا من الإفصاح.

كشفت ” تابلتكا” نظاما عاجزا عن تبديد الشبهات، ما يجعل نشر نص المبادرة التي أطلقها بولس، وعقود النفط وأسماء المستفيدين منها وإفصاح بولس المالي، وإخضاع رفع تجميد الأصول لرقابة ليبية ودولية مستقلة، شروطا لحماية الثروة السيادية.

من دون ذلك، تتحول “صفقة بولس” من مشروع لتوحيد ليبيا إلى إعادة تعريف للنهب، أقل صخباً من الحرب وعنوان دبلوماسية.

بقلم مازن بلال

القضاء النيجيري يحقق في تهريب أسلحة من ليبيا إلى إرهابيين

اقرأ المزيد