10 يوليو 2026

تدخل مبادرة مسعد بولس إلى المشهد الليبي من الباب الأكثر حساسية؛ المال والنفط والمؤسسة العسكرية، وتوزيع السلطة بين قوى الأمر الواقع.

ظاهر المبادرة توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي، أما جوهرها فهو أقرب إلى هندسة أميركية لاستقرار مضبوط يخدم مصالح واشنطن قبل أن يفتح باب الدولة أمام الليبيين، وهذا الفارق يجعل المبادرة مثيرة للجدل، لأن التجربة الليبية عرفت عشرات المسارات التي تحدثت عن الانتخابات، ثم انتهت إلى تدوير النخب نفسها، وإطالة المرحلة الانتقالية، ومنح الخارج قدرة أكبر على إدارة الأزمة بدل حلها.

تقوم الخطة، وفق ما يرد في التصريحات والتسريبات، على توحيد الحكومة والمؤسسات السيادية، وضمان استقرار قطاع النفط، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، وبناء قنوات تعاون أمنية بين الشرق والغرب.

تحدث بولس عن مسار بدأ قبل أكثر من عام، وتفاهمات دخل بعضها مرحلة التنفيذ، بينها الموازنة الموحدة، ومناورات عسكرية مشتركة، وغرف عمليات أمنية تضم ممثلين عن الجانبين.

هذه المعطيات تمنح  المبادرة مظهراً عملياً، لكنها تكشف أيضاً أولويتها الحقيقية في ترتيب الموارد والسلاح قبل تفويض الشعب.

سلطة جديدة بأسماء قديمة

تتركز المبادرة على دمج تدريجي للمؤسسات المنقسمة، خصوصاً مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، ثم إعادة تشكيل السلطة التنفيذية عبر حكومة موحدة ومجلس رئاسي جديد.

تتحدث التسريبات الأكثر حساسية عن إعادة تركيب هرم السلطة من خلال توزيع المواقع التنفيذية والسيادية بين مراكز النفوذ القائمة، لا عبر مسار انتخابي واضح أو تفويض شعبي مباشر.

هذه الصيغة لا تؤسس انتقالاً سياسياً، بل تعيد إنتاج الأزمة بواجهة جديدة، لأنها تمنح الاستقرار الظاهري أولوية على الشرعية، وتحوّل توحيد المؤسسات إلى عملية ضبط للنفوذ أكثر من كونه مدخلاً لبناء دولة خاضعة للمساءلة.

الجدول المتداول يزيد الريبة بدل طمأنة الليبيين، فالحديث عن حكومة توافقية في ديسمبر 2026، وانتخابات برلمانية منتصف 2027، مع تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى حين حسم الخلافات الدستورية، يعني عمليا شراء مزيد من الوقت.

الانتخابات الرئاسية هي العقدة التي تعطي الشعب فرصة تحقيق خياراته، وتأجيلها يحول المبادرة إلى جسر آمن للفاعلين المسلحين والماليين، لا إلى طريق نحو الشرعية.

الموازنة الموحدة تبدو الإنجاز الأهم في يد واشنطن، ففي أبريل 2026 تم إقرار أول موازنة موحدة منذ 2013 بقيمة 190 مليار دينار ليبي، أي نحو 29.95 مليار دولار، مع توزيع واضح لبنود الرواتب والتنمية والدعم وتمويل المؤسسة الوطنية للنفط.

هذا الإنجاز المالي يفقد قيمته إذا بقي مجرد أداة لضبط التدفقات المالية لا لبناء نظام رقابي واضح، فالموازنة الموحدة لا تكفي لتوحيد الدولة ما لم تخضع لقواعد شفافة في الإنفاق، ومحاسبة فعلية، ومؤسسات قادرة على منع تحويل المال العام إلى وسيلة لإدارة التوازنات السياسية.

واشنطن والمال.. النفط قبل الديمقراطية

تقرأ الولايات المتحدة ليبيا اليوم كخزان طاقة وساحة نفوذ وموقع متقدم في مواجهة أي تمدد آخر، ومقاربة بولس أقرب إلى منطق رجل الأعمال منها إلى منطق بناء الدولة.

المطلوب أميركياً استقرار خطوط النفط والدولار والاستثمار،  وهذا لا علاقة له بالعقد الاجتماعي الليبي، فبعض التقارير الدولية ربطت الخطة بفرص شركات مثل شيفرون وكونوكو في السوق الليبية، وبطموح رفع الإنتاج النفطي خلال السنوات المقبلة.

يبقى استقرار النفط عاملاً أساسياً في ليبيا، لأن الاقتصاد قائم إلى حد كبير على الريع النفطي، وأي اضطراب في الإنتاج أو في عمل مصرف ليبيا المركزي ينعكس مباشرة على معيشة المواطنين، لكن الإشكال أن واشنطن تتعامل مع النفط بوصفه مدخلاً لترتيب السياسة، بينما يحتاج الليبيون إلى العكس؛ سياسة شرعية تضع النفط تحت سلطة الدولة ورقابتها.

هنا يظهر الفارق بين مسارين، الأول يبني دولة تملك مواردها، وآخر يدير مورداً نفطياً ضخماً وسط مؤسسات هشة وقوى مسلحة متنازعة.

الشرق الليبي.. الأمر الواقع لا شرعية الحل

تتعامل المقاربة الأميركية مع الشرق الليبي من زاوية الوزن العسكري والمؤسساتي القائم، لا من زاوية إنتاج تفويض سياسي جديد.

فالمبادرة، كما تظهر من مسار الاتصالات واللقاءات، لا تبدأ من سؤال الشرعية الانتخابية، بل من محاولة إدخال القوى الأكثر تماسكاً وتنظيماً في ترتيبات سياسية وأمنية أوسع.

هنا تكمن خطورة الآلية، لأنها تمنح موازين القوة القائمة موقعاً متقدماً في صياغة المرحلة المقبلة، قبل التعامل عبر مسار انتخابي واضح أو قاعدة دستورية متفق عليها.

تعزز اللقاءات الأميركية مع شخصيات عسكرية وسياسية من الشرق هذا الانطباع، وهي إشارة سياسية بـأن واشنطن تتعامل مع القوى المنظمة على الأرض باعتبارها رقماً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية.

كما أن تدريبات فلينتلوك 2026 في سرت، التي قدمتها أفريكوم بوصفها خطوة لدعم التنسيق وتطوير جيش ليبي موحد، أضافت بعداً أمنياً للمبادرة، وجعلت المسار السياسي مرتبطاً أكثر بترتيبات القوة والسلاح، لا فقط بالتوافق المدني والمؤسساتي.

الغرب الليبي.. مصراتة تكسر لغة الصفقات

العقدة الحقيقية للمبادرة في الغرب الليبي، فطرابلس ليست كتلة واحدة، ومصراتة ليست هامشاً يمكن تجاوزه.

الاحتجاجات التي رافقت زيارة بولس إلى مصراتة، وبيانات الرفض الصادرة حملت رسالة مباشرة، فأي اتفاق يوزع السلطة سيصطدم بالشارع وبقوى مسلحة ترى في الخطة شرعنة لعسكرة الدولة.

حكومة الدبيبة، منتهية الولاية، تتعامل مع المبادرة بحسابات باردة، فالصمت الرسمي لا يعكس رفضاً واضحاً ولا قبولاً معلناً، بل مناورة تنتظر ميزان الربح والخسارة، فبقاء الدبيبة أو دائرته في رئاسة الحكومة يجعل المبادرة قابلة للإغراء، لكنه يضعه في مواجهة جزء من حاضنته إذا ظهر كطرف في صفقة تمنح الشرق رأس المجلس الرئاسي، هذا الصمت  ينتظر صفقة سياسية مناسبة.

المجلس الرئاسي الحالي يرى في الخطة تهديداً مباشراً لوجوده، فإلغاء المجلس وإنتاج مجلس جديد يعني إخراج محمد المنفي من مركز التأثير، ما جعل المجلس يتحرك عبر مسارات بديلة، بينها التمسك بوثائق مبادئ وخارطة طريق مرتبطة بالمسار الأممي والانتخابات.

الصراع هنا ليس دستورياً فقط، بل صراع بقاء بين أجسام انتقالية تعرف أن أي إعادة تركيب للسلطة ستطيح ببعضها وتثبت بعضها الآخر.

مبادرة بلا وثيقة: الغموض كأداة اختبار

غياب وثيقة رسمية منشورة ليس نقصاً إجرائياً، فالغموض يعمل كأداة سياسية لاختبار ردود الفعل، وحرق أسماء، وقياس قدرة الشارع والقوى المسلحة على الاعتراض.

المبادرات الجادة تقدم نصوصاً وضمانات وجداول وآليات رقابة، أما التسريبات فتنتج سوقاً للمساومات، وهذا الأسلوب يفسر سبب الحديث عن أسماء بديلة مثل عبد الرزاق الناظوري عند اشتداد الاعتراض على شخصيات من الشرق الليبي.

المشكلة ليست في الاسم وحده، بل في المنهج، فالتغيير لا يمس طبيعة الصفقة إذا بقيت تقوم على تعيين فوقي وتوازن قسري بين عائلتين أو شبكتي نفوذ.

بين الانتخابات وإدارة الأزمة

تبدو المبادرة خطوة لتحريك الجمود، لكنها غير كافية لحل سياسي حقيقي، وهذا التحريك لا يحمل انتقالاً ديمقراطياً، فإدارة الأزمة تعني تخفيف الانفجار، لا إزالة أسبابه، وهذا هو جوهر الخطة الأميركية كما تظهر حتى الآن.

المبادرة تتجاوز السؤال الدستوري بدل حله، وتؤجل الانتخابات الرئاسية بدل ضمانها، فالأسوأ أنها تراهن على أن الليبيين سيقبلون استقراراً ناقصاً مقابل تعبهم من الفوضى. هذا رهان خطير، لأن المجتمعات المنهكة تقبل الهدنة، لكنها لا تمنح الشرعية لمن يصادر مستقبلها.

مصير المبادرات السابقة

مبادرة بولس تسير نحو مصير المبادرات السابقة إذا بقيت بلا وثيقة معلنة وضمانات انتخابية، فالدعم الإقليمي من مصر وتركيا وإيطاليا والسعودية يمنحها غطاء خارجياً، لكنه لا يمنحها شرعية داخلية، فالشرعية لا تصدر من واشنطن، ولا من غرف النفط، ولا من صور الاجتماعات العسكرية.

مبادرة بولس ليست حتى الآن مشروع دولة، بل مشروع ضبط، ومحاولة أميركية لترتيب الفوضى بما يخدم النفط، ويحد من نفوذ الخصوم الدوليين، ويمنح واشنطن موقع المخرج في أزمة طال أمدها.

نجاحها الحقيقي يحتاج إلى تحويلها من صفقة نخب إلى مسار ملزم بانتخابات واضحة ومؤسسات خاضعة للمساءلة، أما بقاؤها في صيغة تقاسم النفوذ فسيجعلها حلقة جديدة في تاريخ طويل من المبادرات التي وعدت الليبيين بالدولة، ثم منحتهم مرحلة انتقالية أطول.

بقلم نضال الخضري

ليبيا.. ضبط مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين في مدينة زوارة

اقرأ المزيد