تتحول التعيينات المتنازع عليها في ليبيا من قرارات على الورق إلى اختبار ميداني للسلطة، فيظهر تكليف أحادي، يتبعه تحرك مسلح لتثبيته، ثم اعتراض يعيد فتح سؤال الشرعية.
في أزمتي ديوان المحاسبة والمصرف المركزي ظهرت هذه الآلية بوضوح، فانتقل الخلاف من غرف القرار إلى مقار الدولة، وتداخل التنافس حول المؤسسات مع موازين القوة، لكن اختزال الأزمة في هذا التسلسل وحده يفوت جوهرها؛ فالمشكلة أعمق من خلاف على أسماء شاغلي المناصب، وتتصل بمن يملك حق تسمية المسؤولين، ومن يستطيع حماية قراراته، ويمنع خصومه من فرض قرار مضاد بالقوة.
عملياً فإن ما يجري لا يختبر شرعية التعيين فقط في ليبيا، فهو يطال قدرة الدولة على إبقاء مؤسساتها خارج تنازع النفوذ.
ديوان المحاسبة: تكليف متنازع عليه ومقر تحت الضغط
في 21 أكتوبر تحرك مسلحون داخل مقر ديوان المحاسبة في طرابلس، في محاولة لتمكين أنور الهوش من تولي منصب وكيل الديوان، استناداً إلى تكليف نُسب إلى رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة.
أثار الإجراء اعتراضاً داخل المجلس نفسه؛ حيث قال نائبه الأول ناجي مختار إن رئاسة المجلس لم تكن على علم بالمراسلة، وطالب بعدم ترتيب آثار إدارية أو قانونية عليها قبل التحقق من صدورها واستيفائها الإجراءات المطلوبة.
وأظهرت مشاهد متداولة مسلحين ملثمين يرتدون زياً عسكرياً داخل مقر الديوان، فيما نسبت وسائل إعلام محلية القوة المشاركة إلى اللواء 444 أو إلى تشكيلات مرتبطة بقائده محمود حمزة، ولم يحدد بيان بعثة الأمم المتحدة هوية المسلحين، لكنه أدان استخدام القوة والترهيب، وطالب بوقف التدخل المسلح وانسحاب العناصر من المقر، محذراً من أن فرض التعيينات بهذه الطريقة يهدد سيادة القانون واستقلال المؤسسة الرقابية.

كما أعلن موظفو الديوان تعليق العمل إلى حين توفير ضمانات تحمي سلامة العاملين وتصون استقلال المؤسسة، ويتجاوز أثر التعليق تعطل مرفق حكومي؛ فالديوان يراقب الإنفاق العام ويفحص إدارة الموارد، وأي توقف لعمله أو ضغط على قيادته يحد من الرقابة على المال العام ويضعف مساءلة الجهات المنفقة.
على المستوى السياسي، وسع اعتراض مجلس النواب نطاق الأزمة، فدعت هيئة رئاسة المجلس الجهات المعنية إلى عدم الاعتداد بالتكليف الأحادي، فيما طالب نواب الجنوب بسحبه، مستندين إلى تفاهمات بوزنيقة التي يقولون إنها خصصت منصب وكيل الديوان للمنطقة الجنوبية ضمن ترتيبات التوازن والشراكة الوطنية.
وبهذه الصورة امتد الخلاف من سلامة إجراءات التكليف إلى تفسير التفاهمات وتوزيع المناصب بين المناطق؛ فمن يملك حق التسمية، وما الذي يمنح القرار قبولاً وطنياً؟
المصرف المركزي: شرعية متنازعة داخل المجلس الواحد
في 22 أكتوبر، عادت أزمة القيادة إلى مصرف ليبيا المركزي بعد موافقة مجلس النواب، من حيث المبدأ، على استقالة المحافظ ناجي عيسى، وتأييده تكليف عضو مجلس الإدارة فوزي مصباح أبوخزام بتسيير مهام المحافظ مؤقتاً.
وقدم عيسى استقالته في أغسطس، ثم أوصى المجلسان ببقائه إلى حين بحثها، وقال المتحدث باسم مجلس النواب إن الاستقالة ستناقش في جلسة مقبلة، ما يعني أن الخطوة كانت تمهيدية، لا تسوية نهائية متفقاً عليها.
انقسم المجلس الأعلى للدولة في رد فعله، فالنائب الأول ناجي مختار علي رفض ما وصفه بالإجراء الأحادي، وطالب عيسى بمواصلة عمله؛ بينما دعا تكالة أبوخزام إلى تولي المسؤولية مؤقتاً، إلى حين التوافق مع مجلس النواب على محافظ جديد.

تكشف المواقف المتباينة السابقة أن الخلاف تجاوز حدود التنافس بين مجلسي النواب والأعلى للدولة؛ فانقسم المجلس الأعلى نفسه بين نائب أول رفض الإجراء ورئيس أيده، ما يعكس نزاعاً على الصلاحيات وآلية انتقال المسؤولية، ويزيد ذلك صعوبة بلورة موقف موحد.
وسط هذا التباين، سجل المصرف المركزي تطوراً ميدانياً موازياً؛ حيث أعلن دخول قوة وأطراف أخرى إلى مقره وانتهاك مكتب المحافظ أثناء غيابه، محملاً المشاركين مسؤولية أي تداعيات، ومشيراً إلى مسؤولية وزارة الدفاع عن حماية المبنى.
وفي شأن تسلم المهام، أفادت وكالة الأنباء الليبية بأن لجنة مختصة نقلتها إلى أبوخزام، بينما أشارت تقارير إلى استمرار العمل داخل المصرف بصورة طبيعية، وبهذه الصورة انتقلت إدارة العمل اليومي إلى أبوخزام، بينما بقيت شرعية نقل المهام موضع خلاف بين المؤسسات المعنية.
من أزمة المناصب إلى أزمة الحكم
أظهرت أزمة 2024 السابقة أن الصراع على قيادة المصرف يمكن أن تنتقل سريعاً إلى الاقتصاد، فحينها ارتبط النزاع على المحافظ بإغلاق إنتاج النفط، وهدد بتعطيل مورد الدولة الأساسي، ما يوضح أن النزاع على قيادة المصرف يملك أدوات ضغط تتجاوز مقر المؤسسة إلى النفط والإنفاق العام.
أما ديوان المحاسبة، فاستهدافه يفتح باباً آخر من الخطر، فحين يصبح جهاز الرقابة نفسه موضع تنازع، تتضرر الرقابة على الجهات التي تمولها الدولة، بما فيها الأجهزة الأمنية والتشكيلات المسلحة، وتتحول المؤسسة من حكم على سلامة الإنفاق إلى ساحة تتنافس فيها مراكز القوة على من يعين المسؤول الذي يراقب الإنفاق.

وتقدم أحداث طرابلس خلفية عملية لهذا القلق، ففي مايو 2025، أدت مواجهات مسلحة بعد مقتل قائد مجموعة نافذة إلى اشتباكات دامية وتعطيل الحركة وخروج احتجاجات تطالب باستقالة حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية ومحاسبة المسؤولين.
استمرت التوترات في مناطق من الغرب، بينها الزاوية ومحيط طرابلس، بينما خلصت تقارير أممية إلى أن تنافس الجماعات المسلحة على النفوذ والموارد والمؤسسات يغذي العنف، في ظل غياب رؤية موحدة للأمن ونزع السلاح.
هذه الوقائع تبين أن أي تغيير في قمة الحكومة أو المجلس الرئاسي سيجري داخل بيئة تتعدد فيها القوى القادرة على التدخل، لا ضمن جهاز أمني موحد يحتكر تنفيذ القرارات.
تغيير السلطة التنفيذية يرفع كلفة الانقسام
إذا انتقل التنافس من قيادة مؤسسة رقابية أو مالية إلى رئاسة الحكومة أو المجلس الرئاسي، فسيصبح النزاع على الجهة التي تمارس السلطة التنفيذية وتصدر القرارات باسم الدولة.
أي تعيين أحادي في هذا المستوى يفتح الباب أمام سلطتين متنافستين، ويضع الأجهزة الأمنية والإدارية أمام اختبار الولاء، فيما تتحول السيطرة على المقار الحكومية والموارد العامة إلى مصدر ضغط متبادل، ويجعل حضور التشكيلات المسلحة في طرابلس هذا الاحتمال أكثر حساسية، من دون أن يجعل المواجهة الشاملة نتيجة حتمية.
تأتي هذه المخاوف وسط إعادة ترتيب لقيادة مؤسسات الدولة؛ حيث أنهى انتخاب الصالحين عبد النبي رئاسة عقيلة صالح لمجلس النواب التي دامت 12 عاماً، بالتزامن مع دخول المصرف المركزي مرحلة انتقال قيادي محفوفة بالخلافات السياسية والتوترات الميدانية.

ويضع هذا الاحتمال التغييرين الأخيرين في سياق إعادة ترتيب أوسع لمراكز النفوذ، ويكشف أن التنافس يمتد إلى أكثر من مؤسسة، ووصوله وامتداده إلى رئاسة الحكومة أو المجلس الرئاسي سينقل هذا التنافس إلى مركز السلطة التنفيذية نفسه.
لماذا يختلف تغيير الحكومة أو المجلس الرئاسي؟
يمس تغيير قيادة جهاز رقابي أو المصرف استقلال مؤسسة محورية وإدارة المال العام، أما تغيير رئيس الحكومة أو المجلس الرئاسي فيطال بنية السلطة التنفيذية ومصدر شرعيتها.
إذا فرض تعيين جديد في طرابلس من دون توافق، فسيمتد النزاع من شرعية المسؤول إلى تشكيل سلطات تنفيذية متنافسة، مع اختبار ولاء الأجهزة الأمنية والإدارية لكل طرف، ومع اتساع الانقسام، تصبح الإيرادات النفطية والمصارف والوزارات أدوات ضغط، فيما يتحمل المواطنون كلفة تعطل الخدمات واضطراب الإنفاق العام.
كما لا يصح استنتاج أن حرباً في العاصمة أو عزلة دولية ستقع حتماً، فالمسار يتوقف على تماسك التحالفات المسلحة، وموقف الأجهزة الأمنية، ورد فعل المؤسسات المالية، وما إذا كان الوسطاء قادرين على احتواء الخلاف قبل أن يتحول إلى أمر واقع.

عملياً فإن التنافس على الاعتراف الدولي لا يمنح أي طرف تفويضاً مفتوحاً؛ فالدعم الخارجي لجهة ما يختلف عن قبول تعيين فرضته القوة، والبعثة الأممية شددت في واقعة الديوان على أن النزاعات يجب أن تسلك القنوات القانونية والمؤسسية.
تأتي هذه الأزمات في لحظة سياسية هشة، ففي 30 أغسطس، وقع أعضاء لجنة «4+4» اتفاقاً يمهد وفق البعثة الأممية، لانتخابات ليبية تشريعية ورئاسية تحت سلطة تنفيذية موحدة خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً.
لكن المجلس الأعلى للدولة رفض الاتفاق في 5 أكتوبر، ما أعاد الشكوك بشأن قدرة المسار السياسي على توحيد المؤسسات، فالتناقض بات واضحاً بين مسار تفاوضي يعد بانتخابات وسلطة موحدة، وممارسة يومية تجعل التعيينات السيادية مادة للتنازع والضغط.
تكشف الوقائع أن كسر هذه الحلقة يتوقف على وجود آلية تحظى بقبول الأطراف للتحقق من الاختصاص والإجراءات، وعلى قدرة المؤسسات على حماية مقارها وضمان انتقال المهام عبر مسار واضح.
كما يتوقف مستقبل التفاهمات بين مجلسي النواب والأعلى للدولة على تحولها إلى قواعد مستقرة تحكم التعيينات، بدلاً من بقائها مرجعيات متنازعاً عليها يستحضرها كل طرف وفق حساباته.

الخطر الليبي اليوم ليس أن تتكرر الحوادث حرفياً، بل أن تصبح القوة جزءاً متوقعاً من إجراءات التعيين، وأن يتحول الاحتجاج إلى وسيلة لتعطيل المؤسسة بدل تصحيح القرار، والتغييرات الأخيرة أثبتت أن الشرعية القانونية لا تكفي دون توافق سياسي وقدرة أمنية لحماية المؤسسات، وبالتالي فإن محاولة تعيين رئيس حكومة أو مجلس رئاسي جديد خارج إطار تسوية شاملة ومضمونة دولياً ومحلياً ستشعل فتيل أزمة أمنية واقتصادية شاملة، بدلاً من أن تكون خطوة نحو الاستقرار
بقلم: نضال الخضري
ليبيا.. محمد الشكري يرفض تولي منصب محافظ البنك المركزي
