04 نوفمبر 2026

المومياوات المصرية تحولت في فترات من تاريخ أوروبا إلى مادة طبية تُطحن وتُباع في الصيدليات، إذ اعتقد بعض الأوروبيين أن تناولها يعالج أمراضاً عدة، بينها السعال والصداع والتهابات الحلق.

وبعد قرون من انتشار هذه الممارسة، عاد العلماء إلى دراسة تلك المواد التاريخية باستخدام تقنيات التحليل الكيميائي الحديثة، لفحص بقايا مومياء مصرية يعود تاريخها إلى نحو 2700 عام، إلى جانب عينات من مستحضرات طبية قديمة صُنعت من مواد مرتبطة بالمومياوات.

وكشفت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة ماربورغ الألمانية ونُشرت في مجلة الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم (PNAS)، عن أدلة كيميائية جديدة تسهم في فهم المواد التي استخدمها المصريون القدماء في التحنيط، وتسلط الضوء مجدداً على المستحضرات الطبية الأوروبية المصنوعة من المومياوات.

وخلال العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث، انتشر في أوروبا مستحضر عُرف باسم “Mumia vera aegyptiac”، وكان يُحضّر من مواد مستخرجة من المومياوات المصرية أو مرتبطة بمواد التحنيط.

وساد اعتقاد بأن هذه المواد تمتلك خصائص علاجية، ما دفع بعض الأطباء والصيادلة إلى استخدامها لمواجهة مشكلات صحية مختلفة، شملت السعال والصداع والتهاب الحلق والدوخة.

وغير أن تركيبة تلك المستحضرات لم تكن موحدة، بل اختلفت مكوناتها باختلاف مصادر المواد وطرق تحضيرها، الأمر الذي دفع الباحثين إلى تحليل عينات محفوظة في مجموعات متحفية وصيدلانية للكشف عن محتوياتها الفعلية.

وحلل الباحثون 24 قطعة محفوظة في مجموعات جامعية ومتحفية، شملت بقايا بشرية محنطة ومواد تحنيط وأربطة وخلطات طبية تاريخية.

ومن بين العينات جمجمة مصرية محنطة محفوظة ضمن المجموعة الحيوانية بجامعة ماربورغ، وأظهرت اختبارات التأريخ بالكربون المشع أنها تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، أي قبل نحو 2700 عام.

ورصدت التحليلات الكيميائية مركبات مرتبطة بنبات الصبار في الجمجمة، وكذلك في عينة من مستحضر طبي يعود إلى القرن الثامن عشر، أُعدّ باستخدام مواد من مومياوات مصرية.

ويمثل هذا الاكتشاف أول دليل جزيئي مباشر على وجود مركبات مشتقة من الصبار في مواد التحنيط المصرية القديمة، بعدما استندت الإشارات السابقة إلى استخدامه إلى حد كبير إلى النصوص التاريخية والتفسيرات اللغوية.

ولكن الباحثين أوضحوا أن مركبات الصبار ظهرت في عينتين فقط من أصل 24 عينة خضعت للتحليل، ما لا يسمح باعتبارها مكوناً عاماً أو ثابتاً في جميع عمليات التحنيط المصرية.

ولم تقتصر الدراسة على تحديد مكونات المواد القديمة، بل امتدت إلى اختبار التأثيرات المحتملة لبعض المستحضرات الطبية التاريخية.

وفحص الباحثون مستخلصاً من مجموعة “Wigand” الطبية المحفوظة في ماربورغ، ورصدوا له تأثيراً وقائياً متوسطاً ضد الأضرار التي تسببها الإنفلونزا للخلايا المزروعة في المختبر.

ولكن المفاجأة تمثلت في أن المركب الرئيسي الذي عُزل من المستخلص، والمعروف باسم “7-oxodehydroabietic acid”، لم يُظهر التأثير نفسه عند اختباره منفرداً.

ويشير ذلك إلى أن المادة المسؤولة عن النتيجة لا تزال مجهولة، وربما تكون مرتبطة بتفاعل عدة مكونات معاً، وفق تقرير نشره موقع “Phys”.

وشدد الباحثون على أن هذه النتائج لا تثبت أن مستحضرات المومياوات كانت تعالج الإنفلونزا لدى البشر، كما لا تقدم دليلاً على سلامتها أو فاعليتها الطبية.

وتفتح الدراسة آفاقاً جديدة لفهم الصلة بين تقنيات التحنيط في مصر القديمة وتاريخ الطب الأوروبي، وتبرز قدرة التحليل الكيميائي الحديث على كشف أسرار مواد ظلت محفوظة في المتاحف والمجموعات الصيدلانية على مدى قرون.

الجزائر تطبق خطة وقائية محكمة لمواجهة مرض جدري القردة

اقرأ المزيد