29 أكتوبر 2026

البرلماني المغربي وعميد الشرطة السابق محمود عرشان نفى اتهامات تعذيب معتقلين سياسيين خلال “سنوات الرصاص”، مؤكداً أنه لم يعذب أحداً في حياته، وأعادت تصريحاته فتح ملف حقوقي حساس يتعلق بماضي البلاد الأمني وشهادات ضحايا الانتهاكات.

ورغم تمسك عرشان ببراءته خلال المقابلة التي أجراها مع موقع “بديل”، فإن ظهوره الإعلامي لم يمر من دون ردود فعل، إذ رأى حقوقيون ومتابعون أنه قد يشكل محاولة لتبييض ماضي رجل ارتبط اسمه، في شهادات حقوقية، بمرحلة “سنوات الجمر والرصاص”، وهي حقبة المواجهة بين الدولة والمعارضة واليسار، التي امتدت من نهاية خمسينيات القرن الماضي إلى نهاية تسعينياته، وذهب بعض منتقديه إلى اعتبار ظهوره محاولة لإعادة كتابة التاريخ على نحو يتجاهل روايات الضحايا، ووصفوا ذلك بأنه “اغتيال ثانٍ” لهم.

ويُعد عرشان، البالغ من العمر 87 عاماً، من الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ السياسي والحقوقي الحديث للمغرب، خصوصاً بعدما أدرجت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي من أبرز التنظيمات الحقوقية المستقلة في البلاد، اسمه عام 2001 ضمن قوائم أشخاص اتُّهموا بالمسؤولية عن انتهاكات تعسفية وحالات تعذيب خلال “سنوات الجمر والرصاص”.

وبدأ عرشان مساره المهني عام 1957 في وزارة الداخلية، حيث استمر في العمل حتى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، متدرجاً في المسؤوليات الأمنية إلى أن وصل إلى رتبة عميد شرطة، وارتبط اسمه لاحقاً بمصلحة الشرطة في درب مولاي الشريف بمدينة الدار البيضاء، الذي تحول خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي إلى أحد أبرز مراكز الاعتقال والاستنطاق المرتبطة بالقمع السياسي.

وبعد تقاعده ومغادرته منصبه الأمني عام 1984، اتجه عرشان إلى العمل السياسي، وأسس حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية بعد انشقاقه عن حزب الحركة الوطنية الشعبية عام 1996، وانتُخب لاحقاً عضواً في مجلس النواب، كما تولى رئاسة بلدية مدينة تيفلت بين عامي 1982 و2002، وشغل مقعداً في مجلس المستشارين لعدة ولايات.

وفي عام 2011، تخلى عن الأمانة العامة لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية لمصلحة نجله عبد الصمد عرشان، محتفظاً بمنصب الرئيس المؤسس ورئاسة مجلس رئاسة الحزب.

ولم يقتصر حضور عرشان على السياسة، بل امتد إلى المجالين الرياضي والجامعي، إذ شغل عضوية الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وترأس لجنتها التأديبية، كما حصل على وسام ملكي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني. وفي عام 2014، أصدر كتاباً بعنوان “من أجل الوطن والشرف”، دافع فيه عن مساره وانتقد جوانب من النقاش المرتبط بهيئة الإنصاف والمصالحة.

وعاد اسم عرشان إلى الواجهة السياسية والإعلامية في الأول من أكتوبر الحالي، بعدما ظهر إلى جانب نجله عبد الصمد خلال جلسة مشاورات بشأن تشكيل الحكومة الجديدة مع فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وأثار ظهوره موجة من الانتقادات، على خلفية اتهامات معتقلين سياسيين سابقين له بتعريضهم للتعذيب عندما كان يشغل منصب عميد الشرطة في معتقل درب مولاي الشريف بالدار البيضاء.

وقد تحول هذا المعتقل، في أدبيات الحركة الاتحادية واليسار الراديكالي، ولا سيما منظمتَي “إلى الأمام” و”23 مارس”، وكذلك في شهادات معتقلين سياسيين ونقابيين، إلى رمز للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب.

وبالتزامن مع الجدل الذي أثاره ظهوره، تجدد تداول شهادات لمعتقلين سياسيين بشأن الاتهامات الموجهة إليه، من أبرزها شهادة المعارض اليساري الراحل أبراهام السرفاتي، الذي تحدث عن تعرضه وشقيقته للتعذيب عام 1972، إلى جانب شهادة أحمد البخاري، الموظف السابق في المخابرات المغربية.

وأثار استقبال عرشان من قبل رئيسة الحكومة المكلفة جدلاً حقوقياً واسعاً، ووصف “المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف”، الذي يضم ضحايا سنوات الرصاص وعائلاتهم، الخطوة بأنها “استفزاز وخدش لذاكرة ضحايا ماضي الانتهاكات الجسيمة، ومسّ بمشاعرهم ومشاعر ذويهم، وإساءة لمسار المصالحة الذي دشنته البلاد في إطار العدالة الانتقالية وفق توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة”.

وفي المقابل، وجد عرشان في جلسة مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين، المنعقدة في 21 أكتوبر الجاري، فرصة للدفاع عن نفسه والرد على الانتقادات التي أثارها ارتباط اسمه بملف “سنوات الجمر والرصاص”.

ووجّه عرشان رسالة إلى منتقديه اتهمهم فيها بأنهم “طابور خامس” يسعى إلى “تلويث الذاكرة الوطنية ونبش ملفات غير لائقة”، داعياً إلى البحث عن “الجلادين الحقيقيين” بدلاً من استهدافه، والكف عما وصفه بـ”القيل والقال والخرافات”، كما أعلن استعداده لخوض مواجهة علنية ومباشرة مع منتقديه أمام شاشات التلفزيون، في خطوة اعتُبرت تحدياً لهم في ظل تصاعد الجدل حول مسؤوليته عن الانتهاكات المزعومة.

وفي سياق هذا السجال، أعاد صلاح الدين الوديع، الشاعر والناشط الحقوقي وأحد المعتقلين السياسيين السابقين خلال سنوات الرصاص، نشر رسالته المفتوحة “إلى جلاد معتقل درب مولاي الشريف”، التي تعود إلى 16 أبريل 1999، واستحضر الوديع في الرسالة شهادات الضحايا وما وثقته هيئة الإنصاف والمصالحة في تقريرها الختامي الصادر عام 2006.

وأوضح الوديع أن إعادة نشر الرسالة تهدف إلى تعريف الأجيال الجديدة بجانب من الذاكرة الحقوقية المغربية، وتجديد النقاش بشأن الإنصاف والمساءلة، وشدد على أن “طي صفحة الماضي لا يعني النسيان أو التغاضي عن الانتهاكات”، بل يقتضي صون كرامة الضحايا وترسيخ ضمانات عدم تكرار ما حدث، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لبناء دولة الحق والقانون وتعزيز الانتقال الديمقراطي في المغرب.

ومع عودة اسم عرشان إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، تجاوز السجال حدود الخلاف الشخصي بينه وبين منتقديه، ليتحول إلى نقاش أوسع بشأن الذاكرة الحقوقية المغربية، ومدى استمرار إفلات المسؤولين عن الانتهاكات من المحاسبة، وحدود ما حققته تجربة العدالة الانتقالية في معالجة إرث الماضي.

وقال رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، عادل تشيكيطو، إن تصريحات عرشان “لا يمكن اختزالها في خلاف شخصي بين مسؤول سابق ومنتقديه، لأنها تلامس واحدة من أكثر صفحات التاريخ المغربي إيلاماً، وتتعلق بذاكرة جماعية لم تندمل جراحها بعد، وبضحايا لا تزال الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر بالنسبة إلى كثير منهم مطالب لم تستكمل جميع شروط تحقيقها”.

وأضاف تشيكيطو، في حديث إلى صحفي، أن وصف عرشان منتقديه بـ”الطابور الخامس”، وتحديه لهم بخوض مناظرة لتحديد “من هو الجلاد”، يثيران إشكالاً حقوقياً وأخلاقياً عميقاً، خصوصاً عندما تصدر مثل هذه العبارات عن مسؤول أمني سابق ارتبط اسمه في النقاش العام باتهامات تتعلق بمرحلة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وأوضح أن الانتهاكات لا تثبت بالانطباعات، كما لا يمكن نفيها بالمبارزات الكلامية، وإنما يتطلب تحديد المسؤوليات بشأنها الاستناد إلى الحقائق والأدلة والتحقيقات المستقلة وآليات العدالة.

وبحسب تشيكيطو، فإن المغرب، الذي اختار مسار العدالة الانتقالية وأقر رسمياً بوقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان خلال سنوات الرصاص، لا يمكنه التعامل مع الذاكرة باعتبارها ملفاً أُغلق بمجرد صدور تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة. وأكد أن العدالة الانتقالية مسار مستمر يقتضي حفظ الذاكرة، وإنصاف الضحايا، وكشف الحقيقة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

ورأى أن مسؤولية المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تقتضي التفاعل مع الجدل الراهن بما يحفظ كرامة الضحايا ويصون المكتسبات التي حققها المغرب في مجال العدالة الانتقالية، بعيداً عن الاصطفاف السياسي والأحكام المسبقة.

ومن جهته، قال أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري رشيد لزرق إن المغرب قدم تجربة بارزة في مجال العدالة الانتقالية على المستوى العربي، من خلال إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة عام 2004، وما رافق ذلك من اعتراف بانتهاكات الماضي وجبر للضرر وإصلاحات حقوقية ومؤسساتية، لكنه أشار إلى أن تجدد الجدل بشأن عرشان، وما يصاحبه من شهادات واتهامات مرتبطة بسنوات الرصاص، يطرح تساؤلات أعمق بشأن حدود هذه التجربة ومدى نجاحها في تحقيق مصالحة حقيقية.

وأضاف لزرق، في تصريح صحفي، أن العدالة الانتقالية لا يمكن اختزالها في تعويض الضحايا أو الاعتراف بمعاناتهم، بل تتطلب أيضاً كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، مع الاحترام الكامل لقرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.

ولفت إلى أن المفارقة الأساسية في التجربة المغربية تتمثل في نجاحها في إرساء مسار للمصالحة المؤسساتية، مقابل عدم اعتماد آلية لتحديد المسؤوليات الفردية ومساءلة المتورطين قضائياً ضمن اختصاص هيئة الإنصاف والمصالحة، وهو ما أبقى بعض أسئلة الماضي مفتوحة أمام الذاكرة الجماعية.

واعتبر أن عودة النقاش بعد أكثر من عقدين “لا تعني فشل العدالة الانتقالية بقدر ما تكشف طابعها غير المكتمل، وتؤكد أن المصالحة ليست قراراً سياسياً يعلن انتهاءه، بل سيرورة تاريخية مستمرة، لا تكتسب مشروعيتها الكاملة إلا عندما تتكامل الحقيقة مع الإنصاف والمساءلة وضمانات عدم التكرار”.

وشدد لزرق على أن الدولة الديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرتها على الاعتراف بأخطاء الماضي، بل أيضاً بقدرتها على منع تحول تلك الأخطاء إلى إرث من الصمت والإفلات من المحاسبة.

المغرب يشارك لأول مرة في معرض “Denkmal” الأوروبي لتعزيز التراث المعماري

اقرأ المزيد