04 مايو 2026

شكلت موجة التوترات الأمنية التي شهدتها مناطق غرب ليبيا، ولا سيما صرمان والزاوية والعجيلات وجنزور وأطراف طرابلس، تطوراً يصعب قراءته كحوادث منفصلة أو حتى خلافات عابرة بين مجموعات مسلحة، حيث يطرح أسئلة عن مأزق غرب ليبيا عموماً.

عملياً، فأن الشرارة المباشرة للإحداث تكون محدودة، وتبدأ بنزاع على نقطة تمركز وخلاف داخل سوق  واعتداء دورية على أخرى أو تنافس على مقر أمني، لكن تكرار هذ النمط، واتساع الجغرافيا، واستخدام الأسلحة الثقيلة داخل مناطق مأهولة، مؤشر على أزمة أعمق تتجاوز منطق “الاشتباك المؤقت” إلى بنية أمنية هشة لم تنجح في التحول إلى مؤسسة وطنية جامعة.

امتدت الاشتباكات في صرمان، مطلع أيار 2026، من محيط جزيرة العسكري إلى جزيرة سوق الأحد، وسط تحذيرات للسكان بالبقاء في منازلهم والابتعاد عن النوافذ والأماكن المكشوفة.

وفي العجيلات والزاوية، قبل ذلك بأيام، اندلعت مواجهات مسلحة استخدمت فيها قذائف هاون وأسلحة ثقيلة، وأدت إلى أضرار في منازل المدنيين وتعليق الدراسة، أما في جنزور فكان الخلاف على النفوذ داخل سوق الخضار كافياً لإشعال مواجهة أرعبت السكان.

هذه الوقائع، وإن اختلفت تفاصيلها، تكشف أن غرب ليبيا يعيش تحت سقف تسويات أمنية مؤقتة، وليس في ظل سلطة دولة مكتملة.

صرمان والزاوية: حين يصبح الطريق الساحلي خط تماس

تكمن خطورة الاشتباكات الأخيرة أنها لا تقع في أطراف معزولة، بل قرب شرايين حيوية، فالطريق الساحلي الرابط بين طرابلس وغرب البلاد وصولاً إلى الحدود التونسية خط اقتصادي واجتماعي وأمني بالغ الحساسية، وعندما تؤدي الاشتباكات إلى إغلاق كوبري مصفاة الزاوية، أو تهديد الحركة قرب مدن مثل صرمان والزاوية والعجيلات، فإن أثرها يتجاوز الضحايا المباشرين إلى تعطيل مصالح السكان، وإرباك حركة التجارة، ورفع مستوى القلق العام.

تحولت الزاوية أيضاً، بما تمثله من موقع استراتيجي ومرفأ نفطي ومصفاة بطاقة إنتاجية كبيرة، إلى نموذج مكثف لتداخل الأمن بالاقتصاد غير الرسمي، فالمدينة لم تكن فقط مسرحاً لاشتباكات متكررة، بل نقطة حساسة في ملفات تهريب الوقود والهجرة غير النظامية.

تقدم هذه الحوادث الأمنية صورة واضحة لتحول النفوذ المسلح إلى مصدر دخل وسلطة، فمن يسيطر على الطريق أو المقر أو المنفذ، يملك القدرة على فرض الإتاوات، والتحكم بالحركة، والتأثير في ميزان القوة المحلي.

فشل توحيد المؤسسة الأمنية

السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز التفاصيل العادية، فهل تعكس هذه التطورات فشلاً في توحيد المؤسسة الأمنية؟

المشكلة لا تكمن فقط في وجود مجموعات مسلحة، بل في أن عدداً من هذه المجموعات يتحرك ضمن أطر “رسمية” أو شبه رسمية، ويتبع اسمياً وزارات أو أجهزة أو رئاسات أركان، بينما يحتفظ فعلياً بولاءات محلية أو قيادات ميدانية أو مصالح اقتصادية مستقلة.

حين تدخل قوة تابعة لوزارة الداخلية لفض نزاع في صرمان، فهو دليل حضور للدولة، لكنه في العمق يكشف محدودية قدرتها، فلا تظهر بوصفها سلطة تحتكر السلاح وتفرض القانون، بل طرف يحاول وقف الاشتباك بعد اندلاعه، أو وسيط مسلح بين أطراف تمتلك القدرة على تعطيل الأمن متى شاءت، وهذا فرق جوهري بين “إدارة الأزمة” و”بناء المؤسسة”.

توحيد المؤسسة الأمنية لا يعني جمع الكتائب تحت لافتات إدارية جديدة، ولا منح قادة المجموعات المسلحة ألقاباً رسمية، بل إخضاع السلاح لتسلسل قيادي واضح، وربط استخدام القوة بالقانون، وفصل النشاط الأمني عن شبكات الجباية والتهريب والنفوذ المحلي.

ما يجري في غرب ليبيا يوحي بأن هذا الشرط لم يتحقق بعد، وأن عملية الدمج، حيث وجدت، بقيت أقرب إلى إعادة تدوير القوة المسلحة داخل هياكل الدولة بدل تفكيك منطقها.

صراع نفوذ مؤقت أم أزمة دائمة؟

من جانب آخر لا يجوز إغفال الطابع المباشر لصراعات النفوذ، فالاشتباكات الأخيرة في صرمان ارتبطت بتوتر بين قوات تابعة لرئاسة أركان المجلس الرئاسي وقوات مساندة محلية، بعد اعتداء دورية على أخرى، كما دخلت تشكيلات مرتبطة بالكتيبة 103 وجهاز التهديدات الأمنية على خط المواجهات، وفي الزاوية وجنزور، تكررت الخلافات حول مقار عسكرية وأسواق ومواقع نفوذ.

هناك بالفعل صراعات موضعية بين مجموعات مسلحة، لكنها ليست مؤقتة بالمعنى السياسي، لأنها تتكرر داخل البيئة ذاتها وبالأدوات ذاتها، فالصراع المؤقت يصبح بنيوياً عندما لا توجد مؤسسة قادرة على منعه، وقضاء قادر على محاسبة المتورطين، وسلطة سياسية موحدة قادرة على فرض قراراتها، فالاشتباك يكون أحياناً عابراً، أما شروط إنتاجه فمستمرة.

المفارقة في هذه الأحداث أن كل جولة عنف تنتهي غالباً بوساطة محلية أو اتفاق تهدئة أو إعادة توزيع للمواقع، لكنها لا توقف أسباب المواجهة التالية، بل إن بعض التسويات تعيد تكريس المشكلة، لأنها تمنح الأطراف المسلحة اعترافاً عملياً بمناطق نفوذها، وتحول الأمن إلى توازن بين قوى محلية، لا إلى حق عام تكفله الدولة.

المدنيون في قلب الخطر

وسط هذه الفوضى فأن المدنيين لم يعودوا مجرد متضررين جانبيين، بل أصبحوا رهائن مباشرة لخرائط السلاح، ففي صرمان، دعت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان والهلال الأحمر السكان إلى البقاء داخل المنازل، والابتعاد عن النوافذ، وعدم التصوير أو الاقتراب من مواقع الاشتباك، وفتح ممرات آمنة للعالقين، وفي الزاوية والعجيلات، تكررت مشاهد تعليق الدراسة، وإجلاء العائلات، وتضرر المنازل والسيارات، وتعطل المحال ومصادر الرزق.

شهادة السكان تكشف البعد اليومي للأزمة، فهناك من يرفض مغادرة منزله خوفاً من أن تتحول الأحياء إلى مقار للمسلحين، وهناك من يفكر في الانتقال إلى طرابلس بحثاً عن هامش أمان، والبعض يترك شقته قرب المرفأ النفطي إلى أطراف المدينة هرباً من أصوات الانفجارات، وهذه ليست تفاصيل اجتماعية ثانوية؛ بل علامات على تفكك الثقة بين المواطن والمكان، وبين المواطن والدولة.

الانقسام السياسي يغذي الفوضى الأمنية

لا يمكن فصل ظاهرة الاشتباكات عن استمرار الانقسام السياسي في ليبيا، فوجود سلطات متنافسة، وتعدد مراكز القرار، وتعثر مسار الانتخابات، كلها عوامل تجعل الأمن مجالاً مفتوحاً للمساومة.

عندما يشدد مسؤولون دوليون على ضرورة توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية كشرط لإجراء انتخابات ذات مصداقية، فإن ذلك يعكس إدراكاً بأن الأزمة الأمنية ليست تقنية فقط، بل سياسية في المقام الأول.

المؤسسة الأمنية لا تتوحد في فراغ، فهي تحتاج إلى سلطة سياسية شرعية، وميزانية موحدة، وقيادة عسكرية وأمنية واضحة، وقضاء قادر على المحاسبة، واتفاق وطني حول وظيفة السلاح، أما في ظل الانقسام، فإن كل مجموعة مسلحة تستطيع أن تجد غطاءً أو تبريراً أو حتى موقعاً تفاوضياً.

الدولة الغائبة هي جوهر الأزمة

ما يجري في غرب ليبيا هو صراع نفوذ بين مجموعات مسلحة وفشل في توحيد المؤسسة الأمنية، لكن العامل الحاسم هو الفشل المؤسسي؛ فلو كانت الدولة قادرة على احتكار السلاح، لما تحولت الخلافات المحلية إلى اشتباكات بالهاون داخل الأحياء، ولو كانت المحاسبة قائمة، لما تكررت الجولات ذاتها في المدن ذاتها.

إن مستقبل الاستقرار في ليبيا لن يتحدد بعدد الاتفاقات المحلية، بل بقدرة البلاد على الانتقال من منطق “توازن المسلحين” إلى منطق “سلطة القانون”، وما لم يحدث ذلك، ستبقى صرمان والزاوية والعجيلات وجنزور عناوين متكررة لأزمة واحدة تتجلى في دولة لم تستعد بعد حقها الأول، وهو حماية مواطنيها من السلاح المنفلت.

بقلم: نضال الخضري

ليبيا تبحث رفع الكفاءات بالشراكة مع البنك المركزي الألماني

اقرأ المزيد