26 يوليو 2026

يصعب فصل الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية على السودان عن مساعي واشنطن للضغط على عبد الفتاح البرهان ودفعه إلى تقديم تنازلات في مفاوضات وقف الحرب، حتى وإن استندت، رسمياً، إلى مساءلة الجيش عن استخدام محتمل لأسلحة محظورة.

عملياً، دخلت العقوبات حيز التنفيذ في 20 يوليو 2026، بعد اتهام واشنطن الجيش باستخدام أسلحة كيميائية خلال حربه مع قوات الدعم السريع في عام 2024.

وتقدم الولايات المتحدة هذه العقوبات بوصفها تطبيقاً لقانون منع انتشار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، فيما ترى بورتسودان أن الاتهام غير مثبت، وأن الملف يوظف لانتزاع تنازلات سياسية وعسكرية.

وتنبع أهمية هذه الإجراءات من انتقال الضغط الأمريكي من معاقبة أفراد وكيانات مرتبطة بالحرب إلى استهداف الدولة السودانية، بناءً على اتهام بالغ الخطورة لم تُنشر أدلته الفنية كاملة، ولم تصدر بشأنه حتى الآن نتيجة مستقلة عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

من عقوبات البرهان الشخصية إلى معاقبة الحكومة

تختلف العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على البرهان في 16 يناير 2025 عن الحزم المرتبطة بالأسلحة الكيميائية.

فقد استهدفت العقوبات الشخصية ممتلكاته ومصالحه الخاضعة للاختصاص الأمريكي، واستندت إلى مسؤوليته عن انتهاكات الجيش والهجمات على المدنيين وعرقلة المساعدات ومسار التسوية، من دون ربطها باستخدام أسلحة كيميائية.

وسبق أن فرضت واشنطن عقوبات مماثلة على قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” وشركات مرتبطة بشبكته، ما يشير، على المستوى المعلن، إلى تحميل طرفي الحرب المسؤولية عن استمرارها والانتهاكات المرتبطة بها.

أما العقوبات الكيميائية، فهي إجراءات تستهدف حكومة السودان، وجاءت جولتها الأولى في 27 يونيو 2025، بعد قرار أمريكي بأن القوات الحكومية استخدمت أسلحة كيميائية. وشملت وقف المساعدات غير الإنسانية، مع بعض الإعفاءات، وحظر مبيعات السلاح والتمويل العسكري والائتمان والضمانات الحكومية الأمريكية، وتشديد القيود على تصدير السلع والتكنولوجيا الحساسة.

وبعد أن خلصت واشنطن إلى أن الحكومة السودانية لم تستوف، ضمن المهلة القانونية، شروط وقف الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية، وتقديم ضمانات موثوقة، والسماح بالتفتيش الميداني، فعّلت ثلاثة من تدابير الجولة الثانية، وتشمل معارضة منح السودان قروضاً أو مساعدات مالية أو تقنية عبر المؤسسات الدولية، وتشديد الرقابة على الصادرات مع اعتماد مبدأ الرفض لترخيص معظم المواد الخاضعة للرقابة التجارية، فضلاً عن تعليق رحلات شركات الطيران المملوكة للحكومة السودانية أو الخاضعة لسيطرتها من الولايات المتحدة وإليها.

وتسري هذه الإجراءات لمدة لا تقل عن عام، مع استثناء الغذاء والمنتجات الزراعية والاحتياجات الإنسانية الأساسية ومتطلبات سلامة الطيران.

أدلة جدية ولكنها غير حاسمة علناً

تؤكد واشنطن أن قرارها يستند إلى “تحليل تقني مستقل ودقيق”، لكنها لم تنشر، في وثائق العقوبات أو مداخلتها الرسمية أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أسماء المواد المستخدمة أو مواقع الهجمات وتواريخها، ولم تعرض نتائج عينات بيئية أو طبية، أو تحليلاً جنائياً للذخائر، أو أوامر قيادة تثبت مسؤولية البرهان المباشرة.

وجاءت المعلومات الأكثر تحديداً من الصحافة، إذ نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن أربعة مسؤولين أمريكيين كبار، لم تكشف هوياتهم، أن الجيش استخدم غاز الكلور في حادثتين على الأقل، وأن العملية نُفذت بموافقة البرهان.

لكن الاعتماد على مصادر مجهولة، مهما كان موقعها، لا يساوي دليلاً فنياً قابلاً للاختبار أو المساءلة القضائية.

ولاحقاً، عزز تحقيق مفتوح المصادر نشرته “فرانس 24” الشبهات، وحدد واقعتين في 5 و13 سبتمبر 2024 قرب قاعدة قري العسكرية ومصفاة الجيلي شمال الخرطوم، وكان الموقعان حينها تحت سيطرة الدعم السريع.

وتضمن التحقيق مقاطع مصورة وصوراً لحاويات كلور معدنية قرب حفر انفجار وسحابة صفراء مخضرة، كما تحققت “هيومن رايتس ووتش” بصورة مستقلة من مواقع التصوير، بينما رجح التحليل إسقاط برميلين جواً، وهي قرينة تميل إلى الجيش، بوصفه الطرف الذي يملك القدرة الجوية النظامية.

لكن الكلور مادة صناعية واسعة الاستخدام، ويستخدم، من بين أمور أخرى، في تنقية مياه الشرب، ولا يصبح سلاحاً محظوراً إلا عند استخدام خواصه السامة عمداً في القتال.

وتثبت الصور والسحابة والحاويات وجود مؤشرات جدية، لكنها لا تحسم وحدها هوية المادة أو مصدرها أو سلسلة حيازتها، فضلاً عن قرار القيادة. والمطلوب عينات موثقة، وسجلات طيران وذخائر، وشهادات طبية، وتحقيق في سلسلة الأوامر.

بورتسودان ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية

تنفي الحكومة السودانية إنتاج أو امتلاك أو استخدام أسلحة كيميائية، وتقول إنها ملتزمة بالاتفاقية، وتقدم إقراراتها الدورية، وتشغل مقعداً في المجلس التنفيذي للمنظمة. كما أعلنت تشكيل لجنة وطنية، وطالبت واشنطن بتقديم الأدلة عبر الآليات الفنية، ووصفت العقوبات بأنها أحادية وغير قانونية وذات دوافع سياسية.

ويكتسب اعتراض بورتسودان على المسار الإجرائي قدراً من الوجاهة، ففي يوليو/تموز 2025، أفاد المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بأن الأمانة تتابع الاتهامات، لكنها لم تتلق بعد “عناصر مثبتة بصورة كافية”.

ورغم مطالبة بنين وتشاد وموريتانيا السودان بتقديم إيضاحات، بدعم من غينيا بيساو، لم يتضمن التقرير اللاحق للمجلس ما يشير إلى إجراء تفتيش ميداني أو صدور نتيجة عن تحقيق فني مستقل.

ولا تكفي لجنة وطنية أو عضوية السودان في المجلس التنفيذي لنفي الاتهام، فالاختبار الحقيقي هو السماح بوصول غير مقيد لمفتشي المنظمة، وحفظ المواقع والسجلات والعينات، ونشر منهج التحقيق ونتائجه.

في المقابل، تتيح اتفاقية الأسلحة الكيميائية آلية “التفتيش بالتحدي” في أي مكان ومن دون حق الرفض، ولا يظهر في السجل العلني أن واشنطن دفعت حتى الآن نحو تفعيلها.

وتأتي الاتهامات الجديدة في ظل ذاكرة سودانية مثقلة بسوابق مشابهة؛ إذ اتهمت منظمة العفو الدولية القوات الحكومية باستخدام مواد كيميائية في دارفور عام 2016، فيما قصفت الولايات المتحدة مصنع الشفاء عام 1998 استناداً إلى مزاعم عن صلته بإنتاج مواد تدخل في تصنيع أسلحة كيميائية، من دون أن يعقب ذلك تحقيق مستقل معلن يحسم تلك المزاعم.

ولا تنفي هذه السوابق احتمال استخدام الجيش أسلحة محظورة في عام 2024، لكنها تجعل تقديم أدلة فنية شفافة وقابلة للتحقق شرطاً أساسياً لتعزيز صدقية الاتهام الأمريكي.

مساءلة أم دبلوماسية قسرية؟

الاختيار بين “تحقيق” و”ضغط سياسي” زائف جزئياً؛ فالعقوبات يمكن أن تخدم الغرضين معاً. فالقانون الأمريكي يجعل رفعها مرتبطاً بوقف الاستخدام، وتقديم الضمانات، وقبول التفتيش، ما يمنحها وظيفة تتعلق بالامتثال. لكن توقيت الجولة الثانية يتقاطع بوضوح مع محاولة أمريكية لدفع الطرفين إلى هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار، وانتقال مدني، وانتخابات.

وقبل الجيش جانباً كبيراً من المقترح، لكنه اشترط انسحاب الدعم السريع من جميع المدن التي احتلها، بدلاً من انسحاب محدود يبدأ بشمال دارفور وكردفان.

كما أن واشنطن اختارت الحد الأدنى القانوني، أي ثلاثة تدابير، ولم تفرض حظراً شاملاً على الواردات السودانية أو القروض المصرفية الخاصة أو خفضاً للعلاقات الدبلوماسية، ما يوحي بأنها تستخدم أداة ضغط محسوبة على البرهان، لا محاولة خنق اقتصادي قصوى.

ولا يثبت تزامن العقوبات مع المفاوضات أن الاتهام ملفق، لكنه يكشف أن واقعة أمنية خطيرة يجري توظيفها أيضاً في ميزان التفاوض.

الاقتصاد والمساعدات والتوازن العسكري

تأتي العقوبات في وقت بلغ فيه الاقتصاد السوداني مستوى حاداً من الهشاشة؛ إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 29.4% عام 2023، ثم بنسبة 14% في عام 2024، وتراجعت الإيرادات العامة إلى أقل من 5% من الناتج.

ويعيش قرابة 59% من السكان في فقر مدقع، فيما يواجه 21.2 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، ما يزيد احتمال انتقال كلفة الضغط على الحكومة إلى المدنيين.

ومن غير المرجح أن يكون الأثر الفوري لمعارضة قروض المؤسسات الدولية كبيراً، لأن البنك الدولي أوقف، منذ انقلاب 2021، تمويل المشروعات الحكومية الجديدة، مع إبقاء بعض المساعدات المقدمة للسكان عبر الأمم المتحدة.

أما التداعيات الأبعد، فهي أشد، إذ تشمل تعطيل إعادة الإعمار وتسوية الديون، وزيادة تحفظ البنوك وشركات التأمين والموردين، ورفع كلفة الاستيراد حتى في القطاعات المعفاة.

وإنسانياً، مولت الولايات المتحدة 44.4% من خطة الاستجابة الأممية للسودان عام 2024، البالغة قرابة ملياري دولار. أما إغلاق ما يصل إلى 80% من المطابخ المجتمعية، فارتبط بخفض المساعدات الأمريكية، لا بعقوبات الأسلحة الكيميائية مباشرة، إلا أن تزامن المسارين يضاعف الضغوط على المدنيين.

وعسكرياً، يصعب أن تحسم القيود مسار الحرب، لأن الطرفين يعتمدان على شبكات تسليح خارجية، لكنها تضر بالجيش أكثر، لاعتماده النسبي على القنوات الرسمية وقطع غيار الطيران والمواد مزدوجة الاستخدام، بينما يتحرك الدعم السريع عبر الذهب والشركات والوسطاء.

الأدلة المنشورة تبرر تحقيقاً دولياً عاجلاً، لكنها لا تكفي لاعتبار استخدام الكلور أو مسؤولية البرهان حقيقة نهائية.

وإذا أرادت واشنطن حماية صدقية حظر الأسلحة الكيميائية، فعليها نشر تفاصيل منقحة تسمح بالتحقق وطلب تفتيش مستقل، وعلى السودان، بدلاً من الاكتفاء بالنفي، فتح المواقع والسجلات أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

بقلم نضال الخضري

بعد مجزرة السوق.. الأمم المتحدة تحذر من استهداف المدنيين في نيجيريا

اقرأ المزيد