06 أكتوبر 2026

أعاد تصدر عائشة القذافي ابنة الرئيس السابق معمر القذافي استطلاعاً إلكترونياً عن “المرشح الأفضل” في ليبيا اسمها إلى النقاش السياسي، في لحظة لا تزال فيها البلاد تبحث عن طريق إلى انتخابات رئاسية وتشريعية.

عمليا  الانتقال من رقم كبير على منصة إلكترونية إلى تقدير فرص الفوز ليس مسألة عادية في الحياة السياسية الليبية، فالاستطلاع ليس اقتراعا وطنياً، وعائشة لم تعلن ترشحها رسمياً، بل طلبت من القائمين على المنصة عدم إدراج اسمها في التصويت مرة أخرى.

وتكمن جاذبية اسمها سياسياً في اجتماع عناصر متباينة، تبدأ من إرث عائلة حكمت ليبيا أكثر من أربعة عقود، ثم غياب شقيقها سيف الإسلام الذي كان أبرز وجوه تاريخ العائلة بعد 2011، وأخيرا حضورها كامرأة تتولى الرئاسة الذي يخلق تحفظاً داخل بعض شرائح المجتمع.

كل العناصر السابقة لا تتحول تلقائياً إلى أصوات مضمونة، ويبقى طرح اسمها ظاهرة تكشف واقعاً سياسياً ليبيا خاصاً.

رقم لافت، لكنه ليس نتيجة انتخابية

بحسب النتائج المنشورة لاستطلاع سبتمبر 2026، حصلت عائشة على 141,502 صوت من أصل 549,954 مشاركة، وتقدمت على أقرب منافسيها بفارق 30,227 صوتاً.

حصدت عائشة نحو 26% من إجمالي المشاركات المعلنة في الاستطلاع، وهي نتيجة تعكس تقدمها بين مستخدمي المنصة، لا حجم تأييدها بين الناخبين الليبيين، فالمنصة تصف التصويت بأنه غير رسمي، ولا تكشف بياناتها المنشورة عن عينة تمثل الناخبين أو عن تدقيق مستقل لهويات المشاركين وتوزعهم الجغرافي.

قراءة النتيجة بشكل علمي تكشف عن نشاط أنصارها أو قدرتهم على الحشد الرقمي، وعن وجود فضول سياسي حول احتمال دخولها المشهد، لكنها لا تقيس بالضرورة المشاركة في مراكز الاقتراع، ولا تكشف كيف سيتصرف المترددون أو المعارضون لها عند الاختيار بين مرشحين وبرامج.

إرث سياسي قوي، وقاعدة غير محسومة

تستند عائشة إلى اسم عائلي ما زال يحمل شحنة سياسية كبيرة، فأنصار النظام السابق يرون فيها رمزاً للاستمرارية، أو اسماً قادراً على جمع جزء من التيار الذي تفرق بعد 2011.

وجاء مقتل سيف الإسلام في فبراير 2026 ليترك فراغاً في مركز هذا التيار، بعدما تقدم للانتخابات الرئاسية عام 2021، وغيابه لا يعني أن أنصاره انتقلوا تلقائياً إليها؛ فالولاءات السياسية لا تورث بمجرد القرابة، ويحتاج تحويل الرمز إلى قاعدة انتخابية وتنظيم قيادات محلية ورسالة سياسية موحدة.

كما أن علاقة الليبيين بالقبائل لا تختصر في موقف واحد يصدر عن شيخ أو مجموعة قيادات، فقبيلة ورفلة، التي توصف بأنها من أكبر قبائل ليبيا، انقسمت مواقف أبنائها خلال انتفاضة 2011، ولم تكن كتلة سياسية متجانسة.

أما صفتها كعضو شرف في قبيلة ورفلة، فلا تسندها معلومات موثقة في المصادر المتاحة، لذا لا يصح احتسابها دليلاً على قاعدة قبلية مؤيدة لها، فعائشة تنتمي إلى عائلة القذافي المنحدرة من القذاذفة، ولا تكفي العلاقات التي أقامها النظام السابق مع بعض قيادات ورفلة للاستنتاج بأن أبناء القبيلة يؤيدونها اليوم.

المرأة: عائق حقيقي، لا حكم مسبق على النتيجة

تواجه أي مرشحة ليبية تحديات مرتبطة بالنظرة إلى قيادة المرأة، وتوثق أبحاث عن مشاركة النساء في السياسة الليبية تصورات ترى أن النساء أقل قدرة على تولي مواقع القيادة، كما أظهر مسح انتخابي أجرته المؤسسة الدولية للأنظمة الانتخابية أن بعض الرجال أكثر ميلاً إلى رفض التصويت لامرأة للرئاسة، مع وجود نساء يتبنين الموقف نفسه.

وهذه المعطيات تفسر وجود عائق اجتماعي، لكنها لا تثبت أن الناخبين سيرفضون عائشة، ولا تقدم استطلاعاً حديثاً يقيس موقفهم منها تحديداً.

يعمل النوع الاجتماعي أحياناً في اتجاهين متعاكسين، فيمكن أن يحد من قبولها لدى ناخبين محافظين، لكنه يمنحها أيضا قدرة على جذب أصوات ترى في ترشح امرأة كسراً لاحتكار الرجال للمشهد السياسي.

أثر ذلك سيتوقف على البرنامج والتحالفات والقدرة على مخاطبة الناخبين خارج جمهور أنصار النظام السابق، فلا توجد حالياً بيانات موثوقة تسمح بوزن هذين الاتجاهين أو تحديد أيهما سيكون أقوى.

تصحيح الأوصاف المتداولة

تتكرر في بعض المنشورات أوصاف من قبيل أن عائشة تحمل رتبة “فريق”، أو كانت “سفيرة سلام لدى الأمم المتحدة”.

ما يمكن تثبيته من المصادر الأممية هو أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عينها سفيرة وطنية للنوايا الحسنة في ليبيا عام 2009، للتوعية بقضايا منها الفقر وفيروس نقص المناعة والعنف ضد النساء؛ ولم تكن “سفيرة سلام” أو مبعوثة سياسية للأمم المتحدة، وأنهى البرنامج مهمتها عام 2011 بعد تصريحاتها الداعمة للنظام خلال قمع الاحتجاجات.

أما رتبتها العسكرية، فتتضارب بشأنها السير المتداولة، ولم يظهر في المصادر الموثوقة التي ما يثبت رتبة “فريق”.

موقفها من الاستطلاع يضع حدودا للتكهن

في تعليق نشرته قناة الجماهيرية في 3 أكتوبر، شكرت عائشة المصوتين، ودعت الليبيين إلى تجاوز الانقسام بين “سبتمبر” و”فبراير”، ثم طلبت من المنصة عدم مواصلة إدراج اسمها في قوائم التصويت.

كما استخدمت لغة سياسية عن استعادة الوطن، وتطرقت إلى الجدل حول قيادة المرأة، وهذه عبارات تمنح ظهورها بعداً سياسياً، لكنها لا تتضمن إعلان ترشح أو برنامجاً انتخابياً أو تشكيل حملة.

وفي ضوء طلبها وقف إدراج اسمها، سيكون من المبالغة تفسير تفاعلها مع النتيجة على أنه قبول بدخول السباق.

السباق لم يبدأ بعد

حتى 5 أكتوبر 2026، لا تزال العملية الانتخابية نفسها غير مكتملة الشروط، فالاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة في أغسطس تناول إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات ومعالجة الخلافات حول الإطار القانوني والدستوري.

تحدث الاتفاق عن العمل باتجاه انتخابات رئاسية وتشريعية خلال عامين، لكن ذلك لا يعني تحديد يوم اقتراع أو فتح باب الترشح، كما ظهرت اعتراضات على بعض مخرجات التفاهم، فلا يمكن تقييم أهلية عائشة القانونية أو ترتيبها بين مرشحين لم تُعلن المفوضية عنهم بعد.

فرص عائشة في الفوز ممكنة نظريا لكنها غير قابلة للقياس الآن، فلديها اسم يملك حضورا، ويكشف الاستطلاع عن جمهور قادر على الحشد الرقمي.

في المقابل، لا نعرف حجم هذا الجمهور خارج المنصة، ولا مدى تماسك أنصار النظام السابق، ولا ما إذا كانت ستخوض الانتخابات أصلا.ً

الاختبار الحقيقي سيكون بظهور ترشح رسمي، وإطار قانوني واضح، وتحالفات قابلة للعمل، ثم قياس التأييد باستطلاع وطني بمنهجية معلنة، بينما يبقى اسم عائشة متداولاً في نقاش سياسي متجدد حتى ولو لم يثبت ترشحها للانتخابات الرئاسية

بقلم: نضال الخضري

احتجاجا على مشاركة إسرائيل.. ليبيا تنسحب من مباراة في أولمبياد الروبوتات باليونان

اقرأ المزيد