تفتح أزمة رئاسة جهاز المخابرات الليبية نافذة جديدة على مأزق السلطة في غرب البلاد، حيث تتحول القرارات السيادية إلى اختبار للقوة قبل أن تصبح ممارسة مؤسسية.
القرار المنسوب إلى المجلس الرئاسي بإعفاء حسين محمد العائب وتكليف عبد المجيد مليقطة لم يبق في حدود تغيير إداري داخل جهاز حساس، بل تحول إلى صدام بين ثلاث دوائر متداخلة؛ المجلس الرئاسي المنقسم على نفسه، ومجلس النواب المتمسك باختصاصه التشريعي، وشبكات النفوذ المسلحة التي تتحرك حول الأجهزة الأمنية في طرابلس.
اصطدم القرار الذي حمل رقم 8 لسنة 2026، بسؤال أكثر حساسية، فهل صدر بإرادة جماعية من المجلس الرئاسي، أم جرى تمريره باسم مؤسسة لم تتفق داخليا؟
هذا السؤال صار جوهر الأزمة بعد إعلان نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، موسى الكوني، أن الاجتماع لم ينته إلى توافق، وأن المناصب السيادية والقيادية لا تكتسب شرعية إلا باجتماع رسمي، ومحضر معتمد، وإجراءات مكتملة وفق الاتفاق السياسي.

الرئاسي بين الهيئة الجماعية والقرار الفردي
أعاد موقف الكوني النقاش إلى طبيعة المجلس الرئاسي نفسه، فهذه المؤسسة تشكلت بوصفها رأسا جماعيا للدولة في مرحلة انتقالية، ولم تمنح لرئيسها حق الانفراد بالقرارات السيادية الكبرى، ومن هذه الزاوية، يصبح تعيين رئيس جهاز المخابرات، وهو منصب يلامس الأمن القومي والملفات السرية والعلاقات الخارجية، شأناً يتجاوز صلاحيات التوقيع السياسي السريع.
في الحالة الليبية، حيث تضعف الثقة بين المؤسسات، يصبح غياب المحضر أو الخلاف على وقائع الاجتماع ثغرة سياسية وقانونية في آن واحد.
تبرز هنا نقطة أساسية؛ فالأزمة ليست حول أهلية شخص واحد فقط، بل تتناول طريقة إنتاج القرار، فعندما يعجز أعضاء المجلس الثلاثة عن التوافق، ثم يخرج قرار باسم المجلس، تظهر السلطة التنفيذية في طرابلس كجسم مرتبك، لا كمرجعية قادرة على إدارة ملف استخباري معقد.
هذه الصورة تمنح موقف الشرق الليبي، ممثلا في مجلس النواب، مساحة أوسع للدفاع عن فكرة أن ضبط المناصب السيادية يحتاج مرجعية تشريعية لا تفاهمات داخل غرف مغلقة.

مجلس النواب واستعادة منطق المؤسسة
يستند موقف مجلس النواب إلى حجة واضحة، فجهاز المخابرات ليس تابعا لمزاج سياسي عابر، ورئاسته لا تتبدل خارج الأطر القانونية.
رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، وضع المسألة في إطار أوسع حين أكد أن تعيين أو إعفاء رئيس الجهاز لا يكون نافذا إلا بعد عرضه على مجلس النواب واعتماده في جلسة مكتملة النصاب، وهذا الموقف ليس مجرد اعتراض على قرار صادر من طرابلس، بل محاولة لإعادة مركز الثقل إلى المؤسسة التشريعية التي تمثل آخر غطاء قانوني للقرارات السيادية.
يمتلك هذا الطرح قوة إضافية بسبب طبيعة جهاز المخابرات، فقانون إعادة تنظيمه، رقم 8 لسنة 2023، منح رئيس الجهاز درجة وزير، وجعل له صلاحيات واسعة في الإدارة والسرية والتنسيق وتمثيل الجهاز أمام القضاء والجهات الأخرى.
هذه الصلاحيات تجعل المنصب أقرب إلى مركز سيادي كامل، لا وظيفة أمنية عادية، ويبدو اعتراض مجلس النواب منسجما مع فكرة منع تحويل جهاز شديد الحساسية إلى ورقة في صراع داخلي بين أجنحة الغرب الليبي.

جهاز داخل بيئة مسلحة
تمنح بنية الأمن في غرب ليبيا الأزمة بعدا أخطر، فجهاز المخابرات في طرابلس لا يعمل داخل دولة تحتكر السلاح، بل وسط شبكة من التشكيلات المسلحة والمقار الأمنية والولاءات المحلية.
خلال الأسابيع السابقة للأزمة، ظهرت توترات مرتبطة بقرارات داخل الجهاز شملت مكتب شرق طرابلس وتاجوراء، وتحدثت تقارير عن تحركات مسلحة وانتشار أمني حول بعض المقرات، وهذه الخلفية تفسر لماذا لا يجري تغيير رئيس الجهاز كما تغير حكومة مستقرة رئيس هيئة مدنية.
يثبت تاريخ طرابلس بعد 2011 أن الأجهزة الرسمية كثيرا ما تتحول إلى واجهات لتوازنات مسلحة، فالقرار الإداري يغير خريطة رواتب ونفوذ ومقار وأرشيف واتصالات خارجية، ويحمل تعيين رئيس جديد للمخابرات معنى مزدوجا، فهو تغيير في قمة جهاز الدولة، وإعادة توزيع ضمن شبكات القوة التي تحيط به، ما يجعل الأزمة قابلة للتحول من خلاف قانوني إلى احتكاك أمني، خاصة إذا تمسك كل طرف بقراءته للشرعية.

مليقطة والظل الثقيل لمحاولة الاغتيال
تزيد شخصية المكلف الجديد لإدارة المخابرات، عبد المجيد مليقطة، من حساسية القرار، فهو تعرض في يونيو 2024 لمحاولة اغتيال في طرابلس، وأعلنت النيابة لاحقا ضبط عنصرين من جهاز المخابرات وملاحقة آخرين من منتسبيه.
هذه الخلفية تجعل تعيينه على رأس الجهاز نفسه خطوة مثقلة بالرمزية والأسئلة، حيث يستطيع مؤيدوه القول إن وصوله إلى قيادة الجهاز يمثل ردا مؤسسيا على اختراقات داخلية خطرة، ومن جانب آخر، فإن خصومه يرون في القرار نقل العداءات الأمنية والقضائية التي لم تحسم بعد إلى قلب المؤسسة التي يفترض أن تدير الملفات السرية.
التحقيقات والأحكام المنشورة تحدثت عن عناصر من جهاز المخابرات وعن مدانين في محاولة الاغتيال، لكنها لا تقدم، وفق المتاح علنا، حكما قضائيا نهائيا يدين حسين العائب شخصيا.
يبقى ربط العائب بالواقعة في خانة الاتهام السياسي أو الروايات الصحفية، لا في خانة الحقيقة القضائية المكتملة.

الشرق الليبي وميزان الشرعية
يضع الشرق الليبي الأزمة ضمن سياق مرتبط باستمرار محاولات سلطات طرابلس الاستحواذ على المؤسسات السيادية من دون العودة إلى مجلس النواب.
هذه الرؤية مستندة إلى تجارب سابقة، من ملف المصرف المركزي إلى النزاع على المناصب العليا، فالمسألة تتعلق بمنع تكرار نمط سياسي يجعل الأجهزة السيادية رهينة لأزمات الغرب الليبي، الذي يطلب من بقية البلاد الاعتراف بالأمر الواقع.
تتحرك رؤية الشرق على ثلاثة مستويات؛ الأول قانوني بضرورة اعتماد مجلس النواب لأي تعيين أو إعفاء في جهاز سيادي، والثاني أمني مرتبط بتحييد جهاز المخابرات عن الصراع بين التشكيلات المسلحة في طرابلس.
المستوى الثالث سياسي يسعى للحد من تحول المجلس الرئاسي إلى غطاء لقرارات لا تحظى بإجماع أعضائه، وهذه المستويات تمنح موقف البرلمان طابعا مؤسساتيا، حتى لو بقي جزءا من صراع السلطة الليبي الأوسع.

جهاز برأسين
يعكس أخطر سيناريو في الأزمة احتمال ظهور قيادة مزدوجة داخل جهاز المخابرات؛ الأولى تستند إلى قرار المجلس الرئاسي، والثانية تتمسك بأن الإعفاء لم يستكمل مساره القانوني.
أي تنازع في جهاز المخابرات يعني تنافسا على المقرات والأختام والأرشيف والملفات السرية وشبكات الاتصال والعلاقات مع أجهزة أجنبية، وتؤثر هذه الازدواجية أيضا في الخارج، لأن هذ المخابرات طرف في تبادل المعلومات والتنسيق الأمني مع دول وأجهزة إقليمية ودولية.
عندما لا يعرف الشركاء من يمثل الجهاز قانونيا، تتراجع فعالية التعاون، وتدخل ليبيا مرحلة أكثر خطورة من الفوضى الأمنية، لذلك يتجاوز موقف مجلس النواب البعد المحلي عندما يحذر من التعامل مع تغييرات لا تمر بالمسار الذي يراه قانونيا.

أزمة تكشف أصل المرض
تكشف أزمة رئاسة جهاز المخابرات أن المشكلة الليبية لم تعد فقط في تعدد الحكومات، بل في تعدد مصادر القرار داخل كل مؤسسة.
المجلس الرئاسي منقسم، وطرابلس محكومة بتوازنات مسلحة، بينما يتمسك مجلس النواب بموقعه التشريعي، والجهاز الأمني يتحول إلى ساحة اختبار لهذه التناقضات.
يظهر الشرق الليبي بوصفه الطرف الذي يرفع شعار العودة إلى النص القانوني والاعتماد البرلماني، في مواجهة منطق القرارات السريعة الصادرة من بيئة سياسية رخوة.
معركة المخابرات اختبار لمن يملك حق تعريف الدولة الليبية؛ المؤسسة التشريعية التي تطالب بمسار قانوني واضح، أم سلطة انتقالية في طرابلس تحاول فرض قراراتها وسط خلاف داخلي وسلاح منتشر.
بين هذين الخيارين، تبدو مصلحة ليبيا أقرب إلى ضبط الجهاز عبر مسار معلن، لا عبر قرار يضيف إلى الانقسام صراعا جديدا داخل أخطر مؤسساتها.
بقلم مازن بلال
ارتفاع كبير في الهجرة غير الشرعية بين ليبيا وإيطاليا
