العلاقات العسكرية المصرية التركية تشهد تطوراً متسارعاً، مع انتقال التعاون الدفاعي من تبادل وشراء المعدات إلى التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا، وسط خطط لتصدير المنتجات الدفاعية وتعزيز التقارب الاستراتيجي بين البلدين.
وأكد مسؤولون وخبراء أن التعاون العسكري المصري التركي مرشح لمزيد من التطور خلال المرحلة المقبلة، في ظل اتصالات مكثفة بين الجانبين لتعزيز الشراكة الدفاعية، بالتزامن مع التحضير لعقد اجتماع “المجلس الاستراتيجي المشترك” بين البلدين.
وكشف المدير العام لمؤسسة الصناعات الميكانيكية والكيميائية التركية، إلهامي كلش، أن المؤسسة أسست شركة في القاهرة تحمل اسم “ظفر” وفق القانون المصري، بهدف دعم أنشطتها التجارية في مصر وإفريقيا ومنطقة الخليج، وذلك على هامش مشاركتها في “معرض العلمين الدولي للطيران” الذي اختتم فعالياته الجمعة.
وأوضح كلش أن الشركة التركية أبرمت اتفاقاً مع مصر ووزارة الإنتاج الحربي بشأن الإنتاج المشترك للمواد الطاقية والمتفجرات، إلى جانب تصنيع معدات مختلفة للذخائر، مؤكداً أن المشروع يمثل خطوة جديدة في مسار التعاون الصناعي الدفاعي بين البلدين.
وأشار المسؤول التركي إلى تزايد الاهتمام بمنظومة الدفاع الجوي التركية “تولغا”، موضحاً أن مصر أبدت اهتماماً بها، وأنه جرى تنفيذ عملية بيع رمزية بهدف إدخال المنظومة إلى مخزون القوات المسلحة المصرية، مع العمل على إنشاء بنية تحتية تسمح بتسويقها في الأسواق الإفريقية والخليجية عبر المشروع المشترك المزمع إقامته في مصر.
وأضاف أن القدرات المصرية في مجال إنتاج المركبات العسكرية يمكن دمجها مع الأنظمة والمعدات التركية، بما يفتح الباب أمام إنتاج دفاعي مشترك يخدم احتياجات البلدين وأسواقاً خارجية محتملة.
ويأتي هذا التطور في التعاون الدفاعي بعد تحسن العلاقات المصرية التركية منذ عام 2023، عقب تفاهمات أنهت قطيعة سياسية استمرت أكثر من عقد، لتنتقل العلاقات تدريجياً إلى مرحلة جديدة تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وتزامن تصاعد التعاون العسكري مع زيارة وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى تركيا في يوليو الماضي، وهي الأولى من نوعها، وقبلها تصريحات للسفير التركي لدى القاهرة موتلو شن أكد فيها أن التعاون الأمني والعلاقات العسكرية بين البلدين تسيران بشكل إيجابي، وأن تنامي العلاقات بين الجيشين يمكن أن يسهم في دعم أمن واستقرار المنطقة.
كما أجرى رئيس أركان الجيش المصري أحمد خليفة زيارة إلى تركيا في مايو الماضي، التقى خلالها نظيره التركي متين غوراك، حيث بحث الجانبان تطوير التعاون العسكري، خاصة في مجالات التدريب وتبادل الخبرات واستئناف التدريبات المشتركة، من بينها مناورات “بحر الصداقة”.
وفي فبراير الماضي، وقعت مصر وتركيا اتفاقية تعاون عسكري خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى القاهرة، قبل أن يوقع البلدان في أغسطس 2025 اتفاقاً بشأن التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة ذات الإقلاع والهبوط العمودي.
ويرى خبراء أن أهمية الشراكة الدفاعية المصرية التركية تكمن في تكامل قدرات البلدين، إذ تمتلك مصر قاعدة صناعية دفاعية وبنية إنتاجية واسعة وموقعاً جغرافياً يؤهلها لتكون مركزاً للتصدير نحو أفريقيا والشرق الأوسط، بينما تتمتع تركيا بخبرة متقدمة في مجالات الطائرات المسيّرة والإلكترونيات والأنظمة البرية والبحرية.
وقال عادل العمدة، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية والخبير العسكري، إن التحول الأبرز في العلاقات الدفاعية بين القاهرة وأنقرة يتمثل في الانتقال من مجرد شراء السلاح إلى التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا والتدريب والتصدير.
وأضاف أن التعاون بين البلدين قد يتوسع خلال الفترة المقبلة ليشمل مجالات متعددة، من بينها إنتاج الطائرات المسيّرة، والمناورات المشتركة، والتعاون البحري والجوي، وتسويق المنتجات الدفاعية في الأسواق الأفريقية والعربية.
ومن جانبه، اعتبر المحلل التركي طه عودة أوغلو أن الشراكة العسكرية بين مصر وتركيا تشهد “قفزة نوعية”، خصوصاً في مجال الصناعات الدفاعية، متوقعاً أن تتطور من الإنتاج المشترك إلى التصدير خلال المرحلة المقبلة.
وفي الإطار السياسي، بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره التركي هاكان فيدان آفاق تطوير الشراكة بين البلدين، وضرورة مواصلة التحضير لاجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى المقرر عقده في تركيا.
ويرى مراقبون أن المجلس الاستراتيجي المشترك أصبح إطاراً مؤسسياً لتوسيع التعاون بين القاهرة وأنقرة، ومن المتوقع أن يكون الملف الدفاعي أحد أبرز محاوره، في ظل رغبة البلدين في تعزيز قدراتهما وتنويع شراكاتهما الأمنية.
وفي المقابل، أثار التقارب المصري التركي، خصوصاً في المجال العسكري، مخاوف إسرائيلية ظهرت في عدد من وسائل الإعلام العبرية خلال الفترة الأخيرة.
ويرى عادل العمدة أن التعاون بين القاهرة وأنقرة لا يستهدف تشكيل تحالف عسكري ضد طرف ثالث، وإنما يندرج ضمن تعزيز القدرات الوطنية وتنويع مصادر التسليح، مؤكداً أن مصر تتبع سياسة تقوم على بناء شراكات متعددة وعدم الاعتماد على محور واحد.
وأشار إلى أن إسرائيل تنظر إلى هذا التقارب من زاوية مختلفة، إلا أن القاهرة وأنقرة ستواصلان تطوير التعاون الدفاعي باعتباره حقاً سيادياً لكل دولة، مع التأكيد على أن الشراكة لا تتحول إلى تحالف هجومي.
بدوره، توقع طه عودة أوغلو أن تتعامل مصر وتركيا مع المخاوف الإسرائيلية وفق مفهوم الردع وحماية المصالح والأمن القومي، من خلال استمرار تطوير التعاون الدفاعي وتعزيز قدراتهما العسكرية.
ديون مصر الخارجية ترتفع إلى 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025
