06 أكتوبر 2026

أزمة الوقود في السودان تحولت من طوابير الانتظار وصعوبة الحصول على البنزين إلى أزمة تضغط على النقل والشحن والأسواق، وسط موجة من السخرية والتعليقات على منصات التواصل الاجتماعي بشأن المعالجات الرسمية.

وتعد الأزمة الحالية الثالثة من نوعها خلال أقل من شهرين، ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن أسباب تكرار أزمة المحروقات، رغم الوعود الحكومية بتحسن الإمدادات وانفراج الأزمة.

وتلقي الأزمة بظلالها مجدداً على الخرطوم، وسط شكاوى مواطنين من الانتظار لساعات طويلة أمام محطات الوقود وصعوبة الحصول على كميات كافية من المحروقات. وقال أحد المواطنين إنه اضطر إلى الانتظار ثلاثة أيام قبل مغادرة إحدى المحطات بعد توقف عملية الضخ.

ومع تكرار مشاهد الازدحام أمام محطات الوقود، يقول سائقون وأصحاب أعمال إن الحصول على المحروقات أصبح مرتبطاً بدرجة كبيرة بندرة الإمدادات وتفاوت الأسعار، في ظل حديث عن وصول شحنات لا تكفي لتغطية احتياجات السوق لفترات طويلة.

وفي مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، تبدو الأزمة أكثر حدة، وفق إفادات محلية، إذ تشهد محطات الخدمة العاملة صفوفاً طويلة من المركبات، بينما امتد نقص المحروقات ليشمل البنزين والغازولين وغاز الطهي، مع انعكاسات مباشرة على الحركة الاقتصادية وأسعار السلع والخدمات.

وتداول مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي في السودان مشاهد توثق استمرار أزمة الوقود في الخرطوم وود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، ومدن أخرى، وأظهرت المقاطع تكدس المركبات والمواطنين أمام محطات التزود بالوقود، إلى جانب صفوف طويلة امتدت لمسافات كبيرة.

وتحدثت إفادات ميدانية عن شح كبير في إمدادات البنزين والغازولين، ووصول نقص غاز الطهي في بعض الأوقات إلى مستويات شبه تامة.

كما أظهرت مقاطع متداولة مواطناً يوثق طوابير الوقود الطويلة في ود مدني، في وقت تتناقض فيه هذه المشاهد مع تصريحات رسمية نفت وجود أزمة في المحروقات.

وقال محمد سليمان، وهو سائق شاحنة، إن أزمة الوقود “لا تزال مستمرة”، مشيراً إلى وجود طوابير أمام محطات الخدمة.

وأضاف أن الأزمة انعكست على أسعار الشحن وتذاكر السفر، فضلاً عن أسعار الوقود في السوق الموازية، موضحاً أن الوقود هناك “لا يملك سعراً ثابتاً”، وإنما تحدده بصورة أساسية درجة الندرة.

ولا تتوقف تداعيات نقص الوقود عند محطات الخدمة، إذ تنتقل زيادة تكاليف التشغيل سريعاً إلى قطاع النقل، ومنه إلى أسعار السلع والخدمات التي تعتمد على حركة الشاحنات ووسائل المواصلات.

وقال محمد إبراهيم، صاحب وكالة سفريات في الخرطوم، إن العثور على البنزين أصبح صعباً، متسائلاً عن أسباب الأزمة في ظل ما وصفه بالتناقض بين بعض التصريحات الرسمية وما يراه المواطنون على الأرض.

وأضاف ساخراً من الوضع: “البنزين غير متوفر والسلطات تقول غير ذلك، هل نصدقهم أم نصدق أعيننا؟”.

ومن جهته، ربط صاحب إحدى محطات الوقود، طلب عدم نشر اسمه، الأزمة بآلية إمداد السوق بالمحروقات، قائلاً إن الشحنات تصل “باخرة تلو الأخرى”، وإن الكميات التي تصل إلى البلاد لا تغطي احتياجات السوق لفترة طويلة.

وأوضح أن أسعار الوقود ارتفعت بصورة كبيرة في ولايات وسط السودان، مشيراً إلى أن سعر لتر البنزين في ولاية الجزيرة وصل، وفق أحدث زيادة تحدث عنها، إلى 8950 جنيهاً.

وتشير إفادات من ود مدني إلى ارتفاعات أكبر في السوق، إذ بلغ سعر غالون البنزين، وفق تلك الإفادات، نحو 40 ألف جنيه، وسط شح في المعروض وانعكاسات مباشرة على أسعار السلع الاستهلاكية.

كما ارتفع سعر أسطوانة غاز الطهي، بحسب الإفادات نفسها، إلى 106 آلاف جنيه، في ظل نقص الإمدادات، فيما اضطر بعض المواطنين إلى حمل أسطوانات الغاز على ظهورهم بحثاً عن نقاط بيع تتوفر فيها المادة.

وقال صاحب محطة الوقود إن ارتفاع أسعار المحروقات انعكس أيضاً على وسائل النقل الداخلي، موضحاً أن متوسط تعرفة الرحلة في مدينة ود مدني تراوح بين ألفي جنيه و3 آلاف جنيه، وسط تدهور في حالة الطرق والخدمات، بحسب وصفه.

ويلخص صاحب المحطة جوهر المشكلة في التساؤل عما سيحدث بعد انتهاء مفعول الشحنة الجديدة، موضحاً أن الباخرة الواحدة قد تغطي احتياجات السوق لعدة أيام، قبل أن تعود الأزمة من جديد، وهو ما يثير تساؤلات بشأن غياب معالجة جذرية ومستدامة بدلاً من التدخلات المؤقتة.

ويرى المصدر أن الحديث المتكرر عن “معالجات” للأزمة يثير بدوره أسئلة بشأن آلية إدارة ملف الوقود، قائلاً إن المفترض وجود آلية عمل محددة ومستقرة لا تستدعي اللجوء إلى معالجات متكررة.

وأشار إلى أن استيراد الوقود كان يتم في السابق عبر ترتيبات تشارك فيها وزارة الطاقة والشركات والجهات المالية، متسائلاً عن أسباب التحول إلى حلول قصيرة الأجل.

وضرب مثالاً بتكلفة شحنات الوقود، قائلاً إن الباخرة الواحدة قد تصل تكلفتها إلى نحو 70 مليون دولار قبل دخولها ميناء بشائر وتفريغ حمولتها، معتبراً أن تجزئة عمليات الاستيراد بهذه الطريقة لا تمثل، من وجهة نظره، حلاً لأزمة ممتدة.

وأضاف أن دخول باخرة واحدة قد يوفر معالجة مؤقتة لا تتجاوز سبعة أو ثمانية أيام، معتبراً أن مثل هذه التدخلات قد لا تتجاوز، بحسب وصفه، “ذر الرماد في العيون” في ظل الأزمة الاقتصادية والخدمية الواسعة التي يعيشها السودان.

وفي إفادة أخرى، قالت مصادر تحدثت إلى «العربية.نت» و«الحدث.نت» إن إدارات البترول في الولايات تفرض رسوماً وضرائب ترفع، وفق تقديرها، تكلفة نقل الوقود وتوزيعه.

وذكرت المصادر أن ناقل الوقود كان يدفع، قبل أشهر، نحو 18 مليون جنيه لإدارة النقل في الولاية عن كل شاحنة، فيما وصلت قيمة بعض الرسوم، بحسب إفادة أخرى، إلى ما يعادل 401 جنيه للتر، مع استمرار هامش الربح الذي وصفته المصادر بالمرتفع.

وبحسب أحدث زيادة أشار إليها المصدر في ولاية الجزيرة، بلغ سعر لتر البنزين 8950 جنيهاً، فيما يصل هامش ربح ناقل الوقود، بعد احتساب تكاليف الترحيل والضرائب والرسوم العامة ورسوم إدارات البترول، إلى نحو 20%، وفق حساباته.

وفي رواية مختلفة لأسباب الأزمة، قال مصدر مطلع على ملف الوقود، طلب عدم نشر اسمه، إن الأزمة ترتبط بصورة أساسية بشح النقد الأجنبي وارتفاع سعر الدولار، وليس بالرسوم والضرائب المفروضة على الوقود.

وأشار المصدر إلى أن سعر الدولار الأميركي في السوق الموازية يصل إلى نحو 8400 جنيه سوداني، وفق مؤشرات التداول.

وفي المقابل، نفت السلطات وجود أزمة في الوقود، في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً أعقبتها موجة من السخرية والتهكم على منصات التواصل الاجتماعي.

ومع تصاعد الأزمة، أجرى رئيس الوزراء كامل إدريس جولة تفقدية على عدد من محطات الوقود، ونفى رسمياً وجود أزمة في البلاد، قائلاً من داخل إحدى المحطات إن “المحطات مليئة بالوقود ولا توجد أزمة”.

واتهم إدريس من وصفهم بـ”أعداء الوطن” بترويج الشائعات وخلق ما سماه “حرباً اقتصادية مصطنعة”.

ومن جانبها، عزت وزارة الطاقة والنفط الازدحام الحالي إلى مجموعة من العوامل الفنية والخارجية، من بينها التذبذب والبطء في تطبيقات الخدمات المصرفية، مثل تطبيق “بنكك”، ما أدى، بحسب الوزارة، إلى إبطاء عمليات الدفع والشراء داخل المحطات وتراكم السيارات.

كما أشارت الوزارة إلى الاضطرابات الجيوسياسية في مضيق باب المندب، التي قالت إنها أخرت وصول ناقلات النفط ورفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري.

وفي السياق ذاته، عقد وزير الطاقة والنفط المعتصم إبراهيم أحمد اجتماعاً تنسيقياً مع وزير المالية جبريل إبراهيم ومحافظ بنك السودان المركزي آمنة ميرغني، لبحث موقف إمدادات المنتجات البترولية، والاطمئنان إلى استقرار توفير المشتقات النفطية بما يضمن تلبية احتياجات القطاعات الحيوية والخدمية والإنتاجية، وتعزيز انتظام الإمدادات في الولايات.

وقالت وزارة الطاقة والنفط، في تعميم صحافي، إن الاجتماع أكد ضرورة مواصلة المراقبة والمتابعة المستمرة لوضع الإمدادات النفطية، وتوفير التمويل اللازم لاستيراد المشتقات البترولية في الوقت المناسب، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجهات المختصة لضمان استدامة الإمداد وتفادي الاختناقات.

وأثار التناقض بين التصريحات الرسمية التي تتحدث عن وفرة الوقود، والمشاهد التي توثقها إفادات المواطنين أمام المحطات، موجة من الغضب والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي في السودان.

ويرى مواطنون أن النفي الرسمي والحديث عن “مؤامرات” لا ينسجمان مع واقع الانتظار لساعات أو أيام أمام محطات الوقود، في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعاً في أسعار المحروقات وغاز الطهي.

كما يرى منتقدون أن الحديث عن “أعداء الوطن” وترويج الشائعات يمثل، من وجهة نظرهم، محاولة للتغطية على ما يعتبرونه إخفاقاً إدارياً، فضلاً عن مخاوف من أن تمهد الأزمة لزيادات رسمية جديدة في أسعار المحروقات.

وبينما تتعدد الروايات بشأن أسباب أزمة الوقود، يجد المواطن نفسه في نهاية سلسلة طويلة من التكاليف تشمل الاستيراد والشحن والتفريغ والنقل والرسوم والضرائب، ثم التوزيع في سوق تعاني أصلاً من شح السيولة وارتفاع تكاليف التشغيل.

ويؤكد أصحاب أعمال أن المشكلة لم تعد مرتبطة بسعر الوقود وحده، وإنما بما يترتب عليه من ارتفاع متسلسل في تكاليف النقل والشحن وتذاكر السفر وأسعار السلع.

وفي المقابل، أثارت التصريحات الرسمية المتعلقة بمعالجة الأزمة موجة من التعليقات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يرى متابعون أن الفجوة بين الخطاب الرسمي وما يواجهه المواطنون أمام محطات الوقود أصبحت جزءاً من الأزمة نفسها.

وبين وصول شحنة جديدة وانتظار أخرى، وصفوف تمتد أمام المحطات وأسعار تتغير وفق درجة الندرة، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت شحنة جديدة قادرة على احتواء الأزمة مؤقتاً، أم أن أزمة الوقود في السودان تحتاج إلى إعادة نظر شاملة في آليات الاستيراد والتمويل والتوزيع والتسعير.

السودان ينفي تقارير المجاعة في مخيم زمزم للنازحين بشمال دارفور

اقرأ المزيد