22 يوليو 2026

فتح اجتماع نيامي في 8 يوليو 2026 فصلاً جديداً في علاقات روسيا بكونفدرالية دول الساحل، محولاً التعاون المتفرق إلى شراكة مؤسسية تعيد رسم موازين النفوذ في المنطقة.

عملياً، حمل اجتماع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مع نظرائه في مالي والنيجر وبوركينا فاسو دلالة تتجاوز زيادة صفقات السلاح وبرامج التدريب، فالتعهد بدعم الجيوش الوطنية و”القوة الموحدة”، إلى جانب مذكرة المشاورات وخطة العمل للفترة 2026-2027؛ نقل العلاقة من الاستجابة المؤقتة للتهديدات الأمنية إلى بناء منظومة تعاون دائمة بين موسكو وتحالف الساحل.

كما يكشف ربط الشراكة بمبادئ السيادة وعدم التدخل عن الأساس السياسي لهذا التقارب، حيث تقدم روسيا نفسها شريكاً يحترم خيارات الحكومات المحلية في مقابل النموذج الغربي المرتبط بالشروط السياسية.

وجاء اجتماع نيامي بعد سلسلة خطوات متراكمة، فتحولت رابطة الدفاع المشترك إلى كونفدرالية في يوليو 2024، وعقدت أول مشاورات جماعية مع موسكو في 3 أبريل 2025، ثم وقعت وزارات الدفاع مذكرة تفاهم في أغسطس من العام نفسه.

تعهدت روسيا خلال هذه العملية بتسهيل حصول القوة المشتركة، التي يبلغ قوامها المعلن 5 آلاف جندي، على عتاد عالي الأداء وتدريب ومساعدة فنية، حيث يكشف هذا التسلسل بناء محور سياسي وأمني طويل الأجل، وليس صفقة سلاح عابرة.

من إخفاق الشراكة الغربية إلى خيار موسكو

تعود أهمية العرض الروسي إلى حصيلة عقد من مكافحة الإرهاب تحت قيادة غربية، فالتدخل الفرنسي أخفق في تحقيق أمن دائم.

اتسعت عمليات تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية من شمال مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر، بينما ترسخت محلياً صورة فرنسا كقوة وصاية تربط الأمن بأولوياتها السياسية والهجرة، وتحمي ترتيبات اقتصادية موروثة أكثر مما تبني سيادة وطنية.

وعمقت الانقلابات بين 2020 و2023 القطيعة، فغادرت القوات الفرنسية مالي في أغسطس 2022 وبوركينا فاسو في فبراير 2023 والنيجر في ديسمبر 2023، وانسحبت بعثة الأمم المتحدة من مالي، ثم أكملت الولايات المتحدة سحب قواتها من النيجر في سبتمبر 2024، بما فيها قاعدة أغاديز للمسيرات.

وأسست الدول الثلاث إطاراً للتنسيق الأمني والسياسي بعد خروجها من “إيكواس” أصبح نافذاً في يناير 2025.

جاء الحضور الروسي بعد تلك التطورات بناء على طلبات واتفاقات أبرمتها الحكومات القائمة في الدول الثلاث، ما منحه غطاء سيادياً يختلف عن طبيعة التواجد الغربي السابق، وأعطي موسكو شرعية تعاقدية لدى السلطات.

عرض روسي يتجاوز السلاح

تضمن العرض معدات وتدريباً وإسناداً لوجستيا ًوعناصر من “فيلق إفريقيا”، وتوسع المسار إلى اتفاقات للأقمار الاصطناعية والاتصالات والاستشعار عن بعد لمراقبة الحدود والكوارث.

شملت الشراكة كذلك الطاقة النووية السلمية في مالي وبوركينا فاسو، والبنية التحتية والنقل والطاقة الرقمية، والبحث عن فرص في الذهب واليورانيوم.

ويعكس حديث الطرفين عن بنك كونفدرالي للاستثمار ومشاريع مشتركة محاولة ربط الأمن بالتنمية، وهي الحلقة التي افتقدتها التدخلات العسكرية السابقة.

يمتد هذا التحرك ضمن استراتيجية إفريقية أوسع، حيث بدأ لافروف جولته من إثيوبيا، وبحث في أديس أبابا مسائل الطاقة والنقل والتقنيات الرقمية والاتصالات وأمن المعلومات والزراعة، والتقى رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، قبل انتقاله إلى نيامي.

كما تستعد موسكو أيضاً للقمة الروسية الإفريقية الثالثة في 28 و29 أكتوبر 2026، ما يجعل تحالف الساحل منصة داخل شبكة دبلوماسية واقتصادية تتجاوز غرب إفريقيا.

قدرة مفيدة وحدود قاسية

يرفع التعاون الروسي جاهزية الجيوش الوطنية، عبر معالجة جوانب القصور في قدراتها التشغيلية وتعزيز قدرتها على تنفيذ عمليات مشتركة ضد الجماعات المسلحة.

وفق هذه الآلية فإن القوة الموحدة تستطيع تجاوز الحدود التي تستغلها الجماعات المسلحة، وتوحد التخطيط والقيادة والاحتياط بين الدول الثلاث، ويتمثل الاختبار أمام هذه الشراكة في ترجمة مزاياها التكتيكية إلى نتائج مستقرة عبر جغرافيا شاسعة، وهو ما يتطلب تطوير قدرات النقل والصيانة والاستخبارات البشرية وتوسيع حضور الدولة في المناطق النائية، كما يرتبط نجاحها بدمج العمل العسكري مع إدارة محلية فاعلة وخدمات عامة وآليات للعدالة والحوار مع المجتمعات.

كافة التحديات السابقة ظهرت في مؤشرات 2025 و2026 المرتبطة بالإرهاب، فسجلت منطقة الساحل أكثر من نصف وفيات الإرهاب عالمياً خلال 2025، وحلت بوركينا فاسو والنيجر ومالي في المراتب الثانية والثالثة والخامسة على مؤشر الإرهاب العالمي.

ويعكس انخفاض وفيات الإرهاب في بوركينا فاسو بنسبة 45% إلى 846 مؤشراً أوليا ًعلى تحسن الأداء الأمني، أما هجمات 25 أبريل 2026 المنسقة في مالي، التي أسفرت عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا وسيطرة المسلحين على كيدال، فوضعت الشراكة الجديدة أمام اختبار ميداني واسع.

كما تؤكد الهجمات اللاحقة على مواقع الجيش أن المرحلة المقبلة ستقاس بقدرة الإسناد الروسي والقوة الموحدة على تثبيت المكاسب واستعادة المبادرة ومنع الجماعات المسلحة من توسيع عملياتها، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2026.

أظهرت شحنات الدبابات والمدرعات والقوارب عبر ميناء كوناكري أن موسكو تبني ممراً لوجستياً طويل الأمد، ضمن نموذج يركز على دعم الجيوش الوطنية بالمعدات والخبرات وتعزيز قدرتها على تولي المسؤولية الأساسية عن أمن المنطقة.

العقوبات والضغط ونتائج عكسية

حملت السياسة الغربية بعد الانقلابات مزيجاً من العقوبات والعزل وتعليق المساعدات، ففرض الاتحاد الأوروبي تجميد أصول وحظر سفر على خمسة مسؤولين ماليين عام 2022، وأنشأ إطار عقوبات خاصا بالنيجر عام 2023، وعلق الدعم المالي والتعاون الأمني.

من جانبها أوقفت واشنطن مساعدات تقارب 200 مليون دولار للنيجر، بينما أغلقت “إيكواس” الحدود وجمدت أصول الدولة وعلقت المعاملات التجارية عقب انقلاب 2023.

بررت الجهات الغربية هذه الإجراءات بالسعي إلى استعادة النظام الدستوري، بينما رأت دول التحالف فيها وسيلة ضغط سياسي واقتصادي انعكست آثارها على السكان وقطاعات التجارة والطاقة والصحة والأمن الغذائي.

وعكس رفع معظم العقوبات المفروضة على النيجر في فبراير 2024 لأسباب إنسانية الكلفة الاجتماعية والحاجة إلى استبدالها بالحوار والتعاون.

كشفت مواقف اجتماعات نيامي انتقال المواجهة مع الغرب من المجال الأمني إلى المجالين الاقتصادي والإعلامي، فاتهمت دول التحالف فرنسا وأوكرانيا بالتدخل في شؤون المنطقة والتعاون مع جماعات مسلحة بهدف إضعاف خياراتها السيادية.

ردت الدوائر الأوروبية عبر تصوير التقارب مع موسكو بوصفه تهديداً للجناح الجنوبي لحلف الناتو، وربطته بملفات الهجرة واليورانيوم وطرق الشحن، في محاولة لتبرير استمرار الضغط السياسي والاقتصادي على مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

ويشكل ملف الهجرة المثال الأوضح على هذه المقاربة الأوروبية، فتعاملت بروكسل مع إلغاء النيجر قانون عام 2015 بوصفه تهديداً لأمنها، بينما جاء القرار ضمن توجه نيامي لاستعادة إدارة حدودها وإنهاء قيود أضرت باقتصاد أغاديز وحركة التنقل التقليدية.

ورغم ارتفاع حركة المغادرين عبر الأراضي النيجرية، لم تسجل البيانات زيادة مقابلة في الوصول إلى أوروبا، ما يضعف ربط القرار بمخطط منظم لتوظيف الهجرة.

وتبقى عوامل الفقر والجفاف والنزاعات وتراجع فرص العمل المحركات الأساسية لهذه الظاهرة، في حين ينقل الخطاب الأوروبي المسؤولية من الاختلالات التنموية والسياسات الأمنية السابقة إلى الخيارات السيادية الجديدة لدول الساحل.

نهاية الاحتكار وبقاء المنافسة

يرتبط مستقبل النفوذ الغربي بمدى استيعابه أن مرحلة الاحتكار الفرنسي انتهت، وأن دول الساحل باتت ترفض العلاقات القائمة على الوصاية وتوزيع الأدوار من الخارج.

تملك أوروبا والولايات المتحدة أوراقاً مؤثرة في التجارة والتمويل والتعليم والتكنولوجيا والمساعدات، لكن تحويلها إلى وسائل للعقاب والضغط السياسي أضعف الثقة بها وحمل السكان كلفة أزمات لم يسهموا في صنعها، بينما بقيت الأولويات الأمنية لدول المنطقة من دون استجابة فاعلة.

وتعكس الاتصالات التي بدأتها واشنطن مع حكومات التحالف منذ عام 2025، إلى جانب المقاربة التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي في نوفمبر من العام نفسه، إدراكاً متأخراً بأن سياسة العزل والعقوبات لم تحقق أهدافها.

يتجه الساحل نحو تعدد الشراكات، وتوظف مالي والنيجر وبوركينا فاسو علاقتها مع موسكو لتوسيع هامش استقلالها والحصول على خيارات أفضل من روسيا والصين وتركيا ودول الخليج والغرب.

بقلم نضال الخضري

روسيا تعزز تعاونها العسكري والاقتصادي مع نيجيريا ومالي

اقرأ المزيد