يتوقف مصير اتفاق “4+4” على قدرته على كسب توافق مؤسسي أوسع، فالتفاهم الذي لا تقبله المؤسسات المعنية قد يتحول إلى سبب جديد لتعطيل الانتخابات.
وقّع ممثلو المسار اتفاقاً في 30 أغسطس يتناول تعديل القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، تمهيداً لإجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز عامين. لكن المجلس الأعلى للدولة رفض مخرجاته، وصوّت 72 عضواً من أصل 92 على الرفض في 5 أكتوبر، قبل أن يرسل رئيسه محمد تكالة قرارات المجلس رسمياً إلى البعثة الأممية في 11 أكتوبر. وأعاد ذلك الخلاف إلى سؤال أساسي: كيف تُعتمد قواعد الانتخابات، وما التوافق اللازم حتى تصبح ملزمة للمؤسسات الليبية؟
تتعثر الانتخابات في ليبيا منذ سنوات بفعل انقسامات سياسية أوسع، ويتوقف المسار الآن على قدرة البعثة الأممية ومجلسي النواب والدولة على تحويل الاعتراض إلى تفاوض يفضي إلى ضمانات وآلية اعتماد مشتركة. أما استمرار الخلاف حول الشرعية، فقد يدفع كل مؤسسة إلى التمسك بموقعها وتأجيل قرارات تعيد توزيع السلطة.

اتفاق مصغر يصطدم بضرورة التوافق الأوسع
أنشأت البعثة مسار “4+4″، أو “الاجتماع المصغر”، لمعالجة إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، وتسوية المسائل العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وبعد جولات بدأت في روما ثم تواصلت في تونس، وقّع المشاركون اتفاقاً ينص، وفق البعثة، على تعديلات في الإطار الانتخابي وترتيبات لإجراء الانتخابات تحت سلطة تنفيذية موحدة، والعمل على تنظيمها خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً.
قُدّم هذا المسار بوصفه محاولة لكسر جمود استمر أشهراً بين المؤسسات، لكن ضيق دائرة التفاوض، الذي ساعد على إنجاز الاتفاق، تحوّل إلى نقطة ضعف عند الانتقال من التفاهم إلى التنفيذ. فمشاركة ممثلين عن المؤسسات في التفاوض والتوقيع لا تعني تلقائياً موافقة تلك المؤسسات، ولا تحسم ما إذا كان الاتفاق يستوفي الإجراءات القانونية التي يعتبرها المجلس الأعلى للدولة لازمة.
المفارقة أن المسار استطاع إنتاج تفاهم لم تنجح القنوات التقليدية في إنجازه، لكنه لم يضمن القبول المؤسسي اللازم لتنفيذه. ووفق تقرير مجلس الأمن لشهر أكتوبر، أيّد مجلس النواب الاتفاق في سبتمبر، فيما اعترض المجلس الأعلى للدولة على مخرجاته، محتجاً بأن تعديل الإطار الانتخابي وإعادة تشكيل المفوضية يجب أن يمرا عبر الآليات المؤسسية المتفق عليها، ومنها لجنة “6+6” المشتركة.

الخلاف يتجاوز القوانين إلى من يملك القرار
يشمل اعتراض المجلس الأعلى للدولة مخرجات “4+4″، وبعض القوانين الانتخابية الصادرة عن مجلس النواب، وقراري اعتماد الاتفاق وإعادة تشكيل مجلس المفوضية.
وفي رسالته إلى هانا تيتيه، شدد تكالة على أن دور البعثة ينبغي أن يقتصر على التيسير والدعم، وأن تنطلق التسوية من إرادة ليبية وتلتزم المرجعيات الدستورية والسياسية. كما أعلن تمسك المجلس بخارطة الطريق الأممية التي أُعلنت في أغسطس 2025.
يمكن قراءة هذا الموقف باعتباره دفاعاً عن مبدأ التوافق بين المجلسين، خصوصاً أن القوانين الانتخابية وتشكيل المفوضية يحددان شروط الترشح وآليات إدارة الاقتراع والجهة التي ستشرف عليه. وإذا طُعن في طريقة اعتماد القوانين أو في استقلال المفوضية، فقد يمتد النزاع من مرحلة التحضير إلى شرعية النتائج نفسها.
لكن الاعتراض يحمل أيضاً أثراً سياسياً مباشراً، إذ يعيد القرار إلى مسار تفاوضي يشارك فيه المجلس الأعلى للدولة بوصفه طرفاً مؤسسياً كاملاً. ولا يثبت ذلك وحده أن المجلس يسعى إلى التعطيل، لكنه يعني أن توقيع ممثلين ضمن صيغة تفاوضية محدودة لن يكون كافياً ما لم يجد طريقاً إلى اعتماد أوسع.
في المقابل، قد يرى مجلس النواب في إعادة فتح التفاهمات تراجعاً عن اتفاق شارك فيه ممثلون عن مؤسسات ليبية وأيدته البعثة.
من هذه الزاوية، لا يمكن اختزال الخلاف في مواجهة بين “إجراء الانتخابات” و”منعها”، لأنه يتعلق بمن يحدد القواعد، ومن يملك حق المصادقة عليها، وما إذا كانت المشاركة في التفاوض تمنح الممثلين تفويضاً كافياً لإلزام المؤسسات التي ينتمون إليها. والتعامل مع هذه الأسئلة بوصفها تفاصيل إجرائية قد يترك نزاع الشرعية قائماً حتى بعد استكمال النصوص.

مفوضية الانتخابات في قلب توازن السلطة
إعادة تشكيل مجلس المفوضية ليست مسألة إدارية محضة، فهي المؤسسة التي ستتولى التحضير للانتخابات وإدارة الاقتراع وإعلان نتائجه.
وفي بلد منقسم بين مؤسسات تتنازع الشرعية والسلطة، يصبح قبول الأطراف بتركيبتها شرطاً عملياً لتقليل الطعون والنزاع على النتائج.
تزداد أهمية ذلك لأن الانتخابات المقترحة لا تجري في فراغ سياسي، فالاتفاق يتحدث عن انتخابات رئاسية وتشريعية تحت سلطة تنفيذية موحدة. وهذا يربط ملف المفوضية بالاتفاق على السلطة التي ستدير المرحلة، وبالقوانين التي تنظم الترشح والاقتراع.
وإذا تعثر التوافق على أحد هذه المكونات، فقد تتوقف بقية الخطوات أو تُنفَّذ وسط اعتراض يضعف قبولها.
ولا يقتصر الخلاف على تركيبة المؤسسات المركزية، بل يمس قدرة الدولة على تطبيق قواعد موحدة في مناطق تتفاوت فيها السيطرة الإدارية والأمنية. وقد يؤدي استمرار التنافس إلى إعادة فتح النزاع حول من يحكم وكيف تُوزَّع السلطة، حتى بعد إعلان نتائج الانتخابات.
أما البعد الخارجي، فيظهر هنا أساساً من خلال دور الأمم المتحدة في الوساطة ودعم خارطة الطريق. ولا تكفي المعطيات المتاحة للقول إن طرفاً دولياً فرض موقف الرفض أو الاتفاق، فيما يتمثل التحدي أمام البعثة في دعم التفاوض من دون أن تتحول صيغة الوساطة نفسها إلى موضع نزاع حول شرعيتها.

البدائل: تعديل المسار مع الحفاظ على الهدف
البديل الأول هو إعادة مخرجات “4+4” إلى المجلسين عبر آلية اعتماد واضحة، مع حسم ما يحتاج إلى تعديل أو تصويت أو توافق مسبق.
يمكن لهذا الخيار أن يحافظ على ما أُنجز في المفاوضات، لكنه يتطلب تنازلات متبادلة، من مجلس النواب بشأن القرارات التي يصفها المجلس الأعلى بأنها أحادية، ومن المجلس الأعلى بشأن مناقشة التفاهمات بدلاً من رفض المسار كله.
أما البديل الثاني، فهو تفعيل لجنة “6+6” لتسوية المواد الانتخابية المتنازع عليها، ثم إحالة النتائج إلى المجلسين. ويمنح هذا الخيار الخلاف إطاراً مؤسسياً مشتركاً، لكنه قد يعيد العملية إلى نقطة البداية إذا اختلف الطرفان على تفويض اللجنة أو جدولها الزمني.
ويتمثل البديل الثالث في البناء على خارطة الطريق الأممية لعام 2025، التي تجمع بين الإطار الانتخابي وتوحيد المؤسسات والحوار المنظم حول الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة. لكن العودة إلى الخارطة لا تكفي وحدها، إذ يتطلب الأمر تحديد صلة هذه المسارات بالاتفاق الموقّع، والخطوات التي يستطيع كل طرف تنفيذها، والجهة التي تراقب الالتزام بها.
ويمكن أن يصاحب هذه الخيارات توسيع الحوار الوطني ليشمل المجلس الرئاسي وقوى سياسية واجتماعية، بما يعزز القبول العام، شرط ألا يتحول إلى دائرة إضافية تؤجل القرارات.

ما الذي يحدد المسار المقبل؟
إذا استجابت البعثة ومجلس النواب لاعتراضات المجلس الأعلى بفتح تفاوض محدود ومحدد المدة، فقد يتحول الرفض إلى فرصة لتقوية الاتفاق وإكسابه قبولاً أوسع.
وستظهر مؤشرات ذلك في اجتماعات معلنة، ووضع جدول زمني، وتوضيح آلية التصديق على التعديلات وتشكيل المفوضية.
أما إذا تمسك كل طرف بموقفه، فسيبقى الاتفاق قائماً سياسياً من دون مسار تنفيذ متفق عليه. ولن يكون التعطيل نتيجة الرفض وحده، بل أيضاً نتيجة عجز المؤسسات عن الاتفاق على آلية لتحويل التفاوض إلى قرار ملزم.
وسيكون المؤشر المبكر هو ما إذا كانت البعثة ستدعو إلى استكمال التنفيذ وفق الصيغة الحالية، أم ستعيد الأطراف إلى صيغة تفاوضية أوسع.
لا يحسم رفض المجلس الأعلى للدولة مصير “4+4″، لكنه يكشف حدود الاتفاق الذي لا يحظى بقبول مؤسسي كافٍ. فالمسار الليبي لا يحتاج إلى مزيد من الوثائق بقدر حاجته إلى آلية اعتماد مشتركة، وجدول خطوات معلن، وضمان ألا تتحول المفاوضات إلى حق نقض مفتوح.
إذا أمكن الاتفاق على هذه الآلية، يصبح الرفض مدخلاً لإعادة التفاوض. أما إذا بقيت الشرعية نفسها موضع مساومة، فسيضيف الخلاف محطة جديدة إلى طريق الانتخابات المؤجل.
بقلم نضال الخضري
تقرير أممي يحذر من انخفاض إنتاج الحبوب الليبي
