توفي الشاعر المغربي محمد السرغيني، يوم الجمعة 14 أغسطس 2026، عن عمر ناهز 96 عاماً، بعد مسار طويل في تجديد القصيدة المغربية.
وينتمي السرغيني، المولود في فاس عام 1930، إلى جيل الستينيات الذي أسهم في إحداث تحول نوعي في الشعر المغربي، على مستوى الشكل والإيقاع والبناء النصي والدلالي، وكان من أبرز الأصوات التي دفعت القصيدة المغربية نحو آفاق الحداثة.
بدأ السرغيني تجربته الشعرية في وقت مبكر بنبرة رومانسية، ونشر بعض نصوصه الأولى باسم مستعار هو “محمد نسيم”. وامتدت مرحلة “الأشعار الأولى” بين عامي 1954 و1967، وهي الفترة التي تبلورت خلالها ملامح أسلوبه الشعري، خصوصاً خلال إقامته في بغداد، التي كانت آنذاك من أبرز مراكز التحديث الشعري والفني في المشرق.
ورغم حضوره الشعري المبكر، لم تصدر مجموعته الأولى “ويكون إحراق أسمائه الآتية” إلا عام 1987، بعد نحو أربعة عقود من الكتابة. وتوالت بعدها أعماله، من بينها “بحار جبل قاف” عام 1991، و”الكائن السبإي” و”وجدتك في هذا الأرخبيل” عام 1992، و”من فعل هذا بجماجمكم” عام 1994، و”احتياطي العاج ومن أعلى قمم الاحتيال” عام 2000، و”تحت الأنقاض فوق الأنقاض” عام 2012.
وحصل السرغيني على جائزة الأركانة العالمية للشعر عام 2005، تقديراً لمشروعه الشعري الذي اتسم بتنوع مراحله ومرجعياته. فقد بدأت تجربته بنزعة رومانسية ومهجرية، قبل أن تنعطف نحو الواقعية المرتبطة بالالتزام الأيديولوجي، ثم تتجه لاحقاً إلى التصوف بوصفه رؤية فكرية ولغوية وجمالية.
واحتل التصوف مكانة مركزية في تجربة السرغيني، إذ وظفه باعتباره مجالاً لتوليد الصور والاستعارات والرؤى، وليس مجرد معجم لغوي أو ممارسة شكلية. وانفتح شعره على عناصر متنوعة من تاريخ الفكر والفن الإنساني، شملت الأساطير والأديان والحضارات والعلوم والفلسفة والأمثال الشعبية والمسرح والنثر العلمي.
وتميزت لغة السرغيني بكثافتها وتشعبها ووعورتها الدلالية أحياناً، نتيجة اشتغاله على اللغة بوصفها مجالاً للرؤيا والحدس، واعتماده آليات التوليد والانزياح والتجريد. كما سعى إلى تجاوز العلاقات اللغوية المألوفة، بحثاً عن لغة شعرية قادرة على منح الصورة استقلالها ودفقها الخاص.
ورأى نقاد وشعراء أن هذه الخصائص جعلت تجربة السرغيني من التجارب الشعرية التي يصعب إخضاعها للمقاربات النقدية التقليدية، بسبب انفتاحها على الفلسفة والتصوف والتراث والحداثة، وتعدد مستوياتها الدلالية والجمالية.
واعتبر الناقد نجيب العوفي أن السرغيني تجاوز التصنيفات الجيلية والأدبية، واصفاً إياه بـ”فينيق شعري متجدد”، مشيراً إلى قدرته على مواصلة التجدد رغم امتداد تجربته عبر عقود.
وقال الشاعر والباحث يحيى عمارة إن رحيل السرغيني يمثل فقداناً لأحد رواد الحداثة الأدبية والشعرية في الثقافة المغربية المعاصرة، مشيراً إلى أنه ظل يبدع ويجدد ويفكر في الإشكالات المعرفية والنقدية انطلاقاً من رؤية فكرية وجمالية متعددة المرجعيات.
ووصف الناقد صالح لبريني السرغيني بأنه أحد الأصوات المؤسسة للشعر المغربي المعاصر إلى جانب أحمد المجاطي وعبد الكريم الطبال، مشيراً إلى تأثر تجربته بالرمزية والسريالية، إلى جانب تشبعه بالتراث العربي، ولا سيما تجربة ابن عربي الصوفية.
وأضاف لبريني أن شعر السرغيني يجمع بين المعرفة الفلسفية والحس الوجداني، ويزاوج بين التأصيل التراثي والتجديد الحداثي، بما جعله منفتحاً على أشكال تعبير تتجاوز المعنى الجاهز، وتحتاج إلى مقاربات تأويلية تتعامل مع المعنى بوصفه مؤجلاً ومنفتحاً.
ومن جهته، قال الشاعر محمد شيكي إن السرغيني ترك “أثراً شعرياً عميقاً وذاكرة لا يطويها الغياب”، معتبراً أن رحيله يفقد الشعر المغربي أحد أصواته المؤسسة، وأن القصيدة التي جعل منها سؤالاً في الوجود ستظل حاضرة بعد غيابه.
أما عبد السلام دخان، فوصف السرغيني بأنه أحد الأسماء المؤسسة للحداثة الشعرية في المغرب، مشيراً إلى أن تجربته جعلت من القصيدة فضاء لاكتشاف اللغة وتمظهر الكينونة، وربطت بين الشعر والفكر الأدبي والتحولات المرتبطة بالزمن والتاريخ والوعي.
وأضاف دخان أن السرغيني كان شاعراً وأستاذاً وناقداً، امتلك قدرة على الإصغاء إلى النص والكشف عن بنياته وممكناته الدلالية، وأسهم مع جيله في نقل الشعر المغربي إلى مرحلة جديدة من الحداثة الشعرية.
بدوره، استحضر عبد الجبار العلمي تجربة السرغيني الأكاديمية، مشيراً إلى أنه درّس الشعر الحديث في كلية الآداب ظهر المهراز بفاس، وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة والأساتذة والأدباء والشعراء.
كما أشار العلمي إلى بدايات السرغيني الرومانسية ونشره قصائده في مجلة “الأنيس” بتطوان عام 1947 باسم “محمد نسيم السرغيني”، فضلاً عن اهتمامه بتعلم اللغة الإسبانية وترجمة بعض الأعمال الإبداعية، ومواكبته للمناهج الحديثة في الأدب والنقد.
برحيل محمد السرغيني، يفقد الشعر المغربي واحداً من أبرز أصواته المؤسسة والمجددة، بعد مسار امتد لأكثر من سبعة عقود، ترك خلاله تجربة شعرية وفكرية متشعبة ظلت وفية للبحث عن إمكانات جديدة للقصيدة واللغة.
توقف تصدير السلع المغربية إلى إفريقيا عبر معبر الكركرات بسبب قرار موريتاني
