الجيش المصري أعلن بدء المرحلة الرابعة من عملية “درع الجنوب” السبت المقبل، لمكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب بالصحراء الشرقية، مع استخدام طائرات مسيّرة مسلحة لاستهداف مواقع تضم عناصر مسلحة، وفق المتحدث العسكري.
ويأتي الإعلان في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الحقوقية والسياسية في السودان، على خلفية مقتل عشرات من عمال التنقيب الأهلي عن الذهب جراء ضربات جوية استهدفت مواقع تعدين قرب الحدود المصرية، وسط مطالب بإجراء تحقيق مستقل ومحايد لتحديد المسؤوليات وكشف ملابسات الهجمات.
وخلال مؤتمر صحافي استعرض فيه نتائج عملية “درع الجنوب”، أوضح المتحدث العسكري أن العمليات نُفذت على ثلاث مراحل، انطلقت الأولى في 14 يونيو الماضي، وشملت مناطق غرب مرسى علم وجبل إيقات، فيما امتدت المرحلة الثانية إلى منطقتي وادي دبور والبرامية، أما المرحلة الثالثة، فنُفذت خلال الفترة من 12 إلى 29 أكتوبر، واستهدفت تمشيط المناطق التي سبق التعامل معها والتأكد من عدم عودة العناصر المخالفة إليها.
وأعلن عتمان ضبط 691 شخصاً، بينهم 151 مصرياً و540 أجنبياً، إضافة إلى 34 قطعة سلاح و6307 قطع من الذخائر مختلفة الأعيرة، فضلاً عن إزالة 4488 خيمة وعشة كانت تُستخدم في أنشطة التنقيب غير المشروع عن الذهب، كما أشار إلى رصد 52 تجمعاً لعناصر مسلحة تمارس هذه الأنشطة داخل الأراضي المصرية.
وفي أبرز ما كشفه المؤتمر، أقر المتحدث العسكري باستخدام طائرات مسيّرة مسلحة في استهداف مواقع قال إنها تضم عناصر مسلحة، موضحاً أن تنفيذ الضربات استند إلى معلومات وإحداثيات دقيقة ومؤكدة بشأن أماكن وجود الأسلحة والذخائر، ونفى استهداف المدنيين، مؤكداً التزام القوات المسلحة قواعد الاشتباك ومواثيق القانون الدولي، وحرصها على ضبط النفس خلال العمليات.
وربط المتحدث العسكري الحملة العسكرية بضرورة حماية الاستثمارات في قطاع التعدين، موضحاً أن وجود مجموعات مسلحة داخل مناطق الامتياز تسبب في تهديد العاملين وإجبار بعضهم على مغادرة مواقعهم، الأمر الذي أدى إلى تراجع الاستثمارات وهروب رؤوس الأموال.
وفي المقابل، أثارت الضربات التي استهدفت مواقع للمنقبين في منطقة شمال الوادي بولاية البحر الأحمر السودانية، يوم 10 أكتوبر الماضي، موجة من الغضب السياسي والحقوقي، وسط اتهامات للقوات المصرية بالمسؤولية عن مقتل أعداد كبيرة من عمال التعدين السودانيين، وتتمسك القاهرة بروايتها التي تؤكد أن عملياتها تستهدف شبكات التنقيب غير القانوني عن الذهب والعناصر المسلحة المرتبطة بها، وأنها تُنفذ داخل الأراضي المصرية.
وأعلنت مجموعة “محامو الطوارئ” الحقوقية مقتل 72 من عمال التعدين المدنيين، متهمة الطيران الحربي المصري بتنفيذ الهجوم. في المقابل، تحدثت شبكة أطباء السودان عن مقتل 13 شخصاً وإصابة 28 آخرين جراء الواقعة، فيما لم تتمكن وسائل إعلام دولية من التحقق بصورة مستقلة من مسؤولية القوات المصرية عن الضربات، وسط تباين واضح في حصيلة الضحايا.
وعلى وقع الغضب الذي أثارته الحادثة، وجّه رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، في 12 أكتوبر، بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات القضائية والأمنية، للتحقيق في ملابسات الواقعة والوقوف على ظروفها، على أن ترفع تقريراً بنتائج التحقيق.
ورغم أن موقف مجلس السيادة لم يتضمن اتهاماً رسمياً مباشراً للقاهرة، فإن أمجد فريد، المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة، وصف الحادثة بأنها “جريمة غير مبررة وغير مقبولة”، في إشارة إلى حجم الغضب إزاء استهداف مواقع التعدين وسقوط ضحايا مدنيين.
وعلى الصعيد الحقوقي، تصاعدت المطالب بإجراء تحقيق مستقل ومحايد في الضربات الجوية التي استهدفت مواقع التعدين، إذ أصدرت ثماني منظمات حقوقية مصرية، في 21 أكتوبر، بياناً مشتركاً دعت فيه إلى التحقيق في الضربات المنسوبة إلى مصر، ومحاسبة المسؤولين عنها في حال ثبوت تورطهم في ارتكاب انتهاكات.
وشددت المنظمات على أن وجود عناصر مسلحة في مناطق التنقيب، حتى في حال ثبوت ذلك، لا يجعل مواقع التعدين التي يعمل فيها مدنيون أهدافاً عسكرية مشروعة، معتبرة أن استخدام القوة المميتة في عمليات إنفاذ القانون لا يجوز إلا في حالات الضرورة القصوى لحماية الأرواح، وليس لمجرد وقف أنشطة التعدين غير القانونية.
كما أكدت أن توزيع منشورات تحذيرية على الموجودين في مناطق التنقيب لا يعفي السلطات من مسؤولياتها القانونية والتزاماتها المتعلقة بحماية الحق في الحياة، ولا يمنحها مبرراً لاستخدام القوة المميتة خارج الضوابط القانونية.
وفي المقابل، تحاول المؤسسة العسكرية المصرية تقديم عملية “درع الجنوب” باعتبارها جزءاً من مواجهة أوسع للأنشطة غير المشروعة على الحدود الجنوبية، وليس مجرد حملة تستهدف التنقيب الأهلي عن الذهب. غير أن الإقرار باستخدام طائرات مسيّرة مسلحة في تنفيذ العمليات يفتح الباب أمام تساؤلات إضافية بشأن طبيعة الحملة وحدود استخدام القوة، لا سيما في ظل الاتهامات المتعلقة بمقتل عمال تعدين مدنيين على الجانب السوداني من الحدود.
وفي سياق استعراض الخسائر البشرية التي تكبدتها القوات المسلحة خلال المواجهات، أورد المتحدث العسكري اسم العقيد أحمد سمير، رئيس أركان حرس حدود المنطقة الجنوبية، والمقدم أحمد جودة، رئيس عمليات إحدى كتائب حرس الحدود بالمنطقة الجنوبية العسكرية، ضمن الضباط الذين استشهدوا خلال المواجهات.
ولكن الجنازة العسكرية للعقيد أحمد سمير نور الدين أُقيمت في 10 مارس 2026، أي قبل انطلاق المرحلة الأولى من عملية “درع الجنوب” في 14 يونيو من العام نفسه، وهو ما يثير تساؤلات بشأن إدراج اسمه ضمن قائمة الضباط الذين سقطوا خلال مواجهات العملية.
القوات المشتركة السودانية تفرض سيطرتها على الحدود الثلاثية
