في ظاهر المشهد، تبدو الحوادث المتكررة بين خفر السواحل الليبي وسفن الإنقاذ الأوروبية مجرد فوضى بحرية في واحد من أكثر مسارات الهجرة خطورة في العالم، لكن ما يجري قبالة السواحل الليبية يتجاوز الارتباك الميداني إلى لغة سياسية خشنة.
تستخدم طرابلس أسلوباً جديداً للضغط على أوروبا، وإعادة تعريف موقعها في أزمة الهجرة فهي ليست الوجهة النهائية التي يسعى معظم هؤلاء المهاجرين إلى الاستقرار فيها، ولن تقبل أن تتحول إلى مستودع بشري لأزمات الفقر والحروب والانهيارات القادمة من خارج حدودها.
بهذا المعنى، لا يبدو العنف البحري معزولاً عن خطاب حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية، بل امتداداً عملياً له؛ فحين تقول طرابلس في الاجتماعات الدولية إنها ترفض التوطين وتطلب دعماً أكبر، يبدو خفر السواحل كأنه يترجم الرسالة نفسها في البحر، ومفادها أن هؤلاء ليسوا مهاجرينا، ومن يريد احتواء تدفقهم فعليه أن يتحمل كلفة ذلك سياسياً ومالياً.

اجتماع روما.. الرسالة السياسية المعلنة
اجتماع روما الرباعي بين ليبيا وإيطاليا وتركيا وقطر، في 19 مايو 2026، كشف جوهر هذه الرسالة، فالوفد الليبي شدد على أن ملف الهجرة “سيادي وأمني وإنساني”، وأن ليبيا “ليست موطناً للهجرة غير النظامية” ولن تقبل التحول إلى منطقة توطين للمهاجرين.
وطالب الوفد، الذي ضم إبراهيم الدبيبة ووليد اللافي، بشراكة دولية تقوم على دعم قدرات وزارتي الدفاع والداخلية، وتطوير خفر السواحل، ومساعدة الدول المصدرة للهجرة، وتوسيع برامج العودة الطوعية والتنمية في مناطق العبور.
هذا الخطاب ليس جديداً لكنه يأتي اليوم في سياق أكثر توتراً، فطرابلس تعيد تعريف نفسها في ملف الهجرة كدولة عبور منهكة، تحولت بفعل الجغرافيا والحروب الأوروبية غير المعلنة على الهجرة إلى خط دفاع أول عن القارة.

“هؤلاء ليسوا مهاجرينا”.. جوهر الخطاب الليبي
لا يبدو السلوك العدواني لبعض تشكيلات خفر السواحل الليبي، بما في ذلك إطلاق النار على سفن إنقاذ أوروبية كما حدث مع سفينة “سي ووتش 5” في 11 مايو 2026، مجرد تجاوز ميداني، فهذه الحوادث تكشف نمطاً أوسع من استخدام القوة في البحر لإرسال رسالة سياسية بأن طرابلس لن تتحمل وحدها عبء المهاجرين العابرين من أراضيها نحو أوروبا.
وفق الروايات الواردة في الوثيقة، أطلق زورق تابع لخفر السواحل الليبي النار قرب السفينة في المياه الدولية، بعد إنقاذ نحو 90 مهاجراً، ثم طالبها بالتوجه إلى طرابلس وهدد بالصعود إليها، وتحدثت منظمة “سي ووتش” عن وابل من 10 إلى 15 رصاصة، ومحاولة لإجبار السفينة الألمانية على العودة إلى ليبيا.
في السياسة، للعنف لغته، وما جرى يبدو أقرب إلى رسالة ردع موجهة إلى المنظمات الأوروبية، وإلى الحكومات التي تقف خلفها أو تتسامح معها بأن لا تقتربوا من منطقة نفوذنا، ولا تحولوا البحر إلى ممر إنقاذ ينتهي في أوروبا من دون دفع ثمن سياسي ومالي لليبيا.
إنه شكل منحرف من الابتزاز، لا لأنه يفتقر إلى خلفية حقيقية، بل لأنه يستخدم حياة المهاجرين وسلامة المنقذين كورقة تفاوض.

ابتزاز أمني أم صرخة سيادية؟
طرابلس تعرف أن أوروبا واقعة في تناقض عميق، فهي لا تريد استقبال موجات جديدة من طالبي اللجوء والمهاجرين؛ ولا تستطيع علناً الدفاع عن إطلاق النار على سفن إنقاذ مدنية أو إعادة الناس إلى بلد توثق منظمات دولية فيه الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة والابتزاز والعمل القسري.
تستثمر حكومة الدبيبة نقطة الضعف الأوروبية في ملف الهجرة، فتربط تعاونها الأمني بكلفة سياسية ومالية أوضح، فهي لن تواصل أداء دور الحارس المتقدم للحدود الأوروبية من دون مقابل أكبر، من دعم مالي ولوجستي، واعتراف سياسي بدورها، ومساندة مباشرة لأجهزتها الأمنية.
غير أن هذه الحجة تخفي مأزقاً أخلاقياً وسياسياً، فليبيا ليست مصدر الأزمة بقدر ما هي إحدى ساحاتها، وتمر عبرها تدفقات بشرية صنعتها حروب وفقر وانهيارات تقع خارج حدودها، بينما أسهمت السياسات الأوروبية في تحويل دول جنوب المتوسط إلى مناطق صد واعتراض بدل أن تكون شريكة في إدارة إنسانية متوازنة، لكن ذلك لا يمنح سلطات طرابلس تفويضاً مفتوحاً لاستخدام العنف أو التنصل من مسؤولية الأجهزة التي تعمل باسمها، فرفض التوطين لا يبرر تحويل خفر السواحل إلى أداة ضغط مسلحة، ولا يعفي الحكومة من واجب ضبطه ومحاسبته.

خفر السواحل.. صناعة أوروبية ثم مصدر تهديد
المفارقة أن خفر السواحل الليبي هو نتاج هذه المعادلة الأوروبية ـ الليبية، حيث تلقى دعماً وتدريباً وتمويلاً من دول أوروبية، ثم تحول في نظر بعض العواصم والمنظمات إلى مصدر تهديد.
صنفت ألمانيا خفر السواحل الليبي “كياناً معتدياً”، ورفعت مستوى التأهب للسفن الألمانية قبالة ليبيا، خاصة سفن الإغاثة والبحث والإنقاذ، بعد حوادث إطلاق نار متكررة، كما انتقدت منظمات إنسانية هذا التصنيف باعتباره اعترافاً متأخراً بعنف كانت توثقه منذ سنوات، بينما استمرت أوروبا في تمويل الجهة ذاتها التي باتت تحذر منها.
الاتحاد الأوروبي يريد من خفر السواحل الليبي أن يعترض القوارب قبل وصولها إلى المياه الأوروبية، لكنه يريد أيضاً أن يبقى العنف غير مرئي، وأن تجري عمليات الإرجاع بعيداً عن كاميرات الصحافة ومنظمات الإنقاذ.
حين يصل الرصاص إلى سفينة ألمانية، يصبح الخطر مشكلة أمن ملاحة، أما حين يعاد المهاجرون إلى مراكز احتجاز مكتظة، أو يبتلع البحر قواربهم، فغالباً ما يتحول الأمر إلى أرقام في تقارير الهجرة.

مسؤولية طرابلس.. لا تبرئة خلف النفاق الأوروبي
لا ينبغي أن تتحول إدانة النفاق الأوروبي إلى تبرئة للسلطات الليبية، فحكومة الدبيبة تسعى إلى تحويل ملف الهجرة إلى مورد سياسي، فهي تستثمر فيه للحصول على الدعم، ولتعزيز شرعيتها أمام الخارج، ولإظهار نفسها شريكاً لا غنى عنه في أمن المتوسط.
من هنا جاء اجتماع روما لا بوصفه لقاء فنياً فقط، بل محطة في بناء محور إقليمي – أمني يضم ليبيا وإيطاليا وتركيا وقطر؛ هدفه المعلن مكافحة الهجرة غير النظامية، أما الضمني تثبيت دور طرابلس كحارس للبوابة الجنوبية لأوروبا.
عملياً، كل دعم أمني لا ترافقه رقابة قانونية وحقوقية صارمة يوسع قدرة الأجهزة الليبية على الاعتراض والاحتجاز، من دون أن يبني سياسة هجرة أكثر إنسانية أو انتظاماً.
المشكلة ليست في تقوية المؤسسات، بل في نوع القوة التي تمنح لها، فهل تستخدم لضبط الحدود وملاحقة شبكات التهريب ضمن إطار قانوني واضح، أم تتحول إلى طاقة إضافية لإعادة المهاجرين إلى دائرة الاحتجاز والابتزاز؟ وما قيمة تطوير القدرات الأمنية إذا لم يترافق مع نظام لجوء واضح، وآليات فرز مستقلة، وضمانات ضد الإعادة إلى أماكن غير آمنة، ورقابة قضائية فعلية على مراكز الاحتجاز؟

اقتصاد الهجرة: من العبور إلى السوق السوداء
ليبيا منذ 2011، لم تعد مجرد نقطة عبور، بل أصبحت سوقاً مركبة للهجرة، عبر سلسلة يصبح المهاجر فيها سلعة، والمؤسسات الأمنية الهشة قابلة للاختراق من شبكات المال والسلاح، وعندما تطلب طرابلس من أوروبا دعماً أكبر، فإن السؤال ليس فقط كم ستدفع أوروبا؟ بل لمن ستدفع؟ وتحت أي رقابة؟ وبأي نتيجة؟
إن انتقال جزء من مسارات الهجرة شرقاً، عبر طبرق والكفرة باتجاه اليونان وكريت، يثبت أن الحل الأمني وحده لا يغلق الطريق، بل يدفعه إلى تغيير مساره، فحين تضيق الرقابة في نقطة، تتحرك الشبكات نحو نقطة أخرى.
ما تكشفه حوادث الإنقاذ والغرق المتكررة قبالة الشرق الليبي أن الردع لا يوقف الهجرة بقدر ما يعيد توزيع مخاطرها؛ فإذا أغلق باب، فتح آخر أبعد وأخطر، وبقي المهاجرون وحدهم يدفعون ثمن هذا الانتقال من طريق موت إلى طريق موت آخر.
تقول طرابلس لأوروبا “هؤلاء ليسوا مهاجرينا”، لكن البحر يرد بجملة أشد قسوة، فعندما تغيب السياسة العادلة، يصبح الجميع مسؤولاً عن الجثث.
أوروبا مسؤولة لأنها مولت المنع بدل الحماية، وحكومة الدبيبة أيضاً لأنها حولت الأزمة إلى ورقة تفاوض، وخفر السواحل يتحمل المسؤولية حين يستخدم الرصاص بدل القانون.
أما المهاجرون، فهم وحدهم من يدفعون ثمن هذه الصفقة الرديئة؛ مرة في الصحراء، ومرة في مراكز الاحتجاز، ومرة ثالثة في البحر.
بقلم نضال الخضري
الدبيبة يشعل أزمة وزير النفط الليبي.. وزيران في ديوان واحد
