31 أكتوبر 2026

أيوب نصر، خبير في الشؤون الأوراسية، أكّد في تصريحات خاصة لشبكة “أخبار شمال إفريقيا”، أن روسيا تتبنى نهجاً يقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية أو التأثير في سياساتها، مشيراً إلى أن هذا التوجه يستند إلى مرتكزات فكرية وسياسية راسخة.

وأوضح نصر أن هذا النهج يرتبط بما يُعرف بـ”النظرية السياسية الرابعة”، التي تقوم على مبدأ حق كل شعب ودولة في بناء نظامه السياسي والاقتصادي وفقاً لما يتناسب مع تاريخه وأعرافه ومعتقداته وهويته الثقافية، بعيداً عن فرض نماذج خارجية لا تنسجم بالضرورة مع خصوصياته، واعتبر أن هذا التوجه يمنح الدول الإفريقية مساحة أوسع لتحديد خياراتها السياسية والاقتصادية، ويساعدها على تحقيق قدر من التوازن في علاقاتها الدولية.

وفي حديثه عن دلالات القمة الروسية الإفريقية، ولا سيما أنها لم تُعقد على مدار السنوات الثلاث الماضية، أشار نصر إلى أن توقيت انعقادها يحمل أهمية خاصة، لافتاً إلى أن القمم السابقة كانت تُنظم خلال شهر يوليو، بينما تُعقد هذه المرة في أكتوبر، وقبل أيام من القمة الثلاثية المرتقبة بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا.

وأضاف أن الدول الإفريقية اضطلعت بدور مهم في مسار الأزمة الأوكرانية، سواء في سياق نشأتها أو في الجهود المرتبطة بإنهائها، موضحاً أن الحضور الروسي المتزايد في القارة الإفريقية، ولا سيما في منطقة الساحل، أثار انزعاج الدول الغربية، التي سعت إلى توظيف الملف الأوكراني باعتباره ورقة للضغط والمساومة على موسكو.

ولفت إلى أن الزيارات التي أجراها الرئيسان الفرنسي والألماني إلى روسيا قبل بدء ما تسميه موسكو “العملية العسكرية الخاصة” شهدت مناقشة ملف دول الساحل، معتبراً أن ذلك يعزز فرضية استخدام الأزمة الأوكرانية كورقة ضغط في سياق المساومات السياسية، بما في ذلك إمكانية تخلي روسيا عن علاقاتها مع دول الساحل مقابل تراجع الدول الغربية عن دعم أوكرانيا، غير أن هذا السيناريو لم يتحقق، واختارت موسكو مواصلة تعزيز علاقاتها مع الدول الإفريقية.

وأكد نصر أن الدول الإفريقية، إلى جانب الدول العربية، يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في مسار التسوية السياسية للأزمة الأوكرانية، مشيراً إلى أن السوق الإفريقية تمثل سوقاً واسعة وذات أهمية استراتيجية، وأن نجاح الغرب في استمالة الدول الإفريقية من شأنه زيادة عزلة روسيا دولياً، في حين أن نجاح موسكو في بناء شراكات قوية مع هذه الدول وتعزيز التواصل معها قد يسهم في تخفيف آثار العقوبات الغربية المفروضة عليها.

واعتبر أن الدول الإفريقية تمثل أحد العناصر المؤثرة في حسابات الصراع الأوكراني، وأن انعقاد القمة الروسية الإفريقية قبيل القمة الثلاثية المرتقبة يأتي في إطار سعي موسكو إلى تعزيز موقعها التفاوضي، ورأى أن أي مكاسب قد تحققها روسيا خلال القمة الإفريقية يمكن أن تتحول إلى أوراق ضغط تستثمرها في المفاوضات المرتقبة مع الولايات المتحدة وأوكرانيا.

كما أشار إلى أن مستوى الحضور والتمثيل الدبلوماسي للدول الإفريقية في القمة يعكس رغبة متزايدة لدى هذه الدول في البحث عن شركاء جدد وتنويع علاقاتها الدولية، وعدم حصر خياراتها في الدول الغربية، التي قال إنها استغلت القارة الإفريقية وشعوبها على مدى عقود طويلة، وأضاف أن طبيعة الشخصيات المشاركة ومستوى تمثيل دولها يحملان دلالة واضحة على توجه إفريقي نحو بناء علاقات دولية أكثر تنوعاً وتوازناً.

وفي ما يتعلق بطبيعة الشراكة التي تعرضها موسكو على الدول الإفريقية، أوضح نصر أن روسيا تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها شريكاً في مجالات متعددة، تشمل التنمية والأمن والغذاء والطاقة، مستشهداً بمشروعات إنشاء المحطات النووية لأغراض تنموية في عدد من الدول الإفريقية، إلى جانب تصدير القمح الروسي للمساهمة في معالجة مشكلات الأمن الغذائي التي تواجه بعض دول القارة.

وأشار إلى أن هذه التحركات تعكس رغبة روسية في تعزيز الاستثمارات وتوسيع حضور رأس المال الروسي في إفريقيا، فضلاً عن زيادة التبادل التجاري من خلال استيراد بعض المنتجات الإفريقية وتسويقها داخل السوق الروسية، بما يتيح للمنتجات القادمة من القارة فرصاً أوسع للانتشار، واعتبر أن موسكو تحاول، من خلال هذه المجالات، ترسيخ صورتها كشريك موثوق يمكن للدول الإفريقية الاعتماد عليه.

وعن أبرز ما يميز روسيا عن الدول الغربية في تعاملها مع القارة، شدد نصر على أن مبدأ احترام خصوصية الدول وحقها في تحديد سياساتها ونظمها الاقتصادية، وفقاً لما يتناسب مع ظروفها الوطنية، يمثل أحد أبرز عناصر الاختلاف بين الطرفين. واعتبر أن بعض الدول الغربية لا تزال تتعامل مع إفريقيا بعقلية تنطوي على التعالي والرغبة في الهيمنة، فضلاً عن استمرار بعض الممارسات المرتبطة بالإرث الاستعماري.

وأضاف أن روسيا تتمتع، على المستوى الشعبي، بأفضلية نسبية داخل عدد من المجتمعات الإفريقية، نظراً إلى أنها لم تكن قوة استعمارية في القارة، ولم تترك وراءها إرثاً استعمارياً مماثلاً لما ارتبط ببعض القوى الغربية. وأشار إلى أن غياب العداء التاريخي بين الشعوب الإفريقية وروسيا يمنح موسكو مساحة أكبر لتعزيز حضورها وتقوية علاقاتها مع دول القارة.

وأوضح أن هذا التقارب تعزز خلال فترة الحرب الباردة، عندما ظهرت روسيا، في إطار الاتحاد السوفيتي آنذاك، بوصفها داعماً لعدد من الدول الإفريقية في مواجهة الهيمنة الغربية، وهو ما أسهم في تكوين صورة إيجابية عنها لدى قطاعات من الرأي العام الإفريقي. ورأى أن غياب الحقد التاريخي تجاه موسكو يمثل عاملاً مساعداً في تعزيز التقارب الشعبي والسياسي بين الجانبين.

وفي السياق ذاته، أكد نصر أن توسيع الاستثمارات الروسية في إفريقيا، خصوصاً في قطاعات الطاقة والغذاء، يمنح الدول الإفريقية فرصة مهمة لتنويع شركائها الاقتصاديين وتحقيق التوازن في علاقاتها مع القوى الدولية، بما يقلل من اعتمادها الكامل على الدول الغربية، ويوفر لها هامشاً أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية، فضلاً عن فتح آفاق جديدة للتعاون والاستثمار.

ولفت إلى أن روسيا تُعد من أكبر الدول المصدرة للطاقة، كما تحتل موقعاً متقدماً في تصدير القمح، إلى جانب امتلاكها خبرات تكنولوجية متطورة وقدرات كبيرة في مجال البنية التحتية، وأكد أن نقل هذه الخبرات إلى الدول الإفريقية يمكن أن يسهم في دعم خطط التنمية وتطوير قطاعات حيوية، تشمل الطاقة والأمن الغذائي والبنية التحتية، فضلاً عن نقل التكنولوجيا المدنية والعسكرية.

وأضاف أن الاستفادة من الخبرات الروسية لا تقتصر على المشروعات والاستثمارات، بل يمكن أن تمتد إلى المجال التعليمي والعلمي، من خلال تنظيم زيارات ورحلات دراسية للطلاب الأفارقة إلى موسكو، بما يتيح لهم فرصة اكتساب المعرفة والخبرات، ثم العودة إلى بلدانهم لتوظيف ما تعلموه في دعم مسارات التنمية، واعتبر أن هذه المجالات تمثل فرصاً واسعة أمام الدول الإفريقية للاستفادة من الإمكانات الروسية وتطوير قدراتها الذاتية.

وعلى الصعيد الأمني والعسكري، رأى نصر أن التعاون الروسي مع بعض الدول الإفريقية يمكن أن يشكل عاملاً مساعداً في مواجهة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، مشيراً إلى أن هذا التعاون ليس جديداً، إذ يمتد إلى عقود سابقة وشمل عدداً من الدول، من بينها مصر وليبيا والجزائر.

وأوضح أن نطاق التعاون الأمني والعسكري الروسي اتسع خلال السنوات الأخيرة ليشمل دولاً كانت مستعمرات فرنسية سابقاً، معتبراً أن هذا التوجه يعكس تحولاً في خيارات بعض هذه الدول، التي باتت تميل إلى تعزيز علاقاتها مع موسكو بدلاً من الاعتماد على الشركاء الغربيين.

وأضاف أن بعض السياسات الغربية تجاه إفريقيا والعالم العربي تقوم، بحسب تقديره، على إدارة الأزمات بدلاً من معالجة جذورها، مشيراً إلى أن الدول الإفريقية لم تحصل، في حالات عديدة، على حلول جذرية أو دعم أمني وعسكري كافٍ يمكّنها من مواجهة التنظيمات المسلحة والمتطرفة الموجودة على أراضيها.

وأكد أن هذه الظروف تدفع عدداً من الدول الإفريقية إلى البحث عن شركاء جدد، وفي مقدمتهم روسيا، للاستفادة من خبراتها وإمكاناتها العسكرية والأمنية في مواجهة التحديات التي تهدد استقرارها وأمنها.

وفي ما يتعلق بتأثير التقارب الروسي الإفريقي على النظام الدولي، اعتبر نصر أن هذه الخطوات تمثل إضافة نوعية في مسار الانتقال نحو عالم متعدد الأقطاب، كما توفر للدول الإفريقية فرصة لتطوير علاقاتها الدولية وتوسيع خياراتها، بدلاً من الاعتماد الكامل على قوة أو تكتل واحد، سواء كان اقتصادياً أو عسكرياً.

وأوضح أن وجود بدائل وشركاء دوليين متنوعين يشكل إحدى الركائز الأساسية لتعددية الأقطاب، إذ لم يعد من الضروري أن تتركز القوة الاقتصادية والعسكرية في يد طرف واحد، بل يمكن لقوى أخرى من مناطق مختلفة أن تؤدي أدواراً مؤثرة في صياغة العلاقات الدولية، بما يعزز التوازن على الساحة العالمية.

وفي المقابل، حذر نصر من وجود تحديات قد تعرقل تحويل مخرجات القمة والتفاهمات التي قد تنبثق عنها إلى مشروعات ونتائج ملموسة على أرض الواقع، مشيراً إلى أن أول هذه التحديات يتمثل في ارتباط بعض الدول الإفريقية بالتزامات ومصالح مع أطراف خارجية، وهو ما قد يحد من قدرتها على تطوير علاقاتها مع روسيا أو تنفيذ التفاهمات المشتركة بالوتيرة المطلوبة.

وأضاف أن هذه المصالح المتشابكة قد تشكل عائقاً أمام توسيع الشراكة الروسية الإفريقية، لكنه استدرك بأن أفضل السيناريوهات في ظل هذه الظروف يتمثل في الحفاظ على العلاقات بين روسيا والدول الإفريقية وعدم تراجعها أو تدهورها.

أما التحدي الثاني، فيرتبط بطبيعة عمل الاتحاد الإفريقي وآليات التنسيق بين دول القارة، إذ أوضح نصر أن الاتحاد الإفريقي لا يمتلك، على غرار الاتحاد الأوروبي، منصات وآليات متكاملة لتحديد المخاطر وترتيب الأولويات ورصد التحديات التي تواجه الأمن القومي والإقليمي للدول الأعضاء.

وأشار إلى أن غياب مثل هذه الآليات يجعل من الصعب بلورة رؤية إفريقية موحدة بشأن القضايا الأمنية والإقليمية الكبرى التي تمس مصالح مختلف دول القارة، ويحد من إمكانية التعامل معها ضمن إطار جماعي منظم.

وأوضح أن معظم الدول الإفريقية تتجه، في ظل هذه الظروف، إلى إدارة ملفاتها بصورة منفردة، وفقاً لمصالحها الوطنية وأولويات أمنها القومي، دون وجود تنسيق كافٍ يراعي متطلبات الأمن الإقليمي للقارة ككل.

واختتم نصر حديثه بالتأكيد على أن هذه الإشكالية تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاتحاد الإفريقي، وقد تشكل عقبة أمام تحويل التفاهمات والاتفاقات التي ستخرج بها القمة الروسية الإفريقية إلى نتائج عملية ومشروعات قابلة للتنفيذ، مشدداً على أن نجاح الشراكة بين الجانبين لا يتوقف على التفاهمات السياسية وحدها، بل يرتبط أيضاً بوجود آليات مؤسسية قادرة على متابعة تنفيذها وتحويلها إلى واقع ملموس.

روسيا تحذر من مساعي “نصرة الإسلام” لفرض حصار طاقي على مالي

اقرأ المزيد