تحولت تجارة المخدرات وإنتاجها في دارفور خلال الحرب إلى نشاط متنامٍ، وسط تراجع الرقابة واتساع مسارات التهريب داخل السودان وعبر الحدود.
وتشير معطيات محلية إلى توسع زراعة القنب الهندي، المعروف محلياً باسم “البنقو”، وتجارة المخدرات وتهريبها في إقليم دارفور، مع استفادة شبكات منظمة من الفوضى الأمنية الناتجة عن الحرب.
وتقول مصادر محلية إن مدن نيالا والضعين وزالنجي ومناطق أخرى أصبحت تشهد عمليات تعاطٍ وتوزيع واسعة، بما في ذلك داخل الأسواق، في ظل تراجع قدرة الأجهزة الرسمية على الرقابة.
وتتركز زراعة “البنقو” بشكل خاص في محلية الردوم جنوب غربي ولاية جنوب دارفور، حيث تساعد طبيعة المنطقة الوعرة وانفتاح الحدود مع دول الجوار على توفير ظروف ملائمة للزراعة والتهريب.
وبحسب مصادر محلية، اتسعت المساحات المزروعة في الأرياف، ووصلت الكميات المنتجة في بعض الحالات إلى نحو 50 طناً، وسط اتهامات لقوات الدعم السريع بالاستفادة من تجارة المخدرات في تمويل عملياتها العسكرية.
وقال المتخصص في الاقتصاد حافظ الصاوي إن الدعم السريع استغل نفوذه في دارفور، بحسب تقديره، في تجارة وتهريب المخدرات مستفيداً من ضعف قدرات الدولة خلال الحرب. وأضاف أن عائدات هذه التجارة يمكن أن تستخدم في شراء الأسلحة ودفع رواتب المقاتلين وتجنيد عناصر جديدة.
وأشار الصاوي إلى أن وزارة الداخلية السودانية كانت تنفذ سنوياً حملات مشتركة لإحراق مزارع المخدرات خلال موسم الحصاد في محلية الردوم، بالتنسيق مع الفرقة “16-مشاة”، إلا أن هذه الحملات توقفت منذ اندلاع الحرب، ما أسهم، وفق قوله، في اتساع الظاهرة.
وأوضح أن مساحات زراعة المخدرات في جنوب دارفور قبل اندلاع الصراع كانت تتجاوز 34 ألف كيلومتر مربع، وأن منطقة الردوم وحدها كانت تنتج ما بين 80 و90 بالمئة من البنقو المستخدم محلياً، وفق تقديراته.
من جهته، قال الناشط الحقوقي نعمان هاشم إن تجارة المخدرات وتهريبها في دارفور توسعت بعد سيطرة الدعم السريع على الولايات الخمس، مشيراً إلى دخول مخدرات مصنعة إلى المنطقة، من بينها الكبتاغون و”الآيس”.
وأضاف أن شبكات التهريب تستخدم طرقاً صحراوية للوصول إلى ليبيا وإفريقيا الوسطى، في حين تتداخل، بحسب قوله، مسارات تهريب المخدرات مع تجارة السلاح وشبكات المصالح المرتبطة بالنزاع.
وأشار هاشم إلى أن تفكك منظومات الضبط الرسمية في الإقليم ساعد على توسع النشاط، وقال إن المخدرات أصبحت جزءاً من دائرة تمويل الحرب، سواء من خلال فرض إتاوات على المزارعين أو عبر شبكات النقل والتوزيع التي تستفيد من الحدود المفتوحة مع تشاد وإفريقيا الوسطى.
وقال قيادي أهلي من شمال دارفور، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، إن بعض تجار المخدرات انضموا إلى الدعم السريع بعد اندلاع الحرب، وإن انخراط أفراد من القوات في زراعة وتجارة “البنقو” وفر، وفق روايته، حماية للنشاط.
وأضاف أن بعض القادة الميدانيين متورطون في زراعة وتجارة البنقو وتمويل مزارعين مقابل تقاسم العائدات، إلى جانب تسهيل نقل المخدرات إلى مناطق التسويق، محذراً من تحول مناطق في الإقليم إلى مراكز إنتاج وتوزيع وعبور.
وفي جانب آخر، رصدت دراسة أعدها المتخصص في مبادرات الدعم النفسي والاجتماعي لمتعاطي المخدرات نصر الدين يوسف انتشار التعاطي بين الشباب في ولاية شمال دارفور، وشملت عينات من محليات الطينة وكبكابية وسرف عمرة.
ووفق الدراسة، تحولت مدينة الطينة الواقعة على الحدود السودانية التشادية إلى محطة للمخدرات المصنعة القادمة من تشاد، قبل نقلها إلى مناطق مختلفة داخل السودان عبر شبكات منظمة.
وأشارت الدراسة إلى انتشار مقلق لمخدر الكبتاغون بين بعض الشباب، وحذرت من الآثار النفسية والجسدية الخطرة للمخدرات المصنعة، التي قد تؤدي في بعض الحالات إلى مضاعفات مميتة.
وتعكس هذه المعطيات اتساع نطاق تجارة المخدرات في دارفور خلال الحرب، من الإنتاج المحلي والتهريب الداخلي إلى مسارات عابرة للحدود، بالتزامن مع تراجع منظومات الرقابة الأمنية وتداخل النشاط مع اقتصاد الحرب.
ليبيا.. حكومة حماد تنسق مع القيادة العامة لتحسين إمكانات المراقبة الأمنية
