ليبيا تواصل لعب دور محوري في ملف الهجرة بين إفريقيا وأوروبا، وسط جدل بشأن دقة الأرقام الأوروبية التي تحدثت عن تراجع أعداد المهاجرين غير النظاميين المنطلقين من سواحلها خلال الفترة الأخيرة.
وأثار إعلان المفوضية الأوروبية عن تراجع أعداد المهاجرين المغادرين من السواحل الليبية موجة من التساؤلات حول أسباب هذا الانخفاض وما إذا كان يعكس تحولاً حقيقياً في مسارات الهجرة أم نتيجة مؤقتة لإجراءات أمنية مشددة.
وبرزت تباينات في المواقف بين أطراف أوروبية اعتبرت الأرقام مؤشراً على نجاح الجهود المبذولة للحد من الهجرة غير النظامية، وبين خبراء ليبيين شككوا في دقتها ودعوا إلى التعامل معها بحذر.
وأوضح المحلل السياسي محمد امطيريد أن تشديد الرقابة البحرية والحدودية، بالتوازي مع التعاون القائم بين ليبيا والاتحاد الأوروبي، أسهم في خفض أعداد المهاجرين خلال الفترة الأخيرة.
وأشار امطيريد إلى أن ارتفاع تكاليف الهجرة غير النظامية وتزايد المخاطر المرتبطة بها شكلا عاملين إضافيين في تراجع حركة العبور عبر الأراضي الليبية.
واستند المحلل إلى تقارير صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة تحدثت عن انخفاض تدفقات المهاجرين عبر الحدود الليبية خلال الربع الأول من عام 2026، نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي الموسمي وتشديد الإجراءات الأمنية على بعض المنافذ الحدودية.
واعتبر أن هذه العوامل أدت إلى تغيير مؤقت في أنماط حركة المهاجرين، دون أن تنجح في القضاء على الظاهرة بشكل كامل.
وأكد امطيريد أن ليبيا لا تزال تؤدي دوراً مزدوجاً باعتبارها دولة عبور رئيسية نحو أوروبا ودولة استقرار مؤقت لآلاف المهاجرين في الوقت نفسه.
ولفت إلى أن غالبية المهاجرين الذين يسلكون طريق وسط البحر المتوسط ينطلقون من الأراضي الليبية، وفق تقارير أوروبية متخصصة.
وأوضح أن تقديرات المنظمة الدولية للهجرة تشير إلى وجود نحو 936 ألف مهاجر داخل ليبيا خلال عام 2026، ما يعكس تحول البلاد إلى محطة إقامة مؤقتة لفترات متفاوتة بالنسبة لعدد كبير من المهاجرين.
وشدد على أن تراجع أعداد المغادرين من السواحل الليبية لا يعني انتهاء ظاهرة الهجرة غير النظامية، بل يعكس تغيراً في أنماط الحركة وظروف العبور.
وأبدى الخبير في إدارة الأزمات سعد الغديوي تشككاً في صحة الأرقام الصادرة عن المفوضية الأوروبية، مؤكداً عدم وجود بيانات موثقة أو منهجية واضحة تفسر حجم الانخفاض المعلن.
وتساءل الغديوي عن آليات جمع هذه البيانات في ظل محدودية الحضور الميداني للمؤسسات الأوروبية داخل ليبيا ودول المصدر الأفريقية.
ورأى أن غياب التفاصيل المتعلقة بجنسيات المهاجرين ومسارات انتقالهم ووجهاتهم النهائية يجعل من الصعب التحقق من دقة هذه الأرقام أو الاعتماد عليها بشكل كامل.
ووصف ملف الهجرة غير النظامية بأنه قضية قديمة ومعقدة ظلت حاضرة بقوة في العلاقات بين ليبيا والدول الأوروبية على مدى سنوات.
وفضل استخدام مصطلح “الهجرة غير النظامية” بدلاً من “الهجرة غير الشرعية”، معتبراً أن الإشكالية الأساسية تتعلق بغياب التنظيم القانوني لحركة الهجرة وليس بحق التنقل في حد ذاته.
واتهم الغديوي الدول الأوروبية بعدم الوفاء الكامل بالتزاماتها تجاه ليبيا في ملف مكافحة الهجرة، رغم الاتفاقيات الثنائية الموقعة، وخاصة مع إيطاليا.
وأشار إلى أن ليبيا تحملت الجزء الأكبر من أعباء الرقابة والإنفاق المرتبطين بالحد من الهجرة، مقابل محدودية الدعم الفعلي المقدم من الشركاء الأوروبيين.
واعتبر أن حملات التفتيش الأمنية الأخيرة داخل ليبيا ربما دفعت بعض المهاجرين إلى تغيير أماكن وجودهم أو مسارات تحركهم، لكنها لم تؤدِ بالضرورة إلى انخفاض حقيقي في أعدادهم.
وأوضح أن المهاجرين داخل ليبيا ينقسمون إلى فئات متعددة، تشمل من يواصلون رحلتهم سريعاً نحو أوروبا، ومن يضطرون للعمل داخل البلاد لتوفير تكاليف العبور، وآخرين يستقرون مؤقتاً بعد تعثر محاولات الهجرة.
ودعا إلى وضع سياسات واضحة لتنظيم ملف العمالة الأجنبية، مع التمييز بين العمالة الماهرة التي تساهم في الاقتصاد والعمالة غير الماهرة التي تحتاج إلى أطر تنظيمية أكثر فعالية.
وخلصت الآراء المطروحة إلى أن ملف الهجرة في ليبيا يظل من أكثر الملفات تعقيداً، نظراً لتداخل أبعاده الأمنية والسياسية والاقتصادية والإنسانية.
وأكد خبراء أن معالجة الظاهرة تتطلب تعاوناً متوازناً بين ليبيا والدول الأوروبية، يقوم على شراكة فعلية ومسؤوليات مشتركة بعيداً عن الاكتفاء بالإجراءات الأمنية أو البيانات الإحصائية المجتزأة.
ليبيا تخصص 2.19 مليار دولار لدعم قطاع النفط
